السوريّون ومتلازمة الرعب القهرية

تاريخ النشر: 04.08.2021 | 06:33 دمشق

لا يخفى على أحد أنّ السوريين يقبعون، ومنذ خمسة عقودٍ، في صميمِ آلةٍ أمنيةٍ جبارة سحقتْ فرديتهم، ولم تبالِ بهم. ومهما بذلوا من مجهودٍ، وتحركوا، وناضلوا، فإنهم لن يخرجوا منها بسهولة. آلةٌ أنتجتْ عالماً من العنف، كلُّ شيء فيه مُنظّمٌ ومهندسٌ بدقة، له غرضٌ محدّد لا مجال فيه للفراغ، أو التعاطف العقلاني يسعى لاستئصالِ كلّ ما هو مُبهم، وغير خاضع للنظام الحاكم.

مُهّد لهذا العالم منذ عام 1963 عندما بدأتْ عمليةُ تقزيمِ الحياةِ السورية، لتقضي على شتّى مقوماتِ الحياة المجتمعية، فأعادت صياغةَ السوريين ليكونوا، في معظمهم، دون طموحٍ أو تمايزٍ أو ملامح، في المآل باتت البلادُ تعاني من مشكلةٍ سياسية- إنسانية- أخلاقية، تعيد تدويرَ نفسها في كلّ المجالات. أنتجت مواطنين يعانون التخبط الروحي، والتوهان الأخلاقي، تسيطر عليهم حالةٌ عجيبة من عدمِ الاكتراث بالمصلحة العامة. كما يعانون ضموراً في حسّ المشاركة، والمواطنة ليغدو سقفُ أحلامهم السترَ والأمان ممن بيده الحكم والسلطان.

طال التهميشُ كلَّ قطاعات المجتمع التي ارتدت إلى مستوى المتطلبات الدنيا، بعد أن كان الشأنُ العام "خبزها وملحَها"

وخلال حكمِ الأسدين، اكتسحتِ البلادَ سلالةٌ غريبةٌ، على حسابِ القيم والأخلاق والمشاعر والشرف، وكلّ الفضائل التي جعلت السوريين كائنات حيّة تعشق وتحبّ وتفرح وتتألم، فقد أدرك أصحابُ هذه السلالة خطرَ التحولات المقبلة في البلاد، إن اكتسحتِ الديمقراطيةُ مفاصلَ الحياة السورية، فاعتبروا أنفسهم رجالاً لكلّ المراحل، يعدّون العدةَ لمواجهةِ أيّ دعواتٍ جديّة في سبيل الإصلاح والتغيير، يعرفون في قرارة أنفسهم أنّ الأمرَ معرّضٌ للفشل ما لم يكن مصحوباً بآلة أمنيةٍ، تتفنّن في تصديرِ فنون الرعب، لتسميمِ الجوّ العام. آلةٌ اختزلت السوريين إلى أشياء مادية، كما أحدثت طفرةً في نمط السلوكيات وردود الأفعال، حيث لم يعد يُلتفت لتمثيل السوري بوصفه وجوداً بشرياً إنما اختزلته إلى أرقام وعلامات وأوراق. على ضوء ذلك طال التهميشُ كلَّ قطاعات المجتمع التي ارتدت إلى مستوى المتطلبات الدنيا، بعد أن كان الشأنُ العام "خبزها وملحَها"، فانقطعت الروابط تدريجياً بين الدولة ورعاياها وشاع مناخٌ تجريمي اتهامي وسّعَ رقعةَ الانقسام والتشظي، أدى مع مرور الزمن إلى مجتمعٍ مستقيل وخسارةٍ حقيقية مبرمجة لإنسان هذا البلد ولكافة مؤسساته الحيوية.

والرعبُ الذي عاشته سوريا طيلة عقودٍ، لا يزال حاضراً اليوم بقوة، ينتجُ خياراتٍ سياسيةً محددة، في مقدمتها نموذج، وأسلوب ممارسة نظام الحكم، الذي يعتبر العامل الأساسي في تشكيلِ أخلاق الناس ووعيهم، ذلك أنّ الخوفَ لم يعدو كونه أمراً ثانوياً أو عَرَضياً، بل أصبح تكويناً أصيلاً في بنية المجتمع السوري الذي يقوم على عدم الثقة والشكّ والتآمرية ومبررات الخيانة التي لم تترك بدورها أحداً إلا أصابته بعدواها. في وقتٍ اُستخدمت فيه (نغمةُ الخصوصية السورية) لتبرير آلة الرعب المتغوّلة في أدقّ التفاصيل، وجاءت المبرراتُ الجاهزة والمعلبة لتؤكد أنّ المجتمعَ غيرُ مؤهلٍ لتقبّل الديمقراطية لأسباب منها: عشائريته وتفشّي ظاهرة التعصب والانغلاق كذلك الافتقار إلى النضج الذي يسهل عمليةَ استيعابِ نظمٍ جديدة في الممارسة السياسية.

في الحقيقة الخصوصيةُ السورية اليوم ما هي إلاّ نتاج الخياراتِ السياسية للسلطة القائمة على الرأي الواحد والحزب الواحد والحاكم الواحد والصوت الواحد. خياراتٌ شكلت تربةً خصبة لزرع شتول الرعب في كلّ مكان، فشاع الوجودُ الاستخباراتي المشؤوم والمكثف يمارس كلَّ صنوفِ القهر والتعسف، أما على المستوى السياسي فيمكن القول إنّ بشار الأسد حالياً مهيمنٌ بالمطلق على 65% من البلاد التي تعيشُ متلازمةَ الرعب القهرية بأفظع أشكالها، لذا لم يضطر إلى التلاعبِ بالانتخابات -غير الشرعيّة أساساً- ولم يقمْ بعملياتِ شراء الأصوات والاحتيال والتزوير لأنه لم يكنْ بحاجةٍ لذلك على الإطلاق.

في واقع الأمر، هناك علاقةٌ عضويةٌ أصيلةٌ بين الخوف والاستبداد وليس في حقلِ السياسة علاقة أوثق من هذه، على التوازي أصبحت ثقافةُ العنف مؤسسةً لهويّةِ الجماعة وانغلاقها على ذاتها. وذكرياتُ الرعبِ السياسي ما زالت ماثلة بالأذهان، فعندما شنّ حافظ الأسد حرباً مدمرة على مدينة كاملةٍ في ثمانينيات القرن الماضي قُتل فيها أكثر من عشرة آلاف شخص، وفق بعض التقديرات. استمرّ الناجون في الحياة كأنّ شيئاً لم يكن، ظاهرياً على الأقل إذ لا خيار. ونغمة التكيّف ما زالت مستمرةً حتى اليوم يقتاتُ السوريون على خبزِ المؤامرات لتبرير انهزاميتهم، في ظلّ إدارة الدولة لمنظومة العنف والإرهاب، في بلدٍ لا يملكون منه شيئاً سوى قبورٍ آيلةٍ للنسيان، بالتأكيد مَن بقي في الداخلِ السوريّ مازال يدفعُ فاتورةَ الخوف حتّى اللحظة وسط معطياتٍ مرعبةٍ من التجاوزاتِ اللاإنسانية والانتهاكاتِ الجائرة. يتابعُ السوريُّ وبحيادٍ تامّ الجنون المطبق الذي جعل من سوريا مسرحَ التطورات العجائبيّة المثيرةِ للدهشة بحقّ. ليس لأنّ الأحداث المعقدة في تراتبيتها، التبست عليه، وطمست صورةَ الحقيقة الكاملة، بل لأنه تشرّب قيمَ الطاعةِ والخضوعِ والطأطأة والمسايرة. كذلك اليقين المطلق بعدم الجدوى بالفاعلية والأهمية.

الحقيقة تُقال إنّ بؤرةَ الخوف تشكلت عندما رضخ السوريون لنظامٍ فاشيّ، لم يتهيؤوا له منذ البداية. فزعاماتُ جمهورية الرعب تعزّز عقد النقص والإهانة والانجراح الحضاري، لذا لا يمكن لها إلاّ أن تجعلَ مواطنيها يعيشون في دوامةِ المجهول، يؤمنون بأنَّ القادمَ أسوأ، ولا يحمل بصيص أمل. ما عزّز هذا الاستسلام فشلُ النخب السياسية الوطنية في تبنّي إجراءاتٍ صريحةٍ وواضحةٍ للعدالة الانتقالية، باعتبارها الركيزة الرئيسة في تجاوز مخلّفاتِ ثقافةِ الخوف التي تلغي النقاش والنديّة، وتعطل الحسّ النقدي. بطبيعة الحال تعاظمت هذه القناعة بعد كسرِ شوكةِ الثورة السورية، فبات سوريّو الداخل غير مُكترثين لأيّ انتفاضةٍ مماثلة، بعدما وقعوا فريسةَ خطابِ المنتصر المضلّل المفسد، تحولوا إلى عدوانيين تجاه الأغيار يلومونهم على معاناةِ الخوف، ولسانُ حالهم يقول: "أنتم المسؤولون عن خوفنا" ناهيك عن أنّ الكلَّ غاضبٌ والكلّ يلوم الكلّ، دون تداركِ الآثار المدمرة لكل انفعالٍ سلبي، يجعل السوريين يدورون في حلقاتٍ متصلة من الفوضى وأيّ محاولة للخروج منها بمنزلة تمرّدٍ وقحٍ على قداسةِ الرئيس شخصياً.

قيامة لا بدّ منها قبل أن تدقَّ ساعة الصفر، يصل فيها السوريّ إلى حافةِ الهاويةِ والنسيان، وبعدها لن تشرق شمسٌ ولن يحلَّ يومٌ جديد يُنصفُ أحلامه في وطنٍ كريم

لا شكّ، فنُّ تقديرِ المسافة مع النظامِ الحاكم في الوقت الحاضر، عن طريق إلقاء نظرةٍ عميقة على سلوكياته في الماضي، "فالنظام لا يتغير إلاّ إلى الأسوأ"، من شأنه أن يجعلَ الخوفَ أقلّ حدّة، عندها فقط سيلجأ السوريون إلى إعادةِ الحسابات وإعادةِ ترتيب الأحكام المسبقة التي تقف على طرف لسانهم، لتنطلق إزاء من يخالفهم أو حتّى لا يتفق معهم في سبيلِ قيامةٍ شاملةٍ تغسل القلوبَ مما علقَ فيها من جراحاتٍ وأحقاد. قيامة لا بدّ منها قبل أن تدقَّ ساعة الصفر، يصل فيها السوريّ إلى حافةِ الهاويةِ والنسيان، وبعدها لن تشرق شمسٌ ولن يحلَّ يومٌ جديد يُنصفُ أحلامه في وطنٍ كريم، إنّها الساعةُ التي يتحوّل فيها شعبٌ بأكمله إلى أقليةٍ مسحوقة، لا قيمة لها إلاّ باستخدامها كوقودٍ مستمرٍّ لآلة الرعب التي لا تصدأ، يتلاشى دون أن يخلّفَ جثثاً، بينما يجد المستبدُّ سروراً طاغياً في مشاهدة السوريين البؤساء يقضون على مذابحِ الرعب اليومية.

كلمات مفتاحية
"الصحة السورية" تطالب المواطنين بالحذر من سلالة "أوميكرون"
22 دولة تغلق حدودها خوفاً من انتشار سلالة "أوميكرون"
بسبب "أوميكرون".. المغرب يعلق رحلات المسافرين إليه لمدة أسبوعين
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي
فرنسا: عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية تقوّض العلاقة مع الاتحاد الأوروبي