السوريون والخروج من الأنساق السلطوية

السوريون والخروج من الأنساق السلطوية

الصورة
29 كانون الثاني 2019

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

اللافت، بعد ثماني سنوات مرت عصيبة على الشعب السوري، أن التغيرات المجتمعية في غالبيتها كانت تنحو نحو التفكيك، أو إذا صح التعبير نحو التفتيت كنتيجة طبيعية لحجم العنف الذي شهدته المنطقة. قد لا يلاحظ الذين بقوا في الداخل السوري هذا التبدل بحجمه الصادم، لكن من يغيب في الخارج ويعود كل حين سوف يلمس هذا التحول الدراماتيكي في كل شيء.

سنوات ثمانٍ مرت ثقيلة على صدور السوريين، تركت أخاديدها على وجه الحياة، لم يعد المجتمع السوري كما كان، بالرغم من أنه لم يكن سابقًا مجتمعًا متجانسًا، وهذا أحد الأسباب الأساسية التي ساهمت بالانهيار السريع لمنظومة القيم والأخلاق والعادات الحياتية، كان التجانس الوحيد الذي يمكن الحديث عنه هو العيش تحت سقف خيمة الشمولية المفروضة بالقوة والقمع والترهيب، يتجلى بمنظومة عميقة تتحكم بالسلوك وأدوات التفكير وآلياته، يبدأ الفرد بتلقي مفرداتها منذ طفولته الأولى، انطلاقًا من البيت

أدى العنف المدجج بالأيديولوجيا والعقائد المتباينة إلى ازدياد الاشتعال وما أعقبه من انهيارات مدوية باتت ملحوظة، بينما الدلائل تشير إلى أن ما خفي أعظم

مرورًا بالمدرسة وصولاً إلى الجامعة وحتى ميدان العمل، ينمو في داخله بالتوازي إحساس بالغربة وفقدان فرديته، فيلجأ إلى البدائل التي تشكل له ملاذات آمنة لروحه المتشظية المغتربة، ولم يكن أكثر من جسد القبيلة أو الطائفة أو الجماعة الدينية أو القومية ملاذَا يمنح الأمان بالالتصاق به يمكن الاختباء تحت خيمته.

هذا التشظي الروحي والوجداني ساهم باكرًا في شق الصفوف لدى الشعب السوري، مدعومًا بأجندات لم تعد خافية على أحد مارسها كل أطراف الصراع، فلامسوا هذه الجمرة المطمورة عميقًا تحت رماد النفوس المحترقة على مر العقود، فاتقدت وأضرمت النيران بسرعة كبيرة. ولقد أدى العنف المدجج بالأيديولوجيا والعقائد المتباينة إلى ازدياد الاشتعال وما أعقبه من انهيارات مدوية باتت ملحوظة، بينما الدلائل تشير إلى أن ما خفي أعظم، وما ينتظر المنطقة من هزات ارتدادية تعصف بما تبقى من البنيان المجتمعي أمر مخيف جدير بالالتفات إليه، فهل يكون للكلمة والصوت أثر يعول عليه من أجل منع الانهيار أو السقوط المدوي؟ وهل تستطيع النخب في كل مجالاتها أن تسند الجدار الأخير فتمنعه من السقوط وتدعمه وتبني عليه؟ هل يمكن تفتيت مفهوم السلطة السائدة المتحكمة في مفاصل الحياة مجتمعًا وأفرادًا؟ سلطة السياسة وسلطة المجتمع وسلطة الحاكم والسيد والأب والكبير على الصغير والسلطة الذكورية بكل تجلياتها؟

لا يمكن التنبؤ بمآلات الأمور لناحية ما يلي هذا التفتيت لمنظومة الحياة والقيم السائدة في الوضع الحالي، في وقت ما تزال فيه سوريا ميدان صراعات ونزاعات ومفاوضات على مناطق نفوذ، لكن يمكن القول بأن التغيير لم يحدث، بل إن النكوص نحو الماضي ونحو أشكال من نواظم الحياة أكثر بدائية وأقل قدرة على احتواء المتغيرات ومواكبة للعصر هو المسيطر على المشهد إلى الآن، وأن هناك عودة إلى أنساق أصلية تمزج وتصهر كل أنواع السلوك والأفعال وردودها ضمن بوتقتها، بمسميات عديدة، إن كان المقدس أو المحرم أو السيادة أو الوطن  أو غيرها، وهي في المحصلة مرهونة لخدمة السلطة التابعة لها. ما حصل وباركته السلطات المسيطرة في أماكن نفوذها هو تشجيع وتكريس الأنساق السابقة، لأن الخروج من دائرة الواضح والجلي والمرسوم والمحدد سلفًا، كما يقول الباحث المغربي سعيد بنكراد في كتابه "مسالك المعنى"، هو خروج عن طوع

بعد كل هذا الخراب الذي ألحق بالوطن ما زالت البنية الثقافية الموروثة التي اشتغل عليها السلاطين متحالفة على مدى عقود، من دينية واجتماعية وسياسية وغيرها، هي المتحكمة بسلوك الأفراد والجماعات

السلطة وتهديد لأمنها، فالسلطة باب موصد في وجه المعاني الثانية لذلك فهي لا تستعير ولا ترمز ولا توحي، أنها تحتمي بالمباشر والواحد والبسيط، فالسلطة تكتفي بما يقدمه الوجه الواقعي للحياة بما يحمل من لحظية ونفعية ومباشرة، فهو مرئي من خلال جزئيات الفعل المعيش.

لم يتغير السوريون كثيرًا، فما زال التغيير محصورًا في بعض الشرائح والفئات المنفصلة التي أكثر ما تحتاج إليه هو جمعها في نواة متماسكة يمكن البناء عليها، فبعد كل هذا الخراب الذي ألحق بالوطن ما زالت البنية الثقافية الموروثة التي اشتغل عليها السلاطين متحالفة على مدى عقود، من دينية واجتماعية وسياسية وغيرها، هي المتحكمة بسلوك الأفراد والجماعات، بل زادتها ظروف الحرب والمعاناة الرهيبة التي يعاني منها الناس في حياتهم، وضيق العيش وانسداد الأفق أمام الطموحات، كل ذلك دعم الشعور بالحاجة إلى الملاذ، والخوف من التغيير، مثلما كان الخوف من التغيير أحد الأسباب التي جعلت شرائح من الشعب السوري تنكفئ على نفسها عند بداية الحراك، بل وتدينه أيضًا.

هذه الحال التي وصل إليها السوريون، في الداخل والخارج، مكنت مشاعر الغربة والخوف من القادم في نفوسهم، وبالتالي فإن الانقسام المجتمعي طال حتى البيوت والأسر الواحدة، وإلى اليوم ما زالت الشروخ تتعمق أكثر والخلافات تشتد ضراوتها، وكل فريق يتمنى لو بإمكانه نسف الفريق الآخر باعتباره المسؤول الوحيد عما آل إليه مصير البلاد والعباد. صار السوريون في حالة من الذهول العارم، في الحين الذي تستلم فيه الحياة بكل مفاصلها فئة أو طغمة من المتغولين في حياة البشر يسيطرون على المقادير بأسلوب العصابات ومنظوماتها وأدواتها، فلم يعد السوري آمنًا على شيء في حياته التي تحولت إلى حالة انتظار تدفعه في سراديب التفاصيل الصغيرة، يلهث خلف أساسيات العيش بأبسط أشكاله، فرغيف الخبز قضية وأسطوانة الغاز قضية والتدفئة قضية والتقنين قضية والكثير الكثير من بديهيات الحقوق صار قضايا ينفق السوريون أعمارهم في ملاحقتها وانتظارها لتصبح قدراتهم على التفكير في واقعهم مشلولة، وليزداد تغول السلطات بكل أشكالها، ويزداد جبروتها وعملها على حشر الضمير العام والوعي العام في أنساق المركزية المرتبطة بالثوابت مهما مرّ عليها الزمن ومهما كانت معيقة للتطور.

شارك برأيك