السرديات المتنافرة واستمرار الاستعصاء

تاريخ النشر: 22.03.2021 | 05:54 دمشق

درج قول إنكليزي بين الحربين العالميتين مفاده أن "ما هو طيّب الطعم لألماني، سُمٌّ زعاف لروسي”:

“What’s good food for a German is poisonous for a Russian”

وأساس القول: "ما هو غذاء لإنسان، سمٌّ زعاف لآخر“

One man’s meat is another man’s poison

هكذا تماما تقع بعض المفاهيم على عقول ونفوس السوريين تجاه قضيتهم؛ فتتحوّل إلى اصطفافات وتناقضات، وسرديات متنافرة، وصولاً إلى انقسامات مجتمعية مدمرة.

حتى في المفهوم الأقدس للإنسانية، الحرية، ترى كلاً منهم في واد. ومعروف أنه كي يكون الإنسان إنساناً بالمعنى الكامل للكلمة، لا بد أن يكون حراً، لأن الحرية من أسمى المبادئ في الحياة، وأساسٌ في التطور والبناء والإبداع. هذه العبارة وهذا المفهوم تحوّل في سوريا خلال السنوات العشرة الماضية إلى مصدر للتهديد وحتى السخرية عند منظومة الاستبداد ومحيطها.

"حماة الديار"، عبارة أُطلقَت على الجيش العربي السوري الذي كان السوريون يعتزون به، ويفخرون بأن بلدهم سيدٌ مصانٌ ومنيع؛ ولكنهم تحوّلوا إلى حماة للاستبداد وأداة للقتل والعيش بخنوع وإذلال أمام المحتل الإيراني والروسي.

بالنسبة للنظام والمدافعين عنه، مَن يعارض غير وطني؛ ويُوصف بالخائن، والمتآمر مع قوى خارجية؛ والمتسبب بجلب الإرهاب وبدمار سوريا وبالنزوح؛ ولا يرون أن هناك ثورة أو معارضة في سوريا، بل مجموعات من الإرهابيين المتطرفين أو الطامعين بالمناصب أوهنوا عزيمة الأمة، وخرجوا على "المقاومة والممانعة". وبدون هؤلاء يمكن خلق "مجتمع متجانس". وبالمقابل، ترى المعارضة والثورة أنها تقف في وجه منظومة استبدادية مجبولة على اللاوطنية تصرفت بلامسؤولية، دمرت، وهجّرت، وأفقرت، وأذلت مواطنيها؛ جلبت الإرهاب والاحتلال؛ منفصمة عن الواقع؛ تكذب كما تتنفس.

الروسي والإيراني، بالنسبة للنظام ومَن معه، صديق وحليف ومحارب للإرهاب، ومانع لسقوط سوريا؛ ولكنه لكثير من السوريين، عدو ومحتل وأساس للإرهاب بميليشياته وصواريخه

وصلت الأمور بالبعض ليرى في إسرائيل- محتلة الأرض ومغتصبة الحقوق- مخلصاً؛ وآخرون يرون فيها السبب الأساس في امتداد مأساتهم؛ ومنظومة الاستبداد تغازلها للإنقاذ، عبر اتفاق نظراً لوصولها لحالة الاختناق.

الروسي والإيراني، بالنسبة للنظام ومَن معه، صديق وحليف ومحارب للإرهاب، ومانع لسقوط سوريا؛ ولكنه لكثير من السوريين، عدو ومحتل وأساس للإرهاب بميليشياته وصواريخه.

اشترك السوريون تاريخياً بمعاناتهم من "الفيتو" الأميركي الذي حال دون حصول الفلسطينيين على بعض حقوقهم في فلسطين؛ وإذ بهم يختلفون على تقييم الفيتو الروسي؛ فمجموعة النظام رأت فيه حماية لرأس نظامهم، ومعظم السوريين رأوا فيه ما يحول دون حصولهم على حقوقهم، وحامٍ لقاتلهم.

لا وصف لدى النظام ومحيطه لتركيا إلا "المحتل التركي"؛ والثورة السورية ومعارضتها بالنسبة لهؤلاء رهينة لتركيا؛ أما بالنسبة "للرهائن" السوريين، فهم يرون تركيا ملجأً من البراميل الأسدية وميليشيات إيران وسوخوي بوتين.

بالنسبة لمنظومة الاستبداد وحاضنتها، أميركا رأس المؤامرة على سوريا، وصاحبة قانون قيصر؛ ولكن هؤلاء- برأي بقية السوريين- ينسون "خطها الأحمر" على الرمال، وسياقتها من الخلف وسماحها لروسيا وإيران في التدخل لحماية منظومة الاستبداد.

داعش اسمٌ أذى ثورة السوريين في الصميم؛ فمن هو مع منظومة الاستبداد يرى الداعشية ركناً أساسياً في انتفاضة السوريين؛ وثورة السوريين تراها اختراعاً أمنياً أسدياً أكثر أمرائها خريجو معتقل صيدنايا ومن زملائهم الذين دفعت بهم إيران وإسرائيل ودول أخرى لتشويه ثورة السوريين.

معظم السوريين يرون في "مؤتمر سوتشي للشعوب السورية"- حسب تسمية بوتين- ومسار "أستانا" إهانة للشعب السوري، وخطفاً للقرارات الدولية التي تحفظ حقوقهم؛ والتفافاً على مسار "جنيف"؛ ويراهما النظام ومن معه مخرجاً لسوريا؛ ببساطة لأن النظام لا يريد العملية السياسية، وترعبه عبارة: "انتقال سياسي".

يرى نظام الاستبداد ومؤيدوه بأنهم انتصروا لمجرد بقاء النظام كل هذا الوقت في مواجهة "المؤامرة الكونية"؛ وشعب سوريا أيضاً يرى بأن ثورته انتصرت، وللسبب ذاته. وحقيقة الأمر أن كل سوريا والسوريين خسروا؛ ولا بد أن يعترفوا بذلك، ويبدؤوا بمراجعة شاملة لكل ما حدث، وبصدق وصراحة وعقل وإرادة.

سوريا لن تعود لما كانت عليه من قهر وذل واستبداد. فالحرية لا تنازل عنها، ولا بد من حماة ديار حقيقيين

هذه بعض نماذج التناقض والتنافر في الرؤى والسرديات؛ ويمكن إضافة مئات حالات التناقض والتنافر؛ وكلها تدل على افتراق وفجوات وتشظٍ حقيقي لا يمكن أن يعيد سوريا إلى سكة الحياة؛ ولو طالت الحالة لسنوات وسنوات.

لا مخرج إلا باقتراب المفاهيم كي تكون النجاة.

ليس ظاهراً بل في القلوب والعقول ننجو، وتعود سوريا الوطن. سوريا لن تعود لما كانت عليه من قهر وذل واستبداد. فالحرية لا تنازل عنها، ولا بد من حماة ديار حقيقيين، وليكن في سوريا سلطة ومعارضة تحكمهما مبادئ الديموقراطية والقانون في مجتمع متجانس ووطن سيد مستقل لكل أهله، ولا مكان فيه لإسرائيل أو داعش أو إيران أو أميركا أو روسيا أو تركيا. إنه القطع مع هذا الماضي والبناء على حلم الثورة وما أنجزته بأغلى الأثمان. حقيقة الحياة وحكمتها تقول: "تنتهي حبة القمح، كي تتحوّل إلى سنبلة".