السوريون واللبنانيون وغواية الانزلاق إلى الحرب

تاريخ النشر: 18.10.2021 | 07:05 دمشق

لا تكاد المعارك تهدأ بين الأطراف العديدة في بلاد الشام حتى تعود طبول الحرب وتقرع من جديد. وليس هذا جديداً على السوريين واللبنانيين، وهم أبناء جغرافيا واحدة عاشت على مرّ التاريخ فصولاً من الاحتراب الداخلي قلّما يجدها المرءُ في مناطق أخرى من الشرق فضلاً عن العالم.

ولم يكن مستغرباً أن تندلع شرارة جديدة من "عين الرمانة" و"الطيونة" حيث سقط قتلى قيل إنهم سلميون خرجوا من بيوتهم مدججين بالسلاح الخفيف والمتوسط، لغرض قالوا إنه سلمي أيضاً وهو إسقاط قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار الذي يشرف على ملف انفجار مرفأ بيروت، أحد أكبر الانفجارات التي شهدها العالم. وحين رفع هؤلاء بنادقهم وأطلقوا النار ردّ عليهم آخرون من أبناء المنطقة من المسيحيين، فأردوهم قتلى، لتبدأ مظلومية جديدة لا يتقن فكّ شيفراتها إلا أهل بلاد الشام.

يشعر الناس في بلاد الشام بأنهم مستهدفون، ليس فقط من العدو الخارجي، المستعمر، المحتل. بل أيضاً من أبناء جلدتهم ومواطنيهم، ولا تدقّق كثيراً على الاختلافات الطائفية والعرقية، فقد يتهم أبناء القومية الواحدة والطائفة الواحدة بعضهم بعضاً بالتآمر، كما يفعلون حيال الآخرين. وقصص التمزّق في الهوية ما تزال ماثلة أمام أعيننا بفعلها المضارع الفج.

الدرس الذي أسبغه العقل الاستشراقي الذي يحكم هذه الجغرافيا، لن يُحسن فيه ضبط الأمور سوى قوي مكين، قوته من شرعيته الذاتية لا الموضوعية المتفق عليها

الاشتباك المحتمل في كل لحظة، يبدو أكثر رسوخاً من العيش المشترك، ولكلٍّ ذريعته في كيفية وقوع ما يقولون إن أحداً لا يتمناه؛ الحرب. لكن الحرب واقعة واقعة. وهي لم تهدأ لحظة، على الأغلب تكون باردة جمراً تحت الرماد، أو ملتهبة متفجرة كما علّمتنا أحداث ما سمّيت بـ ”طوشة النصارى" في ستينات القرن التاسع عشر وما تلاها من تحولات دمّرت البنية الاجتماعية والثقافية لبلاد الشام، وصولاً إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت خمسة عشر عاماً والحرب السورية الدائرة التي تدخل في عشريتها الثانية.

والدرس الذي أسبغه العقل الاستشراقي الذي يحكم هذه الجغرافيا، لن يُحسن فيه ضبط الأمور سوى قوي مكين، قوته من شرعيته الذاتية لا الموضوعية المتفق عليها، وتمكينه إما "قنصلي" قادم من ذات الفترة، القرن التاسع عشر، حين كانت القنصليات الأوروبية تدعم هذا وذاك وتفرض ما تريد على الباب العالي، وإما بـ "القوة الغاشمة" التي يستطيع التغلّب وحده تعزيزها وإنجاح ما تريده.

العاملان بقيا يتحكمان برقاب الناس، ومن قال إن الوعي القنصلي زال بزوال القناصل والانتقال إلى دولة الاستقلال؟ لا أحد يجرؤ على تكذيب ذلك ونفيه، فلكل طرف في بلاد الشام من يدعمه من خلف الحدود. ولا يزعمنّ أحدٌ أيضاً أن زمن الثورات والانقلاب على الاستبداد قد أفلح في طمس "الوعي القنصلي" إياه. بالعكس، قام بتعزيزه أكثر، والحالة السورية برهان ما بعده برهان. الأداء السياسي للمعارضة لم يخرج قيد أنملة عن تلك المعادلة، رغم أن المتّهم بها هم أبناء الأقليات، ولعل تلك العدوى قد انتقلت إلى غيرهم منهم حتى صارت دأباً ونهجاً يسير عليه الجميع. لا بل إنها باتت هي المنطق الطبيعي في نظر السياسيين، إذ لا إمكانية لنجاح أي مشروع من دون دعم خارجي، حتى إنهم لا يحاولون، وفي الوقت ذاته يندبون حظهم من انعدام القرار الوطني المستقل.

أما القوة الغاشمة فهي الخيار المحبب لمن يعتقدون أن الاعتماد على الآخر (الخارج) أمر يتجاوز الوطنية، وقد تأتي تلك القوة من إيقاظ المشاعر الشعبوية والغرائزية التي لن يفلح في إيصالها إلى التمكين سوى انقلاب عسكري أو تمرّد عنيف كما في الحالة الجهادية. ولكن لا الانقلاب كان يجري من دون ضوء أخضر خارجي، ولا الجهاد كان ينبثق من التراب، بل تأتي به ريح تهب مرة من أفغانستان ومرة من العراق وأخرى من أصقاع الأرض المترامية.

طالما أن المكونات، بكثيرها وقليلها، ترفض الاعتراف بحقيقة أنه لا بديل عن العيش المشترك النظيف من الهمسات والأيدي الممتدة تحت الطاولات، فلا مخرج إلا الحرب أو الاستبداد

لا يخجل حزب الله اللبناني من التباهي بتبعيته للولي الفقيه في إيران، وخدمته طيلة الوقت لمشروع نفوذ خامنئي، مع ادعائه أن خياراته وطنية داخلية لا يمليها عليه أحد ممن يسميهم جماعة السفارات. ولا يجد خصومه ضيراً في الاعتماد على الإرادة الغربية لإنقاذ لبنان من الانهيار الذي بات تحصيل حاصل فعلاً. ولا يشعرون بأن اتهام أبناء دينهم بما يسمونها "ذميّة جديدة" فيه من الجهل ما يجعل العلاقات تزداد توتراً وتصدّعاً عما هي عليه. كما لا يخطر ببال السوريين من مؤيدي الأسد أن هيمنة الروس والإيرانيين على بلادهم هي ليست مجرّد نزهة للجيوش والمليشيات، بل مشروع متكامل لبسط النفوذ بلا رجعة. ولا يجد المعارضون السوريون مشكلة في الاعتماد على داعميهم وحلفائهم إلى ما لا نهاية دون تقديم مشروع شراكة معهم لا معادلة تبعية وخضوع لا تلبث أن تتحول إلى عبء على أولئك الداعمين، مادامت مصالحهم لا تتحقق وما دام المدعومون في نومهم الطويل.

وطالما أن المكونات، بكثيرها وقليلها، ترفض الاعتراف بحقيقة أنه لا بديل عن العيش المشترك النظيف من الهمسات والأيدي الممتدة تحت الطاولات، فلا مخرج إلا الحرب أو الاستبداد. وهذا هو المآل الطبيعي لكل تلك المتناقضات التي ترفض التناغم في ما بينها وفق سياق واحد يقوم على إدراك المعنى الحقيقي للبلاد والدولة والمجتمع. أما الاستبداد فيعيش أيامه الأخيرة، ولا مكان له في الغد، لكن في البيت وداخل الأسرة الصغيرة يجري إذكاء الحرب كل صباح وعشية، بالتخويف من الآخر، وبناء الجدران النفسية العازلة معه ونسج الأساطير والخرافات حوله وحول معتقداته وتاريخه. وفي أجواء متصاعدة كهذه، يبدو أن الحرب في بلاد الشام، ورغم كل ما سال من دماء، لم تبدأ بعد. بل اقتربت ودنت، وحينها لن يعمل أحدٌ على أن تضع يوماً أوزارها.