السيناريو الياباني

السيناريو الياباني

الصورة
02 حزيران 2019

سمير صالحة

أستاذ جامعي تركي في العلاقات الدولية

رغم مرور أسابيع على العمليات العسكرية والخروقات الواسعة التي تقوم بها قوات النظام بالتعاون مع الطيران الروسي في مناطق إدلب وحماة، لا يبدو في الأفق حتى الآن أن هناك مؤشرات أو رغبة حقيقة لدى الأطراف المعنية للتوجه نحو مباحثات، تقود إلى تفاهمات سياسية جديدة تمنع الكارثة الإنسانية والانفجار الأمني الأوسع.

آخر ما في جعبة أنقرة وموسكو صانعي اتفاقية سوتشي هو إبلاغ الرئيس التركي نظيره الروسي بضرورة وقف إطلاق النار في إدلب والعودة إلى المتفق عليه، للحيلولة دون سقوط المزيد من المدنيين ومنع تدفق المزيد من اللاجئين نحو الأراضي التركية ورد بوتين بدعوة أنقرة لتنفيذ الشق المتعلق بها في موضوع "تحييد" جماعات النصرة ومنع الاعتداءات على المواقع الروسية في قاعدة حميميم.

واشنطن هي المستفيد الثاني بعد النظام من هذا التصعيد لأنه يعطي الفرص الجديدة للمناورة والدخول على خط الازمة السورية بشكل أوسع أولا، ولأنه يقود إلى توتير العلاقات التركية الروسية التي شهدت تحسنا وتقاربا في الأشهر الأخيرة ثانيا. ولأنه يساهم ثالثا في إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا كشرط دائم تضعه أمام الأتراك والروس إذا ما كانوا يمنون النفس بترتيب طاولة حوار ثلاثية من أجل التسويات الكبرى في سوريا.

المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، يردد أن بلاده قلقة من استمرار "الهجمات الإرهابية ضد القوات الروسية ". لكن تركيا تعرف أن المسألة أبعد من ذلك وأنها أمام مفترق خسارة آخر معقل متبقٍ لقوى المعارضة السورية التي تدعمها ولجوء عشرات الآلاف نحو حدودها مجددا ومواصلة رسائل التحذير نحو موسكو وطهران أن ما يجري يعني تعريض اتفاقيات أستانة وسوتشي للخطر وأنها لن تتردد في تغيير استراتيجياتها الميدانية والأمنية عند الضرورة إذا ما واصل النظام هجماته وغاراته.

امتحان إدلب يزداد تعقيدا وتشابكا والاختبار الأقرب هو لقاءات قمة مجموعة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية، والاجتماعات الجانبية التي ستعقد والمعلن منها حتى الآن هي الاجتماعات الثنائية التركية الأميركية والتركية الروسية والروسية الأميركية

امتحان إدلب يزداد تعقيدا وتشابكا والاختبار الأقرب هو لقاءات قمة مجموعة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية، والاجتماعات الجانبية التي ستعقد والمعلن منها حتى الآن هي الاجتماعات الثنائية التركية الأميركية والتركية الروسية والروسية الأميركية. فهل تقع مفاجأة ترتيب الطاولة الثلاثية التي تجمع أردوغان وبوتين وترامب تحت سقف واحد لبحث الملف السوري؟

تركيا تقول لروسيا إن محاصرتها بضغوطات ميدانية وسياسية جديدة في شمال سوريا سيدفعها نحو خيارات حماية مصالحها ومصالح حلفائها هناك كما فعلت مؤخرا عندما فتحت الطريق أمام استلام المعارضة للأسلحة النوعية التي ظهرت بشكل مفاجىء أو عبر تحريك جبهات عسكرية جديدة قد تكون جبهة الساحل على رأسها وموسكو تريد استغلال أوراق الضعف التركية مثل التوتر التركي الأميركي في موضوع شرق الفرات وصفقة صواريخ إس 400 واحتمال تحول الأمر إلى أزمة تركية أطلسية.

تلعب الأطراف الثلاثة التركية والروسية والأميركية على نقاط الضعف والقوة في علاقاتها الحالية في التعامل مع الملف السوري. هي تريد استغلال كافة التناقضات وكسب الوقت لمحاصرة الطرفين الآخرين لكن الذي يقلق أنقرة ويدفعها للتشجيع على ترتيب الطاولة الثلاثية في اليابان هو هاجس حصول تفاهمات أميركية روسية في الملف السوري تأتي على حساب تركيا ومصالحها.

فرصة اليابان قد لا تعوض بالنسبة للدول الثلاث لكن أهميتها هي أكبر وأهم بالنسبة لتركيا التي ترى أنها أمام مرحلة مفصلية وخيارات صعبة إذا ما فشلت جهود "السيناريو الياباني".

الانعطافة التركية في سوريا يسبقها فرصة اليابان فهل تضحي بكل ما بنته من علاقات وتفاهمات مع موسكو وتعود إلى الحضن الأميركي الأوروبي العربي لمواصلة سياستها التقليدية منذ عقود. أم ستنجح في كسر العناد الأميركي الروسي في سوريا وتجرهما إلى طاولة التفاوض الحقيقي؟

الانعطافة التركية في سوريا يسبقها فرصة اليابان، فهل تضحي بكل ما بنته من علاقات وتفاهمات مع موسكو وتعود إلى الحضن الأميركي الأوروبي العربي لمواصلة سياستها التقليدية منذ عقود؟

يقول جيمس جيفري الذي يقود الملف السوري باسم الإدارة الأميركية إن بلاده وروسيا يختبران إمكانية فرص التعاون بينهما حول الملف السوري إذا ما نجحت البداية في موضوع وقف إطلاق النار في إدلب. لكنه يقول أيضا أن المقاربة ستكون تدريجية وليس سريعة وستكون كذلك مرتبطة باتخاذ القرارات الصعبة.

أنقرة أيضا مثلها مثل غيرها من اللاعبين الإقليميين تدفع ثمن الأخطاء المرتقبة في التعامل مع الملف السوري منذ 8 سنوات وحتى اليوم. ربحت أحيانا وخسرت أحيانا أخرى لكن الثمن قد يكون باهظا هذه المرة وهي لا تريد الخروج من المكان خالية الوفاض لصالح "يالطا" سورية تتم بين موسكو وواشنطن.

قمة أوساكا اليابانية لمجموعة العشرين في أواخر الشهر الحالي ستشهد الكثير من الاجتماعات واللقاءت الجانبية وهذه هي مميزات هذا النوع من القمم فهل تفاجئنا ورشة عمل سورية هناك؟ هل ستكون أميركية روسية فقط حيث سيوجد الأتراك والسعوديون والمصريون والأوروبيون تحت سقف واحد؟

كان الرهان التركي الروسي، منذ تفاهمات أستانة وسوتشي، على إطلاق صيغة حلول سياسية وأمنية جديدة مؤقتة في شمال سوريا، تكون مقدمة لتحرّك أوسع، يشمل التسوية السياسية في البلاد. لكن الذي تتابعه أنقرة عن قرب الآن هو سيناريو أن واشنطن تريد من موسكو ترك اتفاقيات أستانة وسوتشي جانبا والعودة إلى مسار جنيف والاتفاقيات الدولية وروسيا أمام مشكلتها الحالية مع أنقرة قد تقبل بخيار من هذا النوع.

المشكلة قد تكون إخراج طهران من المعادلة السورية إرضاءً لواشنطن. الغامض هو أين وكيف سيكون الموقع والدور التركي؟ وما الذي ستفعله أنقرة إذا ما وجدت نفسها أمام خسارة أوراقها الروسية والأميركية في سوريا بعد تفاهم مباشر بين موسكو وواشنطن؟

المشكلة قد تكون إخراج طهران من المعادلة السورية إرضاء لواشنطن. الغامض هو أين وكيف سيكون الموقع والدور التركي؟ وما الذي ستفعله أنقرة إذا ما وجدت نفسها أمام خسارة أوراقها الروسية والأميركية في سوريا بعد تفاهم مباشر بين موسكو وواشنطن؟

لحظة يبدو أننا نسينا الحصة الإسرائيلية!

ونحن نتحدث عن سيناريو الطاولة الثلاثية في أوساكا دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتياهو على الخط ليعلن عن التحضير لاجتماع ثلاثي أميركي روسي لإسرائيلي بمشاركة مستشاري الأمن القومي في الدول الثلاث يعقد الشهر المقبل في القدس. " تفضل ولع من هون " كما يقول المثل الشعبي التركي.

شارك برأيك