السلام أم التطبيع مع إسرائيل؟

2025.07.01 | 05:33 دمشق

52
+A
حجم الخط
-A

كلمة "السلام" باتت تتردّد كثيرًا في الخطاب السوري على وسائل التواصل الاجتماعي، تُتداول في المنشورات والتغريدات وكأنها مرادف فوري للخلاص، أو مفتاحٌ سحريّ لإغلاق أبواب الحرب الطويلة.

تُكتب فوق صور رمزية في مشهد رومانسي لا يخلو من النوايا أياً كانت، لكنه يغفل عمق التعقيد السياسي والتاريخي الكامن خلف الكلمة. فـ"السلام" ليس مجرد أمنية، بل مشروع مشروط بالعدالة والاعتراف، يحتاج إلى مراجعة حقيقية لجذور النزاع، لا إلى طمسها تحت لافتة "المصالحة" السريعة.

الخلط الشائع بين "السلام" و"التطبيع" في هذا الفضاء الرقمي، يجعل النقاش حول مستقبل سوريا يبدو وكأنه مسألة عواطف لا مسألة شروط سياسية وتوازنات تاريخية. فالسلام لا يعني بالضرورة استعادة الكرامة، تمامًا كما لا يعني التوقيع على اتفاق ما نهايةً للظلم. لذا، قبل أن تُروَّج الكلمة باعتبارها الخلاص المنشود، لا بد من التمييز الدقيق بين السلام الذي يُنهي الحرب، والتطبيع الذي يعيد تشكيل العلاقات – وقد يأتي أحيانًا على حساب الحقيقة والعدالة والكرامة.

الصورة هنا ليست عرضًا للتاريخ، بل تجسيد مسبق لخريطة سياسية قيد التشكّل، حيث تتحوّل تل أبيب إلى ما يشبه عاصمة افتراضية للإقليم، تُدار منها تفاهمات ما بعد الصراع.

في العلاقات الدولية، يُشكّل التمييز بين مفهومي "السلام" و"التطبيع" مدخلًا ضروريًا لفهم طبيعة التحولات بين الدول المتحاربة، المتخاصمة أو المتقاطعة سياسيًا. فـ"السلام" هو فعل قانوني وسياسي يعبّر عن انتهاء حالة الحرب أو النزاع بين دولتين، وقد يتجلى في صور عديدة منها اتفاقيات هدنة أو معاهدات رسمية تُقرّ بوقف الأعمال العدائية، من دون أن يستتبع ذلك بالضرورة ولادة علاقة طبيعية بين الطرفين. أما "التطبيع"، فهو حالة أكثر تعقيدًا وعمقًا، لا تكتفي بإنهاء العداء، بل تسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة في مختلف أوجهها: الدبلوماسية، الاقتصادية، الثقافية، بل وحتى الرمزية، بما في ذلك تشكيل القيم المجتمعية والإشارة هنا بوضوح إلى المناهج التعليمية.

ففي حين يُمكن لدولتين أن تبرما معاهدة سلام وتظلّ بينهما هوّة من العزلة والعداء الشعبي، كما في حالة مصر وإسرائيل، فإن التطبيع يتطلب قبولًا متبادلًا، واعترافًا معلنًا بشرعية الآخر، وتعاونًا فعّالًا يعيد هندسة المصالح المتبادلة. السلام يُنهي القتال أو يجمّده، لكن التطبيع يُنشئ علاقة. ولهذا، فإنّ "التطبيع" لا يُعدّ مجرّد استمرار للسلام، بل قفزة نوعية في بنية العلاقة، وقد يكون مشوبًا بالجدل حين يأتي من دون معالجة جذرية لأسباب العداء. في الجوهر الفكري، السلام ضرورة سياسية، أما التطبيع فهو خيار استراتيجي محفوف بالمآلات الأخلاقية والتاريخية.

اتفاقيات أبراهام تُشكّل تحولًا جوهريًا وتاريخياً في مقاربة بعض الدول العربية للعلاقة مع إسرائيل، حيث يُستخدم مصطلح "التطبيع" بشكل صريح للدلالة على إقامة علاقات كاملة، تشمل التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والتكنولوجي وحتى الأمني. بخلاف معاهدات السلام التقليدية التي تُنهي حالة الحرب من دون بناء شراكة فعلية، يُقدَّم التطبيع هنا كإطار شامل لإعادة تشكيل العلاقة السياسية والعملية، متجاوزًا البُعد الرمزي إلى اتفاقات ملموسة في الاستثمار والتبادل والمصالح الإقليمية. غير أن هذا الاستخدام للمصطلح لا يخلو من التباسات سياسية وأخلاقية، إذ لا يمكن النظر إليه إلا بكونه يأتي بمعزل عن تسوية القضية الفلسطينية، بل ويُعطي شرعية لعلاقات قائمة على المصالح لا على العدالة. وبهذا، تصبح اتفاقيات أبراهام نموذجًا لتطبيع يُبنى على واقعية سياسية باردة، لا على رؤية شاملة للسلام العادل في المنطقة.

يقدّم الشرع رواية مغايرة للسرديات السائدة، إذ يؤكد أن سوريا دخلت المفاوضات من موقع استراتيجي لا يتنازل عن المبادئ، بل يستثمر في التوازنات الدولية ما بعد الحرب الباردة، لإعادة الأرض كاملة مقابل سلام عادل وشامل.

صورة في تل أبيب

رفع صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب محاطًا بقادة عرب، من بينهم ولي العهد السعودي، والرئيس السوري، والرئيس الفلسطيني، والرئيس اللبناني، إلى جانب رؤساء دول عربية طبّعت فعليًا، يشكّل إعلانًا إسرائيليًا–أميركيًا عن مستقبل مُتخيّل يتم تسويقه كأمر واقع قادم لا محالة. الصورة هنا ليست عرضًا للتاريخ، بل تجسيد مسبق لخريطة سياسية قيد التشكّل، حيث تتحوّل تل أبيب إلى ما يشبه عاصمة افتراضية للإقليم، تُدار منها تفاهمات ما بعد الصراع.

إنها صورة تُسقِط الحواجز السياسية والرمزية بين الخصوم، وتضع الجميع في مشهد "اللقاء الكبير"، تحت إشراف الراعي الأميركي العائد: دونالد ترمب. إنها صورة اعتراف استباقي، تُسوّق لفكرة أن التطبيع قادم حتى من الذين رفضوه لعقود.

ذهنيًا – في هذا السيرك - تشكّل الصورة المشار إليها محاولة لاختراق ما تبقّى من رواية عربية جماعية ترى في إسرائيل قوة احتلال استيطاني إحلالي قائم على الطهير العرقي لا يمكن التعايش معها. والصورة المرفوعة بتشكيلتها، تهدف وتعمل على تفكيك هذه الرواية عبر الجمع بين الأضداد، وتقديم مشهد "سلام شامل" خالٍ من الاشتراطات، بلا قدس، بلا عودة، بلا مساءلة.

إنها ليست فقط محاولة لقول "هذا هو السلام"، بل هي إلغاء ضمني لفكرة مقاومة المشروع الصهيوني، ولذاكرة الصراع. تضع العربي الفلسطيني إلى جانب الإسرائيلي من دون أي تعبير عن توازن، وتجمع رموزًا تمثل تيارات متنافرة، لتقول: كل شيء ممكن في ظل الواقعية الترمبية الجديدة.

رفع تلك الصورة في تل أبيب ليس مجرد استفزاز بصري، بل أداة دعائية استراتيجية تُستخدم لترسيخ السردية الإسرائيلية الأميركية في الوعي العربي: أن التطبيع حتمي، وأن الزعامات العربية كلها ستنتهي في هذا المشهد، طوعًا أو قسرًا. وما لم تُقابل هذه الصورة بسردية مضادة، فإنها ستتحول من صورة إلى مشروع.

الأدبيات السورية

بالنظر إلى الأدبيات السورية المتعلقة بفكرة السلام، يرسم وزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع في الجزء الأول من مذكراته "الرواية المفقودة"، لوحة دقيقة ومحمّلة بالدلالات لكواليس مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية، تلك التي انطلقت في أعقاب مؤتمر مدريد عام 1991 في ظل توازنات دولية جديدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. إذ يقدّم الشرع رواية مغايرة للسرديات السائدة، إذ يؤكد أن سوريا دخلت المفاوضات من موقع استراتيجي لا يتنازل عن المبادئ، بل يستثمر في التوازنات الدولية ما بعد الحرب الباردة، لإعادة الأرض كاملة مقابل سلام عادل وشامل. وبالتالي لم تكن المفاوضات، كما يصفها الشرع، مجرد حوار دبلوماسي حول خرائط وحدود، بل كانت مواجهة عميقة على المعنى والكرامة والسيادة، وعلى تعريف "السلام" نفسه: أهو استسلام مموّه؟ أم استحقاق مشروع يقوم على استعادة الحقوق كاملة؟

سوريا، في تلك اللحظة، جاءت إلى الطاولة حاملة مشروعها: سلام عادل وشامل مقابل الانسحاب الكامل حتى حدود الرابع من حزيران 1967، لا مجرد تفاهمات وظيفية أو ضمانات أمنية باردة. أما إسرائيل، فقد حاولت تمرير صيغة ملتبسة، تتحدث عن "حدود آمنة" وتتملص من مبدأ "الانسحاب الكامل"، في حين كانت واشنطن - في عهد إدارة كلينتون-  تمارس دور الوسيط المنحاز، الساعي إلى إنجاز سياسي، ولو على حساب وضوح النصوص وشفافية الالتزامات.

على الإدارة السورية أن تكون شفافة في هذا الملف، فلا يحق لها أو لغيرها الذهاب في هذا الاتجاه دون استفتاء شعبي. حتى مجلس الشعب المرتقب خلال 90 يوماً لا يملك حق هذا التفويض.

المذكرات تكشف أن الوفد السوري لم يكن متصلبًا، بل واعيًا لمعنى كل كلمة تُسجَّل على الورق، مدركًا أن التفريط بشبر من الأرض سيُقرأ كتنازل تاريخي لا رجعة فيه. وعندما وصلت المفاوضات إلى لحظتها الحاسمة في جنيف، رفضت سوريا أن تُختزل السيادة إلى شريط مائي على ضفاف طبريا. وهكذا، تقدّم الرواية المفقودة الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سردية بديلة: سوريا لم ترفض السلام، بل رفضت الخضوع لمعادلة تُسقط الحقوق تحت وهم التطبيع. لقد سعت إلى سلام يصون الكرامة، لا سلام يُعرض في واجهات الإعلام بوصفه منجزًا استعراضياً.

إسرائيل تريد سلاماً أو تطبيعاً مجانياً، هذه جملة أنقلها حرفياً كما قالها لي أحد أعضاء الوفد السوري الذي حضر مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل في تركيا، في فترة لاحقة لفشل مفاوضات مدريد، الخلافات العميقة بقيت قائمة، خصوصاً حول حدود الأرض والاعتراف المتبادل. لم تكن المفاوضات في تركيا تجري على طاولة واحدة، بل كانت تحت سقف واحد وبوساطة وزير الخارجية التركي حينها أحمد داوود أوغلو.

بالمقارنة السياسية نجد أن بيانات الخارجية السورية منذ سقوط نظام الأسد تجاوزت وصف إسرائيل بالاحتلال أو بالكيان، تحدثَت عن عبارات فضفاضة، عن اعتداءات تتم في ظروف غير طبيعية، وهذا أسس فيما بعد لسريان فكرة قبول إسرائيل في الذهنية السورية، يدعم هذا الاتجاه  تصريحات المبعوث الأميركي  إلى سوريا التي نقل فيها عن الرئيس السوري أحمد الشرع قوله إنه "لا يكره إسرائيل". تبدو هذه التصريحات كجزء من محاولة لتسويق فكرة التعايش والتطبيع مع العدو، لكن هذا التوجه لا يخلو من مخاطر جسيمة. في ظل الأزمات العميقة التي تعيشها سوريا، تحاول الإدارة السورية دون إعلان رسمي بل عن طريق قبائل رقمية تقديم السلام مع إسرائيل كخلاص وطني، متجاهلة أن هذا السلام في الحقيقة تطبيع مبطن، يمرّ على حساب الحقوق الوطنية، وخصوصًا ملف الجولان الذي لا يمكن التفريط به. ومبدأية القضية الفلسطينية التي استشهد جدنا السوري عز الدين القسام على ثرى يَعبَد لأجلها واستمرت القافلة بعده بآلاف السوريين والسوريات، وآلاف الليترات من الدم السوري الذي تخضَّب بتراب فلسطين.

لذلك، يجب أن يُرفض هذا التوجه الذي يحاول فرض التعايش وعدم الكره، كبديل عن التحرر الوطني، ويجب أن تبقى سوريا وفية لدم الشهداء منذ عام 1936. فالسلام الحقيقي لا يأتي عبر تنازلات مفرطة أو عبر إلغاء الصراع عبر شعارات جوفاء، بل عبر مواجهة الاحتلال ورفع الظلم عن شعبنا وأهلنا.

على الإدارة السورية أن تكون شفافة في هذا الملف، فلا يحق لها أو لغيرها الذهاب في هذا الاتجاه من دون استفتاء شعبي. حتى مجلس الشعب المرتقب خلال 90 يوماً لا يملك حق هذا التفويض. يجب ألا نسمع أخبار اللقاءات أو المفاوضات من الإعلام الإسرائيلي أو عبر تسريبات تنقلها منصات أميركية عن مسؤولين إسرائيليين. وواجب الإدارة السورية بكل مستوياتها تجاه شعبها في قضية السلام لا يقتصر على التوقيع على اتفاقات أو إطلاق شعارات برّاقة، بل يتمثل في الحفاظ على الكرامة الوطنية والحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف. السلام الحقيقي لا يأتي من ضغوط الخارج أو بإغراءات وعود الإعمار السريع، لا يُبنى على التطبيع المجاني أو التنازلات المؤلمة، بل على قاعدة العدالة واستعادة السيادة الكاملة، وعلى رأسها الجولان المحتل والحق الفلسطيني. التاريخ لا ينسى، والسلام الذي لا يحمي الذاكرة والمستقبل، ليس سلامًا بل عبورًا إلى الضعف والتبعية.