icon
التغطية الحية

الشاعر "خليل حاوي".. بندقيةٌ في حزيران

2021.08.02 | 10:31 دمشق

khlyl_hawy-_tlfzywn_swrya.png
خليل حاوي (1919- 1982)
فارس الذهبي
+A
حجم الخط
-A

في عام 1919 ولد الشاعر خليل حاوي في بلدة "الهوية" بجبل العرب، وتنحدر عائلته من بلدة "الشوير" اللبنانية، ولكن والده كان يعمل حجّاراً ومهنته كانت تتطلب منه التنقل بين المدن والقرى السورية واللبنانية.

نشأ خليل حاوي في بيئة فقيرة حيث اعتمد والداه على قوته البدنية الفتية لمساعدتهما في العمل الشاق الذي كانت العائلة تقوم به، ولكن التمزق الداخلي الناتج عن حساسيته المفرطة لكونه الطفل الوحيد الذي بقي حيّاً من بين عديد من الأطفال الذين ماتوا بسبب رداءة الطب في ذلك الوقت جعله يكافح في العمل برفقة والده، لكنه ما لبث أن التحق بالجامعة الأميركية متأخراً عن أترابه بضغط من والدته، ومنها أكمل دراسته في جامعة كمبريدج في بريطانيا، وهناك أتم رسالة الدكتوراه التي كانت بعنوان <جبران خليل جبران >.

وفي لندن التقى حاوي محبوبته الأولى العراقية ديزي الأمير، التي سينفصل عنها لاحقاً، بسبب عدم قدرتها على تحمل حالته النفسية الصعبة، و في لندن أيضاً  أنجز أول دواوينه الخمسة "نهر الرماد".

يعتبر حاوي من أشهر شعراء العصر الحديث، وأحد أهم المجدّدين في الشعر العربي المعاصر. امتزجت لغته بغضبه الوطني والقومي، فكانت لغة حادة مستبصرة، تجعل القارئ يقف على رؤوس أصابعه وهو يقرأ، كان كمن يلقي حجراً في مياه بركة راكدة فجدد المواضيع و أعطى للثيمات القديمة بعداً آخر أشد وطأة وتشاؤمية، لأنه لم يكن يرى العالم من منظار التفاؤل كما باقي الشعراء، فخيباته الشخصية و العاطفية و السياسية وحتى خيبات أحلامه الشخصية، جعلت منه إنساناً يرى الكون من منظار رمادي، كمن يأكل طعاماً تعافه نفسه،  ورغم كل ذلك اليأس في شعره العاطفي ورؤيته البائسة للحياة كان يرى على الدوام أملاً فيما يخص الأمة العربية وقضاياها، ويعتقد أن الخلاص هو حتماً في النضال المستمر، ولشدة ما رفع السقف عالياً في الحلم الوطني كان انكساره أشد وطأة من غيره، وخصوصاً ذاك الذي دفعه لينهي حياته برصاصة من شرفة بيته.

"طال صمتي/ مَن تُرى يسمع صوتاً صارخاً/ في صمته/ يسمع صوتي؟ لأمت غير شهيد \ مفصحاً عن غصة الإفصاح في قطع الوريد".

لم يكن ذلك النصّ لحاوي إلا إخطاراً عميقاً وإعلاناً كبيراً أطلقه قبل سنوات من قيامه بإنهاء حياته بسبب شعوره الكبير بعدم القدرة على الإفصاح، أو على الصراخ أو على قول ما يريد أن يقوله، نتيجة العجز والعجز والعجز.

وليس لشاعر آخر أن تتماهى حياته وروحه مع تطور شعره مثلما حصل مع حاوي.

صدر ديوانه الأول في العام 1957، وفي ذلك العام كانت التحولات السياسية العربية قد شغلت وجدانه المتمرد حينما كان يدرس في كمبريدج.

أتى الديوان في مرحلة خطيرة عُرفت آنذاك بـ "الحرب الباردة العربية"، إذ أدى الانقسام العربي بين معسكر القومية الاشتراكية العربية وبين ما سمي بالمعسكر الرأسمالي العربي إلى تمزق المجتمعات العربية وإلى حروب عربية- عربية.

راع حاوي هذا الانقسام والتشرذم وخصوصاً أن ذلك الصراع البارد تجاهل نكبة الـ 48 وأزمة السويس 56 تماماً و أدى فيما بعد إلى خلق أزمة الـ 58 في لبنان والتي أدت بدورها إلى  نزول الجيش الأميركي على الشواطئ اللبنانية.

وخلال ذلك اختمرت فكرة القومية العربية بشكل كبير في ذهنية ووجدان حاوي، بعد أن كان منتسباً فيما مضى إلى "الحزب السوري القومي الاجتماعي/ القومي السوري" بتأثيرات كبيرة من مؤسسه "أنطون سعادة" ابن بلدته الشوير من جهة ومن جهة أخرى بسبب أفكار الحزب الملهمة بالنسبة إليه من حيث الدعوة إلى الوحدة والقيامة لـ "الأمة السورية" بحسب أدبيات الحزب. لكنه غداة إعدام زعيمه انفك عن الحزب لخلافات بينه وبين القيادة الجديدة، ما بث العزلة في قلبه. ولأول مرة في حياته يقف وحيداً أمام العالم، وسرعان ما استبدل الفكرة القومية السورية بالفكرة القومية العربية التي رأى فيها اندفاعاً أوسع وانطلاقاً أكبر لأحلامه في الانبعاث والعودة لذلك "الفينيق" المشرقي الذي طال سباته.

"عمّق الحفرة يا حفار.. عمّقها لقاع بلا قرار"

 في قصيدة "لعازر".. التي ينهج فيها حاوي من شخوص مستعارة من الإنجيل، حيث يقول أن "لعازر" (الوارد ذكره في الإنجيل والذي سيعيده المسيح إلى الحياة في معجزة) سيبعث ميتاً.. مشوهاً. حيث يركز الشاعر على استحالة البعث ومركزاً على الهزيمة قبل أن تحدث. .هزيمة 67.

وفي ديوان "الناي والريح"، كانت رمزيته قد تبلورت بشكل أخّاذ، فقد كانت ريح التغيير العاصفة بالبلاد قد باتت قاب قوسين أو أدنى من طمس صوت الناي العذب المفرد. كان يشعر بالفاجعة على بلاده و يتألم على وطنه لبنان الذي تتقاذفه رياح الشرق والغرب من دون أن يعرف مرفأ يسكن إليه، فقد كان يتمنى أن يستيقظ ليجد لبنان وقد انتمى إلى المشروع العربي القريب منه في سوريا ومصر.

نفس هذا الإحساس بالفاجعة نجده في المقطع التالي من الرسالة التي كتبها إلى حبيبة عمره، الكاتبة العراقية ديزي الأمير، وفيها كتب يقول:

 "قد أستيقظ في أيّ صباح لأقرأ في الصحف أن لبنان قد تبخّر، قد حذف من الخريطة، وأن أهلي لاجئون، أو أنهم قتلى منطرحون على التراب في (الشوير)، أو هم في طريقهم إلى التشرّد الأبدي. إن هذا الخوف يحتلّ أفكاري أحيانا حتى يمنعني من النوم ليالي، وأحيانا يتمثل في صورة مرعبة خلال النوم، فأستيقظ مذعوراً. ولو كانت العودة إلى لبنان مفيدة لعدت، ولو كان الجهاد محبّبا لتركت الدرس وجاهدت، مأساة فظيعة انتظارها أفظع من وقوعها".

قصيدة رحلة السندباد الأخيرة

رحلاتي السبعُ وماكنّزتُهُ

من نعمة الرحمان والتّجارَة

يومَ صرعَتُ الغول والشيطانَ

يومَ انشقتِ الأكفانُ عن جسمي

ولاح الشقُّ المغارة،

رويتُ مايروون عنّي عادةً

كتَمتُ ما تَعيا لَهُ العِبَارة

وَلَم أزَل أمضِي وَ أمضِي خَلفَهُ

أحِسُّهُ عِندي وَ لا أعِيهِ. 

عن ديوانه الثالث "بيادر الجوع"

 انهارت فكرة الانبعاث العربية تماماً مع انهيار الوحدة بين سوريا و مصر. وفي زمن كان الاعتقاد السائد بأن الفلسفة تفسد الشعر والأدب، كان خيار التفلسف في شعره حاسماً لجهة الابتعاد عن اليومي والمعاش، كان يهرب من جحيم الأرض إلى فردوس الشعر، ولكن لا مفر، فأفكاره تعني دوماً أنه موجود في قلب المأساة.

مما لا شك فيه أن خليل حاوي هو أحد الشعراء (التموزيّين) كما صنفه جبرا إبراهيم جبرا، جنباً إلى جنب مع بدر شاكر السياب وأدونيس ويوسف الخال، فكان استخدامه للرمز التموزي في هذا الديوان قوياً وعاملاً أساسياً في وصف اليأس الذي وصلت إليه الأمة العربية:

عندما ماتت عروقُ الأرض

في عصرِ الجليد

مات فينا كلُّ عِرقٍ

يبُسَتˆ أعضاؤنا لحماً قديدˆ

عبثاً كنّا نًصُدُّ الريحَ

والليلَ الحزينا

ونُداري رعشة

مقطوعة الأنفاس فينا

رعشة الموتِ الأكيد

في خلايا العظمِ في سرِّ الخلايا.."

يتحدث المقربون من حاوي عن محاولَتي انتحار أقدم عليهما الشاعر الكبير، وتتحدث خطيبته السابقة ديزي الأمير عن إصابته بمرض الصرع وعدم قدرته على تحمل آلام جسده.

فبعض أقاربه وأصدقائه يتحدثون عن مرض عضال ألم به؛ ورمٌ في الرأس كان يحول حياته إلى بؤس متصل وعذابات مستمرة، مترافقة مع ألم شديد، لكن الشاعر كريم النفس وعزيز الروح لم يكن يبوح بها لأحد ظناً منه أنها ستضعف صورته في عيون الآخرين، ولم يرد نهائياً أن يتذكره الناس بصورة الضعيف والمريض، ولكن أشعاره الأخيرة تفسح لنا مجالاً رحباً لقراءة حال الشاعر في سنته الأخيرة على الأقل..

"فاتني الإفصاح، أدركت محاله"..

في حين يشير ملفه الطبي في مشفى الجامعة الأميركية إلى محاولتين للانتحار قام بهما، الأولى بالسم والثانية بقطع الوريد، قبل نجاح المحاولة الثالثة التي استخدم بها بندقية الصيد.

وبات عجزه أمام فشل ديوانه الأخير < جحيم الكوميديا >  حسب معاييره الفنية، وعجزه أمام خذلان جسده، يرغمانه على الركوع لواقع مذل ومشين، رفضه رفضاً قاطعاً، فكانت أزمته الإبداعية التي استعصت أمامه في الكتابة مجدداً، مترافقة مع آلام مرعبة كان يصفها في رسائله إلى ديزي الأمير، بأنها حولت سريره إلى "سرير من أُبر".

وهكذا تكاتفت المآسي على صاحب < الناي والريح> مأساة جسدية، ومأساة روحية، لتكون المأساة الوطنية هي القشة التي أفاضت الماء، ليخرج إلى شرفته معلناً بداية قصيدته الخالدة التي كتبها بدمه.

ومع دخول الجيش الإسرائيلي إلى لبنان في صيف حزيران 82، سمع صوت بندقية الصيد التي أزهقت روحه، في عموم بيروت وسواحلها، في زمن كان للكرامة والعنفوان صوت ولو كان أبكماً.