ليس بإمكاننا أن نتجاوز موقف الدولة الجزائرية خلال سنوات الثورة، وعلى الرغم من عدم قطع العلاقات مع النظام السوري المخلوع والإبقاء على البعثات الدبلوماسية في كلا البلدين، إلا أن الجزائر لم تفرض تأشيرة دخول على الوافدين السوريين حتى عام 2015، وذلك تزامنًا مع ارتفاع عدد المهاجرين نحو القارة الأوروبية عبورًا من الأراضي الجزائرية.
العلاقات السورية الجزائرية بعد سقوط الأسد
وحتى نكون منصفين، ورغم أن العلاقات بين النظام الجزائري ونظيره السوري كانت جيدة إلى حدٍّ كبير، إلا أن الجزائر لم تقبل بتسليم أي معارض سوري لنظام الأسد، ولم تُضيّق على نشاط المعارضة السورية في الداخل الجزائري.
كلّ ذلك لم يمنعنا من أن نُلقي اللوم على السلطات الجزائرية واعترافها بنظام مجرم مثل نظام الأسد، ولكن كنا نقبل على مضض موقف الجزائر بصفتها دولة لا تنخرط في الشؤون الداخلية للبلاد العربية، وبالمقابل ترفض وبشدة التدخل في شؤونها الداخلية، فكانت الثورة السورية في عيون السلطة الجزائرية شأنًا داخليًا لا تتدخل به بشكل مباشر.
أما اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد المجرم، فلا تزال العلاقات السورية الجزائرية متوترة نسبيًا، فلم نشهد تقاربًا دبلوماسيًا على مستوى وزراء الخارجية أو حتى على مستوى رئاسة الجمهورية، واكتفت السلطات الجزائرية بإرسال وزير الخارجية السيد أحمد عطاف لتهنئة الرئيس السوري أحمد الشرع بتسلُّم رئاسة الجمهورية، في زيارة تُعتبر خاطفة، لم تُسفر عن أي انفراج في العلاقات بين البلدين.
أزمة الجالية السورية في الجزائر
بدأت أزمة الجالية السورية في الجزائر في اللحظة التي فرضت فيها الحكومة الجزائرية تأشيرة دخول في مطلع عام 2016، حيث أصبح من الصعب على حملة الجنسية السورية الدخول إلى الأراضي الجزائرية، إلا بصعوبة بالغة. وهذا الفرض يتزامن مع ظهور جماعات متطرفة دخلت الصراع العسكري في سوريا، بالإضافة إلى الضغوط التي مارسها الاتحاد الأوروبي على الحكومة الجزائرية لمنع تدفّق اللاجئين نحو القارة العجوز.
لم تقتصر الأزمة على السوريين الراغبين في الدخول إلى الأراضي الجزائرية، بل طالت السوريين المتواجدين في الجزائر، حيث عملت السلطات الجزائرية على تعليق منح السوريين الإقامات الرسمية، وكان هناك تواطؤ غير معلن بين النظامين السوري والجزائري، مفاده التضييق على السوريين في الجزائر.
فمن جهة، لم تكن الجزائر تتبع سياسة ترحيل السوريين بشكل مباشر، لكن من جهة أخرى، كانت ملفات طلبات الإقامة تتكدّس في مراكز الأجانب دون أي موافقات، ناهيك عن الضغوط التي كانت تمارسها سفارة النظام السوري، حيث وصلت قيمة تجديد جواز السفر "العادي" إلى 800 دولار أمريكي، مما جعل أبناء الجالية يعزفون عن تجديد جوازات سفرهم، وبالتالي وصلت نسبة السوريين الذين لا يمتلكون وثائق رسمية إلى 80٪.
المهاجرون غير الشرعيين
طبعًا، ومن المتوقَّع أن الجزائر بحكم موقعها الجغرافي، لم تكن بمنأى عن توافد دفعات من المهاجرين غير الشرعيين من السوريين وغير السوريين، الذين وجدوا في الأراضي الليبية نقطة عبور إلى الجزائر.
حيث إن تفاقم الأزمة السياسية والعسكرية في ليبيا أتاح الفرصة للسوريين أن يجدوا "معبر الدبداب" نقطة نفاذ إلى الأراضي الجزائرية لتسجيل دخول غير شرعي، مما جعل الجزائر تتخذ تدابير أمنية أكثر حزمًا حيال منح السوريين إقامات رسمية في البلاد.
وبناءً على ما تقدّم، أصبحت فكرة استخراج إقامة للسوريين في الجزائر حلمًا صعب المنال، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مما جعل السوريين خلال السنوات السابقة عرضة للاستغلال من قبل سماسرة الإقامات، وشهادات السياقة، وشهادات الميلاد، وغيرها. وعلاوة على ذلك، كانت سفارة النظام تمارس كل أنواع التضييق على السوريين من خلال فرض رسوم على أي وثيقة رسمية يحتاجها المواطن السوري، وهي على دراية تامة بالظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشها المواطن السوري في الجزائر؛ فلا يوجد عقود عمل، ولا تأمينات اجتماعية أو صحية، فهو في نهاية المطاف مقيم غير شرعي في البلاد.
السوريون يريدون مغادرة الأراضي الجزائرية بسلام
استبشر السوريون خيرًا عندما أعلنت كل الفضائيات العربية هروب المجرم بشار الأسد إلى العاصمة الروسية موسكو. كانت الأحلام عظيمة بالعودة إلى الديار بعد سنوات الغربة الطويلة، إلا أن الرياح -كعادتها- تجري بما لا تشتهي السفن.
فأول أزمة واجهت السوريين هي عدم وجود طيران مباشر بين الجزائر ودمشق، وبالتالي كانت خيارات السوريين محدودة، سواء بالتوجّه إلى العاصمة اللبنانية بيروت، التي أوصدت الأبواب أمام السوريين الذين اختاروا مطار رفيق الحريري قادمين من مطار هواري بومدين، فكانت الوجهة الثانية هي العاصمة الأردنية عمّان، وتحديدًا مطار الملكة علياء، لتتوقف بعد مدة الرحلات من الجزائر إلى الأردن بسبب الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، مما جعل السوريين أمام أسعار تذاكر خيالية على متن الخطوط الجوية القطرية والتركية.
ولم تتوقف الأزمة على أسعار التذاكر، بل بحكم أن السوريين المتواجدين في الجزائر، كما أسلفنا، لا يمتلكون وثائق رسمية تُثبت إقامتهم، وهناك قسم لا بأس به دخل الأراضي الجزائرية بطريقة غير شرعية، ظهرت أزمة "المحكمة في المطار"، حيث الكثير من السوريين خسروا ثمن تذاكر سفرهم بسبب المحاكمة في المطار.
حيث تقتضي المحاكمة مثول المسافر أمام جهة أمنية ليدفع غرامة مالية بسبب وجوده غير الشرعي على الأراضي الجزائرية، وحاول السوريون بكل السبل تسوية أوضاعهم قبل مغادرة البلاد، إلا أن الغالبية يتم إعادتهم من المطار، وإخضاعهم لمحاكمات صورية.
أصبح المشهد معقدًا للغاية، فبين رغبة في العودة إلى الوطن، وبين أسعار التذاكر التي تتجاوز قدرة المواطن السوري، وبين صعوبة الرحلة التي في كل مرة تزداد سواء نحو بيروت أو عمّان أو القاهرة أو إسطنبول، بالإضافة إلى رسوم الغرامات المالية المفروضة على السوريين، وعلاوة على ذلك، تسابق مكاتب الطيران لاقتناص مبالغ خيالية، وجد السوريون صعوبة بالغة في إيجاد مخرج رسمي وآمن لمغادرة الأراضي الجزائرية بسلام.
لا يزال حلم السوريين هنا في الجزائر هو أن يستفيقوا على خبر فتح المجال الجوي بين العاصمة دمشق والعاصمة الجزائر، لأنهم يؤمنون إيمانًا عميقًا بأن العلاقات السورية الجزائرية ضاربة في أعماق التاريخ، ولا يمكن أن تؤثر عليها أي متغيرات سياسية.
"ممكن بإصرار".. كتاب يواجه أسطورة "الخلية التي لا تُقهر"
الماغوط يعيد النبض للمسرح السوري
عدت سلمونياً
خالد خليفة روائي في حضرة الطاغوت
السوريون في الجزائر وحلم العودة