السلطة الفلسطينية والأسد.. مَن يتعكَّز على الآخر؟

تاريخ النشر: 15.01.2022 | 06:11 دمشق

نقلت وكالة أنباء النظام السوري (سانا) عن جبريل الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، قوله، في مؤتمر صحفي عُقِد مؤخَّرًا، بدمشق: "إن وجود سوريا خارج الجامعة العربية عارٌ على العرب، ولا سيما أنها دولة مؤسسة للجامعة العربية، ويجب أن تستعيد عضويتها".

هكذا يقرِّر جبريل الرجوب، واعدًا بزيارة قريبة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى دمشق. يمنح الأسد صكّ براءة، بل ويدين مَن يحاول استبقاء موقفٍ مندِّد، ولو رمزي، من جرائمه التي فاقت الوصف بحق السوريين، وحتى بحق الفلسطينيين؛ ليستدعي ذلك الأزمةَ المشتركة التي يعاني منها مَن يقبضون على القرار الفلسطيني الرسمي، والقابضون على خناق الشعب السوري، منذ عقود، وهي ليست أزمة سياسية، فحسب، بل أخلاقية ووطنية وإنسانية، وليذكِّر بهشاشة الداعم والمدعوم، حيث كلا النظامين انتهى عمره الافتراضي، ويعتاش على بذْل أوراقه؛ لاستبقاء التغطية الدولية عليه.

في الظاهر، قد يبدو، أو يُفترَض أن يكون نظام الأسد والسلطة الفلسطينية على تناقض، فالأول يدَّعي، أو كان يدَّعي الوقوف ضدَّ دولة الاحتلال، باصطفافه فيما سُمِّي بمحور الممانعة والمقاومة، إلى جانب إيران، وحزبها في لبنان، وطالما اتَّكأ على ذريعة مقاومة المشروع الصهيوني، لتأجيل استحقاقات الإصلاح، في سوريا، مثله مثل النُّظُم التي حكمها العسكر، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة. والثانية عانى شعبُها، وقضيتُها، من ويلات نظام البعث، من لدن الوالد، إلى الولد. دون أن يمنعه ذلك من استخدام فلسطين ورقةَ مساومة خارجيًّا، واحتماء داخليًّا. 

بعد ما تعرّض له نظام الأسد من ضعف وتآكُل، كشَف عن الخطوط الحُمْر الفعلية التي تحكمه، وتتمثل في مجرِّد بقائه، حتى لو كان مفرّغًا من محتواه السيادي

ولكن الاختبارات تكشف المواقف الحقيقية، وتقدّم الأولويات، حتى على مستوى الشعار، فبعد ما تعرّض له نظام الأسد من ضعف وتآكُل، كشَف عن الخطوط الحُمْر الفعلية التي تحكمه، وتتمثل في مجرِّد بقائه، حتى لو كان مفرّغًا من محتواه السيادي، ومن محتواه الوطني المزعوم. حدث ذلك حين غضَّ الطَّرْفَ عن المدى البعيد الذي بلغته دولةُ الإمارات، في تطبيعها مع إسرائيل، مقابل تطبيع الأخيرة علاقتها معه، ولم يَصْدُر منه حتى انتقاد، ولو مُخفَّف، لفتح الإمارات المنطقة لدولة الاحتلال، ومحاولات دمجها، وإشراكها في أزمات المنطقة والإقليم. ولا يخفى ما يمثِّله ذلك من تهديد حقيقي للأمن القومي العربي والإقليمي، وحتى للنفوذ الإيراني، ثم لم يَصْدُر من إيران انتقادٌ لسلوك نظام الأسد؛ ما يعني أنها تتفهَّم دوافعه، وهي نفسها، مِن قبل، لم تتخذ مواقف جِدِّية معادية للإمارات؛ نظرًا لحجم المصالح التي تربطهما معًا. ونظرًا لإدراكها العميق لحدودها، فيما يتعلق بوجود إسرائيل، والحفاظ على أمنها، ودورها.

أما السلطة الفلسطينية فلا يستبعد عنها عرض نفسها في سوق المزاودات، بعد أن لم تجد غضاضة في الرضوخ لإملاءات دولة الاحتلال، وتلك الدولة في أعتى حالات تطرُّفها وعنصريتها، وفي أصرح حالات تنكُّبها للحقوق الفلسطينية، وفي أشرس درجات هجماتها على فلسطين؛ الإنسان والأرض والمقدَّسات والمقدَّرات، وهي قبل ذلك تُنحِّي السلطة ورئيسها جانبًا، إلا مِن دور السلطة الوظيفي؛ في حفظ الأمن، وأداء الخدمات كوسيط، أو وكيل مريح للاحتلال، ومبيّض لصفحته؛ دون أنْ يظهر احتلالها سافرًا، لا يتلبَّث في ابتلاع الأرض، بل يتخذ من اللقاءات غير السياسية مع أركان السلطة غطاءً لعدوانه على الفلسطينيين وأرضهم، بل وتستعين دولة الاحتلال بالسلطة في أداء مهمات أمنية يعجز قادة الاحتلال وأجهزته الأمنية، بشهادة محمود عباس، عن أدائها، بنفس الكفاءة والنتائج؛ لتموضع السلطة وأفراد أجهزتها الأمنية بين الفلسطينيين، ومعرفتهم القريبة والمباشرة بخباياهم، وتحرُّكات المقاومين منهم.

وما كان للسلطة الفلسطينية أن تبلغ بعلاقتها مع نظام الأسد هذه الدرجة من الحرارة، والحميمية الظاهرة، لو علمت بوجود (فيتو) أميركي، أو إسرائيلي، فهي لا تقبل بالمصالحة مع حركة حماس التي تحكم قطاع غزة، منذ 2007، لعلمها بوجود (فيتو) أميركي وإسرائيلي، يمنع من اعتراف السلطة بحكم حماس، وإشراكها في منظمة التحرير، بالرغم من حصول حماس على تمثيل شعبي وانتخابي أوصَلها إلى مقاعد المجلس التشريعي، بأعداد كبيرة، عام 2006، إذ حصلت على 76 مقعدًا، من أصل مقاعد المجلس التشريعي البالغة 132. فهي بشهادة الجميع جزء أصيل من الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، لكن السلطة تعلن أن إتمام المصالحة مع حماس متوقف على وفاء الأخيرة بالاشتراطات الدولية، التي هي إسرائيلية، أيضًا، وفي مقدِّمتها الاعترافُ بالاتفاقات التي أبرمتها منظمة التحرير مع دولة الاحتلال، واعترفت بموجبها بإسرائيل، ونبذت العنف، وتعهدت بمنعه، ضدها.

فالسلطة تطبِّع مع كلِّ الجهات التي أجرمت، وتجرم بحق الشعب الفلسطيني، كما كان من نظام الأسد الذي لم يقصِّر في إلحاق الأذى بالفلسطينيين في لبنان، وبفلسطينيي سوريا، وكما كان من دولة الإمارات التي تبلغ بتطبيعها درجات الاستفزاز، كما في زيارة تتكرر من وفود منها للمسجد الأقصى، بحماية قوات الاحتلال؛ ما يعني اعترافًا ضمنيًّا إماراتيًّا بسيادة دولة الاحتلال على المسجد الأقصى، هذه الإمارات لم يطل غضب السلطة الفلسطينية منها؛ فشاركت في فعاليات نظَّمتها، كما كان في معرض إكسبو 2020 دبي، والتي شاركت إسرائيل بجناح خاص بها،  وهذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها إسرائيل، في مثل هذه المهرجانات الكبيرة الجارية في دولة عربية، حيث صادف معرض إكسبو 2020 دبي ذكرى مرور عام على تطبيع إسرائيل لعلاقاتها مع الإمارات.

وجاءت تلك المشاركة الفلسطينية، بعد قرار الحكومة الفلسطينية إلغاء مشاركة فلسطين في معرض "إكسبو دبي 2020" العالمي، رفضًا لاتفاق التطبيع. وتفسيرها هذا الموقف بأنه جاء رفضًا للإعلان الثلاثي الأميركي، الإسرائيلي، الإماراتي، حول تطبيع العلاقات بين الاحتلال الإسرائيلي ودولة الإمارات. ثم جاءت تلك المشاركة (الفلسطينية) لتسهم في إجهاض دعوات مقاطعته، دوليًّا، وعربيًّا.

ومقابل تطبيع السلطة هناك أطراف أجرمت وما تزال بحق فلسطين وأهلها، تصرّ على رفض (التطبيع) مع حركات فلسطينية، كما ترفض (التطبيع) مع أيِّ نفَسٍ فلسطيني مقاوِم، حتى لو كان فرديًّا.

الحقيقة أن السلطة ونظام الأسد يتقاسمان شعورا بالعجز الداخلي، تجاه الشعب الفلسطيني والسوري

تمرّ السلطة الفلسطينية إلى نظام الأسد على عشرات آلاف الضحايا الفلسطينيين، من مخيم تل الزعتر الذي اشتركت قوات حافظ الأسد، الوالد، في الإجهاز عليه، وقتل ما يزيد على أربعة آلاف شخص، أغلبهم من المدنيين، عام 1976، إلى مخيم اليرموك؛ المأساة الإنسانية المفزعة، على يد الولد، حيث قصف منشآتِه المدنية بالبراميل المتفجِّرة، وبصواريخ مقاتلات الميغ، وأطبق عليه حصارًا قاتلًا، لمدَّة عام كامل، ليؤكِّد ارتكابه جرائم حرب، ما كان له أن يجرؤ على ارتكابها، لولا استشعارُه تسامحًا دوليًّا، ما دام أنه يصبُّ في تصفية القضية الفلسطينية، وفي تبديد معالم هي مِن أهم الشواهد عليها، وهي مخيمات الفلسطينيين، وقضية اللاجئين، ليذكّر ذلك بما فعلته دولة الاحتلال في المخيمات الفلسطينية، ومنها مخيم جنين، في الضفة الغربية، فيما عرف بمجزرة جنين. دون أن ننسى ضحايا النظام الأسدي في سجونه، ومنهم من لا يزال، دون أن تسأل السلطة الفلسطينية  عنهم، أو عن مصيرهم.

والحقيقة أن السلطة ونظام الأسد يتقاسمان شعورا بالعجز الداخلي، تجاه الشعب الفلسطيني والسوري، فالأولى تقف شاهدة يوميا على اعتداءات واقتحامات قوات الاحتلال لتجمعات الفلسطينيين، وفي مقدمتها المدن التي للسلطة وجود كامل فيها، تقتحم، وتعتقل، وتقتل، كما كان في نابلس، وكما في جنين، قبل فترة قريبة، وحتى لم تسلم المؤسسات التعليمية من اعتداءاتها، كما كان في جامعة بيرزيت.

والثاني، الأسد، يقف متفرّجا على تعاظم النفوذ الروسي والإيراني، كما لا يملك ردعًا أمام غارات دولة الاحتلال المتكرِّرة، على طول وعرض الأرض السورية؛ فيا فرحة كلٍّ منهما بالأخر!