السياق السوري لمنظمات المجتمع المدني

27 آب 2018
باريس - همام حداد - تلفزيون سوريا

فرضت طبيعة الصراع السوري واقعاً سمح لمنظمات المجتمع المدني أن تضطلع بمهمات بعيدة عن دورها التي تشكلت على أساسه في دول المنشأ، فبعد مرحلة العسكرة وخروج البلدات والمدن السورية عن سيطرة النظام، توقف عمل مؤسساته الحكومية، وحرم السكان من الخدمات الأساسية الضرورية لاستمرار الحياة لأي مجتمع. واتضح التماهي التام بين مؤسسات السلطة الأمنية ومؤسسات النظام الخدمية، فقد تم ذلك بتواطؤ ضمني  بين النظام و المعارضة التي اعتبرها قسم من المعارضة أنها "مؤسسات بعثية" ويجب اجتثاثها، لكن دون تقديم أي بديل قادر على سد الفراغ وتأمين أبسط حاجات الناس للحياة.

الفراغ الحاصل في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وأزمة اللجوء في الدول المجاورة ضخّم عمل منظمات المجتمع المدني، فحملت عبء تقديم الخدمات الأساسية للسكان من الإغاثة إلى التعليم والصحة والكهرباء والمياه وحتى دعم مشاريع صغيرة وغيرها، والمقارنة بين سوريا وساحات شبيهة مثل اليمن تسمح لنا بالمغامرة والقول إن ما قدمته منظمات المجتمع المدني ساهم بتخفيف أثار الحرب لحد ما، فلم تشهد سوريا حالات مجاعة عامة أو انتشار لأوبئة في المناطق التي لم تحاصر ووصلت لها منظمات المجتمع المدني.

هذا أدى إلى انعكاسات على ماهية العمل المدني نفسه وخلط بين العمل المدني والعمل السياسي، بالإضافة إلى خلط آخر حصل بين المدني والعلماني.

فبعد فشل مؤسسات المعارضة المتمثلة بالمجلس الوطني والائتلاف وسيطرة الفصائل العسكرية والتنظيمات الإسلامية التي فرضت خطاباً معادياً لقيم الديمقراطية والعلمانية وطاردت واعتقلت الكثير من الناشطين المدنيين بالإضافة لفشل "العلمانيين السوريين" بتشكيل إطار سياسي يعبر عنهم ،اتجه الكثير من ناشطي التنسيقيات التي نشأت في بداية الثورة للعمل في منظمات المجتمع المدني التي وفرت مصادر دخل للعاملين ووفرت أيضاً إطارا تنظيميا، منح العاملين فيها نوعا من الحماية في مناطق سيطرة المعارضة، هذا الخلط ساعد على تعزيز الشعور بأن "العلمانية" غير أصيلة وغريبة عن المجتمع السوري ولا أساس مجتمعي لها إلا بدعم غربي خارجي .

يقول كرم نشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة Isik، إن منظمات المجتمع المدني تختلف بنيوياً عن مظاهر الحراك المدني السوري في بدايات الثورة، الذي تجلى بظهور التنسيقيات التي قادت العمل الثوري في المدن والبلدات السورية، وكان العمل ضمنها يتم بشكل تطوعي حيث أنها قدمت استجابة أولية لضرورة تمثيل الثورة السورية، والكثير من الناشطين في البداية تعامل مع التنسيقيات بروح انتمائية، هذا الأمر مفتقد تماماً بمنظمات المجتمع المدني، فالعمل ضمن صفوفها قائم على الحالة التقنية البحتة بالإضافة إلى أنه عمل مأجور، وهو ما يمكن تفهم ولكنه له انعكاسات سلبية على العمل السياسي والعمل الاجتماعي بالعموم ، ويفسر لحد ما عزوف الشباب عن العمل السياسي المباشر، ويستطيع المتابع لشكل عمل منظمات المجتمع المدني خاصة المهتمة بالدور التوعوي أن يلحظ علاقه سلطوية بين ناشطي المنظمات والبيئة الاجتماعية التي يعملون بها.

ويضيف نشار أنه ما يزيد الأمر تعقيداً هو محاولة توريط المنظمات بالعمل السياسي المباشر وإصباغها طابعاً تمثيلياً هي أبعد ما تكون عنه، وهذا ما تجلى بمؤتمر بروكسل الأخير، فقد توضح الدور العبثي للمبعوث الأممي دي مستورا ومحاولته فرض سياق سياسي على السوريين، ويؤكد نشار أن على المنظمات أن تحافظ على دورها كمدافع عن الثوابت القيمية وتحاول أن تتجنب العبث الدولي قدر الإمكان، ورغم كل ذلك لا يستطيع أحد نكران الدور الذي قدمته منظمات المجتمع المدني للسوريين.

و تشهد منظمات المجتمع المدني في الوقت الراهن انتقادا واسعا لا يقتصر على القوى الإسلامية ونظام الأسد، بل تعداه إلى حالة استياء عامة واتهامات بالنخبوية والفساد والتلميح لمصادر التمويل، ولهذه الانتقادات ما يعززها في الواقع، فالسلوكيات "النخبوية " لموظفي المنظمات في مدينة غازي عينتاب التركية المحاذية للحدود السورية والتي تعتبر معقل منظمات المجتمع المدني السوري، بالإضافة لآليات التوظيف ضمن المنظمات والقائمة على الكفاءات العلمية والقدرات اللغوية؛ عملت على تشكيل شريحة اجتماعية ذات دخل مرتفع نسبياً وتتمتع بميزات ظاهرية خاصة بالمستويات الإدارية، وبحكم أن هذه الشريحة كانت بالأصل في وضع طبقي متمايز (طبقة وسطى) قبل الثورة، فقد مكنها ذلك من الحصول على تعليم جيد وبالتالي تولي مناصب إدارية في المنظمات. الأمر الذي ينطبق أيضاً على المستويات التنفيذية والكوادر العاملة في الداخل السوري.

وفي الحديث عن التحديات التي تواجهها والأخطاء التي وقعت بها منظمات المجتمع المدني السورية، قال معتصم سيوفي المدير التنفيذي لمنظمة اليوم التالي إن التجربة القصيرة نسبياً للعمل المدني في سورية وطبيعة الظروف التي تعمل بها المنظمات، سمح بالكثير من التجاوزات، ومن المؤسف أن القوى التي سيطرت في البداية على المناطق المحررة منعت تطور بنية قانونية و تشريعية تنظم عمل منظمات المجتمع المدني وتحدد طبيعة مهامها، حالياً يتم تحميل منظمات المجتمع المدني أخطاء المعارضة السياسية، وأصبح من السهولة اتهام المنظمات بشتى أنواع التهم من الفساد إلى العمالة بدون أي دلائل أو قرائن.

ويضيف السيوفي، إن على القائمين على منظمات المجتمع المدني عدم التورط بعمل سياسي مباشر، والاكتفاء بدور المراقب، وهذا لا يعني بأي حال الانفصال عن السياسة، بل هو انخراط بالعمل السياسي من ناحية المحافظة على الثوابت التي يجب أن تحكم العمل السياسي في المستقبل، ويجب توضيح الدور الذي تقدمه منظمات المجتمع المدني إعلامياً وتبني آليات أكثر ديمقراطية داخل تلك المنظمات، فواقع عمل منظمات المجتمع المدني السوري متطابق لحد كبير مع الواقع السياسي السوري ولكن توجيه النقد لمنظمات المجتمع المدني أسهل باعتبارها الحلقة الأضعف.

مقالات مقترحة
قانون قيصر وعشاق الديكتاتور
صور قيصر: البحث في معرض الموت.. وجع الأمل
واشنطن: لا استثناءات لأصدقائنا إذا خرقوا قانون قيصر
جسم عسكري وتمثيل سياسي لفصائل إدلب.. هل ستُحل عقدة تحرير الشام؟
الفصائل تقتل مجموعتين لقوات النظام وتحبط هجومها جنوب إدلب
قمة أستانا: ضرورة العمل على الحل السياسي والتهدئة في إدلب
تسجيل إصابتين جديدتين بكورونا في إدلب
تسجيل إصابتين جديدتين بكورونا في إدلب
فشل جديد لمجلس الأمن حول سوريا وتحذير من الجوع وكورونا