منذ أكثر من عام، وفرق محافظة دمشق تنهمك في تجميل الشوارع وأطاريف الأرصفة، كما تنشغل في نصب لوحات الإعلانات على الجسور وداخل الأنفاق. لكن طلاء وجه المدينة بمساحيق تجميل البشرة الخارجية، لم يكن ليخفي نتائج تحاليل المخابر، التي تؤكد أن جسد دمشق المتهالك، يحتاج فيتامينات إسعافية، تدعم بنيتها التحتية، قبل حقن البوتوكس والمنيكور والبديكور!.
"النيات طيبة لكن الأفعال كارثية"
القصة ظهرت بداية، في نفقي الفيحاء وشارع الثورة، الشهيران بطوفانات المياه خلال الشتاء، إذ يؤدي ذلك غالباً إلى قطع الطريق بسبب امتلاء النفقين بمياه الأمطار نتيجة لسوء التصريف.
لكن ورش العمل في تلك المنطقة، فضلت البدء بتجهيز جدران النفقين بشبكات من القضبان الحديدية، التي حملت لاحقاً ألواحاً من "الجبسنبورد"، من أجل نصب لوحات الإعلانات عليها، متناسين أن أول عاصفة مطرية قوية، سوف تأتي على كل شيء، مع كل ما يعني ذلك، من هدر للمال العام والجهد، مع أن المسألة واضحة، مثل "عين الشمس" كما يقول المثل الشعبي!.
كان من الجيد، نشر سلات خشبية للمهملات في الشوارع العامة، إضافة إلى اعتماد إشارات مرور ناطقة، مع تخطيط لأماكن عبور المشاة، وكذلك طلاء أطاريف الأرصفة بالألوان التي تعطي الشوارع جماليات لافتة، لكن ألم يكن من المنطقي العمل على وجود شوارع قادرة على تحمل عمليات التجميل تلك؟.
هكذا "جلغمت" مساحيق التجميل، وجه المدينة العجوز، مع أول مطرة قوية تعرضت لها، فظهرت التجاعيد والندوب والتهدلات على بشرتها، مع أن الأطباء المختصين، طالما أكدوا أن جسد دمشق، يحتاج فيتامينات "ب، ودال، مع مواد ترميم خلايا جذعية" وكل ما يتصل بإعادة الحياة إلى البنية التحتية للمدينة!.
طاف سوق الحميدية.. ودخلت المياه إلى المولات والبيوت
على الفور، امتلأ نفق الفيحاء والثورة، بالمياه. كما اجتاحت السيول سوق الحميدية، ولم يظهر بالضبط، حجم الخسارات التي تسببت بها الأمطار لأصحاب المحلات، لكن الدفاع المدني أكد أن أحد جدران الأبنية في الشام القديمة قد انهار، كما غمرت المياه العديد من المنازل والأقبية. فانهار سقف محل في الحجاز، وغرفة في ساحة شمدين.
كما ظهر نهر كبير في ساحة الزبلطاني، قطع الطريق أمام السيارات. أما المتحلق الجنوبي، وهو الشريان الحيوي للمدينة، فأصبح أشبه بجسر عائم، يعج بالسيارات العالقة. وتسبب اجتياح السيول لأحد مولات التسوق في كفر بطنا، خسارات كبيرة في الممتلكات.
في النتيجة، ذهبت كل أعمال التجميل أدراج الرياح، أو تعرض معظمها لضرر كبير، ما يعني إهداراً للجهد والوقت والمال العام. ويتوقع كثيرون بأن تسارع فرق المحافظة للانهماك بإصلاح الأضرار التي تعرضت لها تجميلات المدينة، ريثما تأتي عاصفة أخرى تعيدها إلى نقطة الصفر من جديد!.
"نجحت العملية.. لكن المريض مات"
من مفارقات دمشق المحزنة، أن يُقام اعتصام أمام أحد المشافي، بسبب دخول الأطباء الرجال إلى أجنحة المرضى النساء. في حين يقول المنطق، أن تخرج تظاهرة من أجل تأمين جهاز تصوير طبقي محوري للمشفى، حتى لا يضطر الأهالي البسطاء للاستدانة لإجراء الصورة في القطاع الخاص!.
في المقابل، تؤكد المعلومات الواردة من مشفى الأطفال وبقية المشافي العامة، أن أهالي المرضى، يشترون من الصيدليات الخارجية كل احتياجات المريض من الأدوية، كما يجرون التحاليل في المخابر الخاصة، وهم من يتكفل بشراء كفوف التعقيم للأطباء مع قناني المياه وحتى حبوب السيتامول، التي تم إيقاف إنتاجها الوطني العام، بذريعة تهالك المعدات وانتشار الفساد، مع أن القاعدة المنطقية، ربما تقول إن الحل يكمن في إصلاح المعدات أو جلب معدات جديدة، وأيضاً مكافحة الفساد، وليس إغلاق معمل الأدوية وتسليمه لشركة أجنبية، سوف تبيع الأدوية بأسعار مضاعفة للمرضى المساكين!.
يحدثنا أحد الآباء أمام مشفى الأطفال، عن استدانته لعدة ملايين من أجل إجراء الصور والتحاليل لابنه الراقد في المشفى، ويتساءل: "ما هذا المكان إذن؟ هل هو شقة للإيجار إذا كان لا يملك أدوية ولا معدات".
القصة هنا، لا تختلف كثيراً عن غمر مياه الأمطار للأسواق والشوارع واقتحامها للمنازل والمولات والأقبية. كأنّ أحداً ما، يصر على قلب قوانين الأواني المستطرقة، فيقوم في كل مرة، بشطف الأدراج من الأسفل للأعلى، ثم يستغرب لماذا لا تنجح العملية، فيشكل المزيد من اللجان التي تبدأ بإعداد الدراسات والأبحاث لمعرفة الأسباب!.
تغيير الحياة والرفاهية بـ90 دولاراً فقط
في المقابل، تلاحق المحافظة بسطات بالات الألبسة والأحذية والأغذية، في شوارع دمشق، التي تعتبر أسعارها ضمن الحد المقدور عليه بالنسبة للطبقات المسحوقة، التي يبلغ راتب الموظف فيها قرابة 90 دولاراً في الشهر، والذريعة هي المحافظة على المنظر الجمالي للمدينة، مع أن القاعدة تقول إن انتشار الألبسة المستعملة لا يتحول إلى ظاهرة، إلا عندما ينخفض الدخل ويصبح دون المستوى المطلوب للحياة الكريمة !.
يخبرنا أحد المواطنين في سوق باب سريجة، بأنه لم يذق اللحم طوال شهر رمضان، بسبب ارتفاع الأسعار. لكن كاميرات المحطات الرسمية، تؤكد أن اللحوم تملأ الأسواق ومن حق جميع المواطنين الشراء، لكنها لا تقول كم يبلغ سعر الكيلو، ولا تضيف بأن راتب المواطن كاملاً، لا يشتري سوى 2 كيلو من اللحم!.
نعم، النيات طيبة، لكن الأفعال كارثية. وربما هذا يؤكد أن الإدارات الحكومية، لا تستقطب أصحاب خبراء الأفعال كي تنجح المشاريع والخطط، بل تكتفي بالاعتماد على أصحاب الأمنيات والنيات، لكن بلا خبرات!.


