الشاعر "بشر فارس" والرمزية في الشعر

تاريخ النشر: 09.10.2021 | 10:53 دمشق

محمد علاء الدين عبد المولى

عندما كان الشاعر "بِشْر فارس" 1963-1907 ينشرُ قصائده التي تحمل عناوين مثل (الخريف في باريس – الشتاء في باريس – الربيع في باريس – الصَّيف في باريس – الخريف في برلين – الخريف في فنلندة.. إلـخ) كان يجد ردود فعلٍ ضدّ قصائده لأكثر من سبب، وخلاصة الأسباب أن هذا الشاعر يكتبُ تحت تأثير (الرَّمزيَّة) الأوربيَّة.

في ذلك الأوان كانت نظرةُ المناخ النّقدي العربيّ لا ترحّب كثيراً بالرمزية نظراً لما توهَّمه أعداؤها من أنها تعني الانقطاع عن التّواصل مع القارئ بما تُسبّبه من غموضٍ وإبهامٍ. ويضاف إلى ذلك تلك الرؤية القاصرة لطبيعة الرَّمزيَّة كمذهب أوروبيّ عاملَهُ التّقليديون والاتّباعيون معاملةَ العدوّ بشكل مُسْبقٍ.

من هنا يُتّهمُ بشر فارس بأنه يتّخذ من الطبيعة الأوروبيّة موضوعات لشعره، في القصائد التي أشرنا إلى عناوينها. وهي قصائد تدلّ مباشرةً على فصول السَّنة كما عاناها الشاعر في أكثر من مدينة أوروبيَّة. ولكن ما حقيقة الأمر؟ ما علاقة الرمزيّة بفصول السنة؟ وهل الفصول هنا هي عبارة عن تحولات في ظواهر الطبيعة من الربيع إلى الصيف إلى الخريف؟ وما الرموز التي يمكن أن يكتشفها الشاعر، أو القارئ في هذه القصائد؟

الرمزيون يتجاوزون مسألة إسقاط العواطف والمشاعر ليعانقوا الطبيعة على أنها رموزٌ وإشاراتٌ، يتعاملون مع ما توحي به أو تشير إليه

يشير الكاتب جورج عيسى في مقدّمته لشعر بشر فارس في كتابه (شعر بشر فارس: رائد المذهب الرمزي في الأدب العربي) إلى أنّ الطبيعة عند الرّمزيين تختلفُ عنها عند الرومانسيّين، فهؤلاء يتَّخذون موضوع الطَّبيعة "متنفَّساً لعواطفهم وأحاسيسهم الداخلية وجعلها تشاركهم مشاعرهم، فهؤلاء يُسقطون مشاعرهم على الطبيعة" ص19.

أمّا الرمزيون فهم يتجاوزون مسألة إسقاط العواطف والمشاعر ليعانقوا الطبيعة على أنها رموزٌ وإشاراتٌ، يتعاملون مع ما توحي به أو تشير إليه. وهذا لأن التعامل الرمزي مع موادّ الحياة لا يقفُ عند المستوى المباشر والملموس للظاهرة، وإنَّما يستقر في الرابطة الكامنة بين أفق الطبيعة، والمرأة، والوجود، وبين ذات المبدع. من هنا يتحول معنى الربيع من مستواه الزمنيّ والطبيعي ليرتبط بمستوى داخليّ في أغوار المبدع. ويأخذ الخريف كذلك معناه من خريف النَّفس والعاطفة والإحساس، لا من اصفرار أوراق الشجر وغيومٍ رماديّة كئيبة. إن الرماد يصبح رماد القلب، والكآبة تحلّ في الدّم والشّهيق والزّفير.

لقد هُيّئَ للشعر العربيّ أكثر من اسمٍ رائد أنتج أدباً جميلاً يدور في فلك الرمزيَّة. ونحن هنا نريد أن نزيل الغبار عن معنى الرمزية، وأن نُخرجه من حدوده المدرسية، ونتكلم عنه خارج التمذهب والتّحديد. فالحقيقة تقتضي أن نرى في أساس كل نصّ إبداعي، قديمٍ أو حديث، رموزاً معيَّنة لأن الرمز أداةٌ لازمة ولا غنى عنها لأي إبداع حقيقيّ فهو الذي يتيح للمبدعين أن يحوّلوا الواقع المحسوس والمباشر إلى رموز وتجريدات، وأن يحوّلوا في الوقت نفسه المجردات إلى كيانٍ ملموس. وفي الحالتين يتمّ الاعتماد على العلاقة مع الرمز وبهذا يصبح الرمزُ عنصراً مكوّناً من عناصر التجربة الإبداعية وليس حكراً على مذهب أدبي ما. بل إن الرمز صار ملازما للإنسان في مجمل تفاصيل وجوده.

أمّا لماذا تمّ إطلاق الرمزية على مجموعة من الأدباء، فذلك يتعلّق بشروط تاريخية واجتماعية كان يتمّ فيها تدشين مرحلة جديدة متمايزة ردّاً على استغراق الأدب في الواقع المباشر، أو في العاطفة الواهنة وحدها، وتداعياتها.. ولكن المدقّق في الأمر يجد أن ما فعله المذهب الرمزيُّ كمدرسةٍ مؤطّرة ومحددة، كان الأدب العظيمُ جميعه يقوم به. وأن ما سيفعله الأدب فيما بعد هو من حيث المبدأ الشيء ذاته الذي تعبت عليه الرمزية. والآن لم يعد مجدياً أن نصنّف من يعمل في مستوى الرمز، ضمن خانة الرمزيّة، لأن المسألة باتت تتعلّق بطبيعة الإبداع الشَّاملة والتي هي أوسع من اعتقالها في لائحة مطالب رمزيَّة.. حتّى ليمكننا الادّعاء الآن بأنه لا جدوى من أدبٍ خارج الرمز.

وإذا عدنا إلى المدرسة الرمزيّة وتأثّر الشعر العربي بها، وجدنا بشر فارس، وصلاح لبكي وسعيد عقل وبدايات نزار قباني.. وغيرهم، قد اتخذوا من منطلقات الرمزية أساساً لكتابتهم، كلٌّ بحسب موقعه وهويّته الفنية المغايرة للآخرين. ولكن ممّا يلفت النظر حقّاً لدى جميع شعراء الرمزيّة هؤلاء انشغالهم بالتَّعبير عن التّجربة تعبيراً موسيقيّاً. لا يمكن للقارئ أن يغضَّ عنه نظراً. فهو تعبير منتشر في نتاج هؤلاء انتشاراً شكَّل سمةً فنّيةً واضحةً مهيمنةً. وهذا ليس أمراً طارئاً. فالرمزيون أعطوا الموسيقا حيّزاً وافياً من اهتمامهم وتنظيرهم وإبداعهم وقد تجلّى ذلك عند الشعراء العرب بأن بذلوا قصارى إمكانياتهم في سبيل صياغة تجاربهم ونقلها للقارئ، بقالبٍ موسيقيّ خاصّ يعطي الأولويّة لرصد حركات المادّة والطبيعة والذات، والتقاط التناغم المتخفّي فيما بين الأشياء، بما يقتضيه ذلك من اللُّجوء إلى لغةٍ تجاهد حتّى الرمق الأخير لتكون موسيقيّةَ بامتياز.

ولذلك سببٌ خفيٌّ ربّما كان من النادر أن يتم البحث النقدي فيه، وهو يتعلّق بالصَّلة بين أسلوب عمل الرمز، وأسلوب عمل الموسيقا. فالرمز يسعى لتجريد المادّة ورَفْعِ الشيء إلى مستوى الكثافة والّتلخيص والشّمول، بحيث يصبح الشّيء لا نفسه، بل كما تحول إلى رمزٍ. وكذلك الموسيقا، من جهة اعتمادها على أقصى درجات التَّجريد. بل هي أشدّ الإبداعات هوساً بالتّجريد. لنقل إن هذا يدخل في مشاغل الفكر الفلسفي الجمالي الذي لا يكترث به النقد الأدبي كثيرا مع الأسف.

من هنا يلتقي الرمز والموسيقا في أداء عمل كل منهما وربّما تفوقت الموسيقا على الشعر في ذلك، في مسألة تحقيق التّجريد المطلق. ففي الشعر تبقى اللّغةُ عائقاً مهما تجاوزناه، يبقى مسيطراً بحضوره. ولكن هذه اللغة عندما يشتغل بها الرمزيّون فسيحوّلونها إلى علاماتٍ منتخبةٍ من الإيقاع، وسوف يسهرون على اختيار الكلمات الملائمة لفعل الموسيقا، من هنا انهمك الرمزيون في اشتقاقات المفردات، ونَحْتِ الكلمات من مقاطع قصيّةٍ لا تُرى. وهم يقفون أمام حاجز اللغة فيختصرون في استخدامها لتبقى فسحةٌ للصَّمت أكثر. ويختارون الإيقاعات المختصرة إلى أشدّ درجات الاختصار. لهذا نرى استخدامهم الدّائم والحثيث للأوزان الرشيقة التي لا يتجاوز عدد تفعيلات الشطر الواحد منها تفعيلتين أو ثلاث تفعيلات. فانتشر بين أيديهم البحر السّريع، ومجزوء الرجز، والهزج، ومجزوء الخفيف، ومجزوء الكامل ومجزوء الرّمل... إلـخ. وذلك تأكيداً منهم على غايتهم في الاقتصاد في استخدام الكلام طالما أنهم يحوّلون العالم إلى رموزٍ يكفي وجودها ويُغني عن اللّغة الفضفاضة.

لـ بشر فارس مسرحيتان (مفرق الطرق 1938) و(جبهة الغيب 1960) جمع فيهما بين الشعر وما يمكن وصفه بالنثر الشعري الذي كان أسلوبا محببا لدى كثير من رواد الرمزية العرب في لبنان ومصر خاصة. وقد كان معظمهم ومنهم بشر فارس متأثرين بأساليب فيرلين وبودلير الفرنسين اللذين يعتبران مرجعية أساسية في المذهب الرمزي. رغم أن شعر بودلير لا يمكن حصره في فضاء الرمزية وحدها بل تجاوزها ليكون شعراً وتجربة كونية تتجاوز المدارس والتنظيرات الأكاديمية.

وله مؤلفات أخرى مثل (مباحث عربية في اللغة والاجتماع)، (اصطلاحات عربية لفن التصوير)، (كلمة الشّاعر)، (سرّ الزّخرفة الإسلامية).

قام الكاتب جورج عيسى بجمع شعر بشر فارس في كتاب بعنوان (بشر فارس: رائد المذهب الرمزي في الأدب العربي) وقدّم له وعلّق عليه. طبع الكتاب في وزارة الثقافة السورية سنة 2000.

ثم طبعت أعمال بشر فارس الكاملة في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وأقيمت حين صدورها عام 2013 ندوة نقدية حول الشاعر وحياته شارك فيها الناقد د. جابر عصفور الذي قال عنه: "إن قيمة بشر فارس تنبع من كونه ممهداً للحركة الرمزية ورائداً سيئ الحظ شأنه شأن أقرانه من الرواد، لأنهم يمهدون الطريق ولكنهم في سبيل ذلك التمهيد لم تكتمل لهم أشياء تضعهم موضعاً لا يزال باقياً، ولأن الشاعر الحقيقي هو الذي إن مات يظل موجوداً، وأن فارس أحد هؤلاء الذين لا يتمتعون بدرجة كبيرة من الشعرية التي تجعل من شعرهم وجوداً حاضراً مستمراً عبر الزمن والأجيال".

واحتفاء مصر به ليس من باب المصادفة، فهو هاجر من لبنان إلى مصر في مطلع شبابه ودرس وعاش فيها حتى وفاته بأزمة قلبية، وفي مصر اكتسب اسمه (بشر) حيث كان اسمه المعروف به عند الولادة في لبنان (قرية بكفيّا) هو (إدوارد)، وقد حصر على دكتوراه من السوربون وهو بهذا الاسم، ولكن كما يروى فإن أحمد زكي باشا هو من أطلق عليه اسمه الجديد (بشر). وأحمد زكي هذا من رواد النهضة الأدبية، ويلقب بشيخ العروبة. هذا وقد كان منزل بشر فارس في مصر ملتقى لأدباء عصره، لهذا فالأوساط الثقافية الشعرية في مصر يعتبرونه مصريا.

من شعر بشر فارس

أُنشودة الفلاح

وغَديرٍ جرَى بِدَمي

نحوَ حقلٍ من الفِتَنِ

نُزهةُ الأرضِ من سقَمي

أنا أسطورةُ الزَّمنِ

نحو حقلٍ من الفِتَن

رَفَّ معْ خِفَّةِ النِّعَمِ

هاج نشوانَ مِن مِحَني

هو يحيا ولي عَدَمي

نزهةُ الأرض من سقمي

من غرامي بِمُمْتَهِنِي

أمَلي مُضغةُ النَّهَمِ

لفَّني الخِصْبُ في كَفَني

أنا أسطورةُ الزمن

 

إلى زائرة

لو كنتِ ناصعةَ الجبينْ

هيهاتَ تنفضُني الزيارةْ

ما روعةُ اللفظِ المبينْ

السحرُ من وَعْيِ العبارَةْ

ظِلٌّ على وهْج الحَنينْ

رسمتْهُ معجزةُ الإشارَةْ

خطٌّ تَساقطَ، كالحزين

أرخى على العزْمِ انكسارَه

ماذا بِوَجْدِ المحْصَنينْ

صوتُ شجٍ خلفَ الستارةْ

غيَّبتُ في العُجْبِ الدَّفينْ

معنًى براعتُه البكارةْ

دُرّاً يفوتُ الناظمين

وَنهضتُ تهديني بِحاره

خطواتُ وسواسٍ رَزينْ

وهبٌ تُعمّيه الطَّهارة