icon
التغطية الحية

الشرطة النسائية.. حماية للسياح أم فاتحة لدور نسائي أوسع في سوريا الجديدة؟

2026.09.11 | 18:17 دمشق

آخر تحديث: 2026.09.12 | 18:02 دمشق

الشرطة النسائية.. حماية للسياح أم فاتحة لدور نسائي أوسع في سوريا الجديدة؟
الشرطة النسائية.. حماية للسياح أم فاتحة لدور نسائي أوسع في سوريا الجديدة؟
The New Lines Magazine- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- في عام 2025، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن توظيف النساء في الشرطة، مما جذب 15 ألف امرأة للتقديم، وتم قبول أكثر من 500 امرأة للتدريب في معاهد الشرطة بدمشق وطرطوس لتعزيز دور المرأة في المجتمع.

- تقدم معاهد الشرطة برامج تدريبية مكثفة تشمل التدريب الرياضي والمحاضرات والتدريب على السلاح، بقيادة يسرى القطاعنة، التي تسعى لتقديم تدريب شامل رغم التحديات الاجتماعية والثقافية.

- تواجه النساء في الشرطة السورية تحديات اجتماعية وثقافية، لكنهن يسعين لتغيير النظرة السائدة وإثبات كفاءتهن، مع خطط لتوسيع الفئات المستهدفة لتشمل الأرامل وزوجات الشهداء.

تحت أشعة الشمس الحارقة في طرطوس، تمشي غزل عماد رستم، البالغة من العمر 20 عاماً، مشية عسكرية وعلى رأسها قبعة زيتية اللون، وتساير حركة ذراعيها الأرقام التي ترددها بين العشرات من رفيقاتها، في وقت أخذت أرتال من الأكمام ذات اللون البني الفاتح تتحرك نحو الأعلى والأسفل بحسب العد.

بدت رستم متحمسة ومستغربة من نفسها بعض الشيء، وهذا ما جعلها تقول وهي تبتسم: "لم أتوقع أن أدخل هذا المجال" كونها ابنة اللاذقية وعاشت معظم حياتها في لبنان، ولهذا تشوب كلماتها لهجة أهل بيروت وهي تتابع قائلة: "لكن التجربة رائعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى".

طالبات أكاديمية الشرطة يمشين مشية عسكرية ضمن إطار التدريبات التي يتلقينها

إقبال كبير

في أواخر عام 2025، نشرت وزارة الداخلية السورية إعلان توظيف خاص بالنساء، وعندما وجدت رستم رابطه على وسائل التواصل الاجتماعي، قررت أن تقدم "لتخدم بلدها" كما تقول. ولقد استغرب أهلها قرارها في بداية الأمر، ولكنهم سرعان ما شجعوها ودعموها.

لم تكن مساحة دور الشابات واضحة، غير أن الإعلان دفع قرابة 15 ألف امرأة من كل أرجاء سوريا للتقدم بطلبات. وخلال زيارة للوزارة أجريت في العام الماضي، قالت امرأة تنفذ عمليات التفتيش عند مدخل الوزارة: "توجهت إلينا نساء كثيرات خلال الفترة الماضية، ورفضناهن".

في حين أعربت شابة عن قلقها بسبب طولها الذي لا يصل إلى الحد المطلوب وهو 160 سنتيمتراً. وبعد شهر أو أكثر، ظهرت عبر فيس بوك منشورات حول بدء قبول المتقدمات، فانتشرت تعليقات تضم أسئلة قلقة كتبتها نساء، بجانب تعليقات أخرى اشتملت على محاولات للإجابة قدمتها نساء أخريات، ومن بين تلك الأسئلة: "مرحبا: تقدمت بطلب، ولم يصلني أي رد حتى الآن" "وهل لا يمكن إلا للنساء من محافظات معينة التقدم بطلب؟" و"هل شرط الطول إجباري؟"

هنالك معهدان للشرطة في سوريا يقدمان تدريباً للشرطيات، أحدهما بمنطقة التل في دمشق، والآخر على أتوستراد طرطوس، حيث كتبت عبارة (فرع التدريب بطرطوس) بأحرف ذهبية على خلفية زيتية اللون تمثل الشعار الرسمي لسوريا.

في زيارة لهذا المعهد خلال شهر آذار، تبين بأن النساء يخضعن للتدريب هناك ليرفدن كوادر الشرطة السياحية، ويتألف برنامجهن اليومي من تدريب رياضي في الصباح، ثم استراحة بعدها محاضرات، ومن ثم تدريباً على السلاح. وخلال الشهر الأول من الدورة التدريبية التي تمتد لأربعة أشهر، تقيم البنات في المعهد، وبعد ذلك يصبح بإمكانهن زيارة أهاليهن في عطلة نهاية الأسبوع.

تترأس يسرى القطاعنة، 39 عاماً، فرع التدريب بمعهد الشرطة النسائية، وخلال جولة برفقتها أخذت تعرف الصحفيين على المكان الذي تنام فيه المتدربات، وأين يتناولن طعامهن وأين يدرسن. يبث حضور هذه المرأة محبة ومهابة في النفوس فور رؤيتها، ولذلك كانت طالبات المعهد يصمتن خوفاً منها عندما تظهر وهي ترتدي حجابها الأسود المعقود خلف رأسها.

أبدت هذه المرأة حماسة لتعرض كل شيء أمام الفريق الصحفي خلال الجولة، وبمجرد أن دخلت الصف، سارعت الطالبات إلى الوقوف قبل أن تشير إليهن بالجلوس. أما المحاضرات والدروس التي تدور حول السياسة وحقوق الإنسان وغيرها من المواضيع فتعتبر جزءاً لا يتجزأ من التدريب.

سألت القطاعنة بصوت عال وهي تشير إلى بندقية عسكرية تركية الصنع: "ما هي أجزاء بندقية KCR؟" فارتفعت عشرات من الأيادي التي ترتدي قفازات بيضاء، ثم ذكرت كل طالبة أشارت إليها اسمها مسبوقاً بـ"الطالبة الشرطية" وذلك قبل الإجابة عن السؤال.

السلك العسكري النسائي ما بين التشجيع والرفض

بالنسبة لفاطمة عبد الرحمن الجباد، 21 عاماً، من محافظة إدلب، فإن هذا أكثر ما يعجبها في التدريب الذي تخضع له، وهي تتحدث بصوت خافت بالكاد يسمع من تحت نقابها.

فاطمة الجباد وهي تحمل سلاحها في أحد أبراج المراقبة بالأكاديمية

وفاطمة أصغر البنات في أسرتها، وتخبرنا وهي تضحك بأن شقيقها الكبير سجلها في المعهد من دون علمها، ثم أضافت: "لكنه يعرف أني أحب هذا المجال"، غير أن أول مرة حملت فيها فاطمة سلاحاً كانت في المعهد، ولهذا تقول: "بصراحة، غمرني إحساس رائع، إذ شعرت بأني قوية".

لم تحظ القطاعنة بالدعم الذي حظيت به الجباد عندما قررت أن تغامر بدخول المجال العسكري، فوالدها كان ضابطاً في جيش نظام الأسد البائد، وكانت تعتبره قدوة لها بحسب ما ذكرت، وعلقت على ذلك بقولها: "كانت أحلامي سابقة لزمني، ولهذا كنت أسأل نفسي: متى أكبر وأحصل على الشهادة الثانوية؟"

عندما أبلغت القطاعنة أسرتها بقرارها، عارضوها بشدة، ما دفعها لترفض التسجيل في الكلية بكل عناد، وأخذت تقول لهم إنها إن لم تسجل في الكلية العسكرية، فلن تسجل في أي كلية أخرى، فاستسلموا بنهاية الأمر، وهكذا سجلت لتنضم إلى القوات المسلحة التي كانت تتبع للنظام البائد، حتى تصبح مثل والدها. ولكن، بعد انطلاقة الثورة ضد نظام الأسد، ومع بدء الحرب في سوريا عام 2011، انشقت في مطلع عام 2012، ثم هربت إلى الأردن، والآن، تترأس التدريب الذي يقدم للنساء اللواتي سجلن في الأكاديمية العسكرية.

لا تدخل بالحريات الشخصية

بدأت رحلة كتابة هذا التحقيق بفكرة مفادها أن سوريا بحاجة لشرطة نسائية، وسرعان ما أرسل أحد المهتمين منشوراً عبر واتساب لإعلان وصله من صديق يعمل في وزارة الداخلية، ويدعو هذا الإعلان النساء للتسجيل لدى قوات الأمن الداخلي.

وهنا لا بد للمرء أن يتساءل عن الدور الذي يمكن للنساء أن تلعبه لدى قوات الأمن الداخلي، وهل سيخرجن لتنفيذ مداهمات مكافحة المخدرات، أم سيقتصر عملهن على وظائف مكتبية، خاصة بعد ظهور محاذير تجاه مخاطر عمل المرأة في هذا المجال، على اعتبار ذلك سيفاً ذا حدين، بما أن وجود نساء في سلك الشرطة قد يكون وسيلة لفرض رقابة أكبر على النساء في المجتمع بما يتماشى مع أعرافه، إذ ثمة من يقول: "هل سنصبح مثل إيران حيث تفرض نساء على نساء أخريات سلوكيات محددة؟"

يبدو هذا السؤال مقلقاً، وخاصة بعد القرار الذي جرى توضيحه منذ فترة قريبة بالنسبة لارتداء النساء للبوركيني على الشاطئ، والذي أثار ضجة في الأوساط الإعلامية في منتصف عام 2025.

لدى سؤالها عن ذلك، أجابت القطاعنة: "بما أننا شرطة سياحية فإننا نتعامل مع أمور تخص السياح، ولا نتدخل بما ترتديه المواطنة أو ما لا ترتديه، أو بما يفعله المواطنون، لأن هذا لا يخصنا"، وأوضحت أنها لا تعرف أي شيء عما تخطط له أقسام أخرى في وزارة الداخلية بهذا الصدد.

المقدم يسرى القطاعنة وهي تنظر من نافذة غرفتها بالأكاديمية

وأكدت تلك الفكرة هدى سرجاوي، مديرة معهد الشرطة النسائية، إذ قالت: "لدينا توجيهات من وزارة الداخلية بحماية الحريات الشخصية، مع ضمان نشر الأمان في المجتمع".

وأضافت أن السلطات تعمل على دمج القطعات النسائية في كل أقسام وزارة الداخلية، ولكن الشرطة السياحية خضعت للتدريب قبل غيرها حتى تكون جاهزة في موسم الصيف، وشرحت ذلك بقولها: "أول شيء يفكر به السائح هو الأمان، بما أن ذلك ما يشعره بالارتياح عند زيارة الأماكن السياحية".

وتضيف بأنه تم قبول طلب أكثر من 500 امرأة أخرى، ولهذا تأمل بأن يحظين بالتدريب بحسب "احتياجات" البلد، وأن يجري فرزهن وتوزيعهن على أقسام مختلفة، وتقول: "نريد للمرأة أن تشارك في كل أنحاء البلد، ونسعى من خلال توظيفهن لجعلهن واثقات من أنفسهن".

وهذا ما دفع هبة الله سامر شبيب، 25 عاماً، للتسجيل لدى وزارة الداخلية، والتي ربطت شعرها المصبوغ بالأشقر خلف رأسها، وعن ذلك تقول: "أريد أن يكون لي دور في المجتمع بوصفي امرأة، فأنا أسعى لنيل التقدير، والاعتماد على نفسي بدلاً من الاعتماد على أهلي".

التخطيط لاستقطاب فئات أوسع

غير أن بعض التعليقات التي وردت على دعوات التوظيف التي نشرتها وزارة الداخلية على فيس بوك انتقدت شرط العمر بالنسبة للمتقدمات واعتبرته صغيراً، لكن القطاعنة تعتقد أن هذا الشرط يمكن أن يتغير مستقبلاً، وتضيف: "لدينا وضع فريد من نوعه في سوريا، فهنالك امرأة كانت ثائرة، وأخرى زوجة شهيد، وثالثة أرملة، وأم لأطفال بحاجة لمن يسد رمقهم، ولهذا أتوقع بأن هناك رؤية مستقبلية بالنسبة لهذه الفئة العمرية الأكبر سناً بحيث تشمل الأرامل وزوجات المفقودين والشهداء".

وذكرت القطاعنة أن هنالك أمهات يخضعن للتدريب، إحداهن تركت طفلها البالغ من العمر شهرين حتى تشارك في الدورة التدريبية. وبحسب ما ذكرته سرجاوي، فإن معظم المتقدمات يحملن إجازات جامعية في تخصصات منها طب الأسنان والطب العام والهندسة إلى جانب تخصصات أخرى.

ومن بينهن راما السيد، 23 عاماً، التي تنحدر من ريف دمشق، إذ بعد تخرجها في قسم المحاسبة، رأت مصادفة رابط التقديم للانضمام إلى وزارة الداخلية بهدف خدمة البلد التي باتت تحس اليوم بأنه رجع إليها وإلى أهله، وعن ذلك تقول: "أحب الرمي وأعتبره هوايتي"، وعندما طلب منها أن تتخذ وضعية للتصوير تناسب شخصيتها، سحبت مسدسها من خصرها واتخذت وضعية تبزره.

غير أن بعض المدربات في معهد التل وطرطوس عملن في السابق لدى الدولة أيام حكم الأسد، وتخبرنا سرجاوي بأن ملفاتهن خضعت للتقييم بحيث جرى توظيف من لم تتلطخ يداها بالدماء ضمن الكادر، وتضيف: "استخرجنا لهن بطاقات مصالحة، وأصبحن اليوم مدربات، ولم يكن هنالك حضور كبير للنساء في هذا المجال من قبل، غير أننا بحاجة لهن هنا حتى يدربن الطالبات".

وقد جرى تجهيز معهد التل ليستقبل الطالبات، إذ دشن رسمياً في منتصف شهر آذار الماضي، وفي أثناء الجلوس في مكتب سرجاوي، ترددت عليها عضوات في الكادر حاملات طلبات مختلفة، إذ طالبت بعضهن بتركيب حمامات في الأماكن المخصصة للمعيشة، ثم حضرت خياطة بعد دقائق لتسأل عن موعد أخذ القياسات الخاصة بالبنات حتى تفصل لهن زياً موحداً.

طالبات الشرطة النسائية يجلسن على أحد المدرجات في الأكاديمية

تعترف السيد بأن النساء السوريات يتعرضن للتمييز تماماً كما يحدث في أغلب البلدان، لكنها لا تعير ذلك أي اهتمام، لأنها تحلم بتطوير نفسها إلى أن تصل لرتبة (مقدم) كمدربتها القطاعنة.

وتعلق القطاعنة على ذلك بقولها: "إن نظر إلي رجل نظرة تمييز، فسأقابله بنظرة مماثلة، كوني امرأة تمارس ما يمارسه تماماً، بما أننا نزاول العمل نفسه، ونتقاضى الراتب نفسه، ولطالما كانت النساء حاضرات في هذا المجال، وها هن اليوم موجودات فيه، وسيبقين حاضرات فيه مستقبلاً".

 

المصدر: The New Lines Magazine