السوري الذي يشيخ في التاسعة وينتحر

السوري الذي يشيخ في التاسعة وينتحر

الصورة
348610_1_1566489129.jpg
08 تشرين الأول 2019

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

إن التنمر الذي يمكن أن يتعرض له الطفل في المدرسة أو ساحات اللعب أو الحدائق، وغيرها من الأمكنة التي يجتمع فيها الأطفال صار من الهواجس التي تقض مضاجع الآباء والأمهات السوريين في بلدان اللجوء، خاصة بعدما تعالى الخطاب العنصري الرافض والكاره للاجئين، ليس فقط في دول الجوار التي نسمع كل يوم عمّا يتعرض له السوريون وعن العنصرية والتنمر والاعتداء بكل أشكاله الذي يتعرضون إليه أو يمارس بحقهم فيها، بل حتى في الدول الأوروبية التي قطعت شوطًا في مجال حقوق الإنسان وفي تجاوز الانتماءات الضيقة وفي تمثل قيم العدالة والمساواة وعدم التمييز وغيرها، لكن النزعة العنصرية والإحساس العارم بالتفوق والأحقية في الحيازة وامتلاك كل شيء باعتبار الفرد المواطن الأصلي وليس مهاجرًا لأي سبب كان، تجعل من بعض الأفراد متنمرين كارهين لغيرهم يحاولون النيل منهم وامتهانهم وإهدار كرامتهم وتحقيرهم، قد يصل بهم حد الاعتداء المؤذي دون أي رادع.

إن قضية انتحار الطفل السوري وائل مسعود، يوم الخميس الفائت في تركيا، تعتبر صدمة وعارًا بحق الضمير الإنساني والرأي العام العالمي، قد لا يكون أول طفل يتأذى بسبب التنمر أو بسبب ظروف اللجوء أو بسبب الرضوض التي خلفتها الحرب وساحات القتال والدمار والموت الذي بقي عالقًا في ذاكرته تنهش روحه باستمرار، لكن قضية انتحاره صادمة تدفع أي ضمير مهما كان غافلاً إلى الوقوف أمامها وأمام جبروتها كلحظة فارقة، إلا إذا كان ينتمي إلى الضمائر المحنطة التي تعرض في متاحف وبازارات السياسة لقاء المال، تلك جثث ضمائر، وليست ضمائر حية يمكن أن يعتريها الضعف أحيانًا لكنها تعود إلى حياتها وحيائها.

كيف لابن السنوات التسع أن يقامر عامدًا بحياته، أو يرفضها ويستبدل بها الموت؟ من أجل من ومن أجل ماذا؟ إنه رد فعل مأساوي لمواقف الحياة المسببة للضغوط، لكنه الأمر الأكثر مأساوية، فهل يدرك الطفل هذه الحقيقة؟ وكيف يمكن له أن يفهم إشكالية الوجود وسؤال الحياة وسؤال الموت وهو يتهجى مفردات الحياة بعد؟ أي شيطان رجيم أدى بالسوريين إلى أن يكبروا ويشيخوا في عمر التبرعم؟ أن تنعدم من حياتهم مرحلة الطفولة؟ في عمر وائل يسأل الأطفال عن معنى الموت، ويحتار الأهل بالإجابة التي تقرب مفهوم الموت إلى عقولهم اليانعة وأرواحهم الحالمة، فهل كان انتحاره احتجاجًا على حياة لا تقدم له ما يستحق أم ردّ فعل على انتهاك كيانه وتحقيره والتطاول والاعتداء عليه، من دون أن يفهم أبعاد سلوك كهذا؟ هل ظن أن الموت لعبة من الألعاب التي يمكن أن يمارسها من دون أن ينشغل بالنتائج وهل يمكن إعادة الشوط أكثر من مرة، فربما يربح وينتصر على الحياة التي تقهره في مرة من المرات؟ هل يمكن أن يدرك مفهوم الانتحار؟ وحتى لو كان سلوكه وإقدامه على شنق نفسه على باب مقبرة، وما يحمل من رمزية، ويدلّ على أن مفهوم الموت بالنسبة إليه ليس من الألغاز أو أفكار الرهبة والوساوس، إنما هو مدرك لمعنى الموت، ومدرك أن احتجاجه في وجه العالم سيكون أكثر ضجيجًا ووضوحًا عندما يعلق نفسه على باب مقبرة كعنوان للموت، حتى لو لم يكن مدركًا تمامًا فعلته، فإن موته بهذه الطريقة إدانة للعالم وللأنظمة التي تدعي الدفاع عن حقوق الشعوب وتسعى إلى ترسيخ القيم الإنسانية، لكن هذا العالم لم تهزه صور الموت السوري بالجملة وبكل أشكال التوحش على مدى سنوات الجحيم السوري، لم تهزه صور الأطفال المقطعة جثثهم تحت وابل البراميل والقذائف، ولا صور الأجساد البريئة التي لفظتها الأمواج على الشواطئ كالطفل السوري إيلان الذي لم تحرك صورته الضمير العالمي بل كانت مادة سبق صحفي وبازارات تاجر بها السياسيون واستثمروا.

أي شيطان رجيم أدى بالسوريين إلى أن يكبروا ويشيخوا في عمر التبرعم؟ أن تنعدم من حياتهم مرحلة الطفولة؟

لكن هل نحن بريئون من لوثة العنصرية والتنمر؟ كم يحزن السوريون في ذاكرتهم المثقلة بالأوجاع من مواقف التنمر التي تعرضوا لها أو عايشوها أو كانوا شهودًا عليها؟ حتى إن التنمر لم يعد محصورًا بتعريفه الضيق، وهو ممارسة المتنمر هذه الأفعال تجاه شخص معين أو مستهدف، بل صار ظاهرة تتعدى حدود الفردية لتصيب شرائح من المجتمع أو مجموعات من الأفراد، وهذا ما أطلق عليه الدارسون تسمية تنمر غير مباشر والذي يُعرف أيضًا باسم "العدوان الاجتماعي" الذي يتسم بمحاولة العزل الاجتماعي للضحية المستهدفة عن طريق مروحة واسعة من الأساليب والسلوك، بما في ذلك نشر الشائعات، ورفض الاختلاط مع الضحية، والتنمر على الأشخاص الآخرين الذين يختلطون معها والتهكم أو ازدراء أسلوب عيشها وملبسها وعاداتها وغيرها من العلامات الاجتماعية التي تميزها، وليس التنمر الذي مورس بحق الطفل وائل مسعود الذي سطر بانتحاره تراجيديا إنسانية بليغة الدلالة على وحشية هذا العصر ببعيد عن هذا النوع، لكنه أيضًا تنمر عاشه وعايشه ويعيشه السوريون في بلادهم، علينا الاعتراف بهذه الحقيقة من التقليل من جسامة انتحار الطفل وائل ولا جبروت ما يتعرض له السوريون في بلدان اللجوء ومنها تركيا، والاعتراف بها يملي علينا أيضًا واجب محاربتها ونشر مفاهيم تدعو إلى قيم معرفية واخلاقية أخرى، خاصة بعد ما عمقت الحرب من حجم الهوة بين مكونات السوريين، بل بين الأفراد حتى في داخل الأسرة الواحدة، فعززت التنمر كسلوك يمارس بكثافة كما سابقًا، وزادت مخلفات الحرب في حدته. محاربة ثقافة وسلوك التنمر واحد من أهداف أي مشروع تطمح إليه الشعوب المنتفضة على واقعها الطامحة بحياة أكثر رحمة وملاءمة لإنسانيتها، فلقد عانت تلك الشعوب كثيرًا وكان التنمر حاضرًا في حياتها كبارًا وصغارًا، يمارس من قبل المتنمرين البالغين الذين يحملون شخصيات استبدادية تولد لديهم دائمًا الشعور بالحاجة إلى السيطرة أو الهيمنة، هذه الشخصيات الرائجة في مجتمعات يحكمها الاستبداد المتعدد، لا تستطيع أن تقبل برأي يناقض رأيها، أو معرفة تفوق معرفتها خاصة إذا صدرت عمن هم في مراتب أدنى بالنسبة لها، أو ممن هم أتباع بطريقة أو بأخرى، فهذه المعرفة المغايرة أو وجهات النظر المختلفة يمكن أن تكون عامل خطر عليهم بشكل خاص، وقد تستثير أو تستفز ثقتهم بأنفسهم وتذكرهم بلا شرعيتهم.

ما أبشع هذا العالم!!. أي ضمير بقي في وجدان البشرية؟ لو كان هناك بقايا منه لاهتز أمام هول الفاجعة السورية. سوريا التي يموت أطفالها بوحشية تفوق التصور، تُنتزع منهم الحياة وهم عزل ولم يدركوا بعد أنها من حقهم، أطفال يعبرون فوق الطفولة، تحترق مراحل حياتهم وتضغط أعمارهم ويلقون في التاسعة من عمرهم في شيخوخة يائسة منسحبة من الحياة. عار على البشرية أن ينتحر طفل.

شارك برأيك