icon
التغطية الحية

السجلات العقارية.. مشروع إيراني جديد في سوريا تعرف إليه

2022.07.06 | 17:06 دمشق

فصائل إيرانية
راية كتب عليها للفصائل الإيرانية (الأناضول)
إسطنبول - ضياء قدور
+A
حجم الخط
-A

بعيداً عن التمثيل الدبلوماسي والسياسي، لا يبدو أن مهمة سفير نظام الأسد في إيران، الذي تسلم مقاليد منصبه الجديد في نهايات عام 2020، تختلف كثيراً عن مهمة نظيره الإيراني في دمشق. فكلاهما يقود مسيرة الدبلوماسية الاقتصادية على كلا جانبي الحدود غير المتصلة جغرافياً، لإشباع رغبة متبادلة لدى كل من نظام الأسد المتعطش للعملة الصعبة، وحكومة ابراهيم رئيسي "الثورية"، التي ترغب، كما يعبر مسؤولوها، في الانتقال من ساحات "الجهاد الميداني" إلى ساحات "الجهاد الاقتصادي"، بهدف كسب حضور مستمر ومستدام في مستقبل سوريا.

هذه المزدوجة المكونة من نهم إيراني منقطع النظير يقابله انصياع سوري تتحرك لتدوير عجلة اقتصاد النظام بأيدي وأذرع إيرانية. وضمن هذه الدورة، لم تترك هذه المزدوجة حيزاً اقتصادياً حيوياً سورياً إلا تم توقيع اتفاق أو مذكرات تفاهم حوله، منها ما هو ضمن الطاقات الإيرانية، ومنها ما لم يتعدَّ حيز الاستهلاك الإعلامي. لكن القصة اليوم لم تنتهِ عند هذا الفصل، خاصة بعد الأنباء حول افتتاح خط ائتماني إيراني جديد لنظام الأسد.

هذا الفهم تؤكده الأخبار التي يتصدر عناوينها كلا السفيرين. فعلى الجانب السوري مثلاً، يطالب مجتبى أكبري، الرئيس التنفيذي لشركة ساتكاب، و"ممثل وزارة الطاقة الإيرانية في سوريا"، خلال مشاوراته مع السفير الإيراني في سوريا، مهدي سبحاني، وزيرَ الكهرباء السوري، غسان الزامل، "إحالة مشاريع قطاع صناعة الكهرباء في سوريا إلى شركات إيرانية من دون إجراء أي مناقصة، باعتبار أن المستثمرين شركات إيرانية". ليجيبه نائب وزير الكهرباء السوري، مؤكداً "عدم وجود معوقات أمام نشاط الشركات الإيرانية في هذا البلد".

وعلى الجانب الإيراني كذلك الأمر، لم نعد نستطيع التمييز بين تصريحات سفير النظام في طهران، شفيق ديوب، مع تصريحاته نظيره المتشابهة في دمشق عن العلاقات المتينة بين البلدين ومساعي تطويرها وتعزيزها على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسهل علينا صراحةً ترجمتها من وإلى اللغتين العربية والفارسية لتشابهها وتكرارها المستمر.

هذه التصريحات المكررة حملها سفير النظام معه داخل إيران بدءاً من لقائه مع إسماعيل دلفراز، الرئيس التنفيذي لشركة ملت للتأمين، وآية الله اختري، ممثل المرشد الأعلى والأمين العام لجمعية الصداقة الإيرانية السورية، للترحيب ببدء عمل أول شركة تأمين إيرانية في سوريا، إلى إعرابه عن فخره بنقل رسالة علي أكبر ولايتي، رئيس المجلس التأسيسي وأمناء جامعة آزاد الإسلامية، إلى رأس النظام، واستعداده التام للتعاون "الثقافي" مع جامعة آزاد الإيرانية، وليس انتهاءً بلقائه الأخير مع حسن بابايي، رئيس منظمة تسجيل أملاك الدولة وسنداتها الإيرانية.

 

 

رغم كل ذلك، يغلق الاجتماع الأخير لسفير النظام في طهران مع رئيس منظمة تسجيل العقارات الإيرانية الباب أمام المشككين في مساعي إيران لإعادة هندسة المجتمع السوري، خاصة أن مثل هذه الأنباء المتعلقة بتدخل إيران في حيز العقارات السورية تظهر بشكل غير مسبوق على وسائل الإعلام الإيرانية.

وبحسب ما رصده موقع تلفزيون سوريا من منصات إيرانية، أعلن حسن بابايي خلال لقاء له مع سفير النظام، عن توقيع قريب لمذكرة تعاون بين إيران ونظام الأسد في "مجال تنفيذ (الكاداستر السوري) السجل العقاري للمواقع الدينية والزيارات الدينية والتاريخية والثقافية في سوريا".

ويظهر في تصريحات بابايي التصميم الإيراني على "مساعدة سوريا" في إعداد "خرائط وصفية للبلاد"، والوصول إلى "الحكومة الإلكترونية".

ويؤكد بابايي أن إيران "مستعدة للتعاون بكل قوتها لتطوير سوريا في مجال السجل العقاري الحضري والريفي والوطني والملكية الفكرية وتسجيل الشركات من أجل تحقيق الحكومة الإلكترونية"، معرباً عن أمله في "إرسال خبراء المنظمة والفريق الفني إلى سوريا في المستقبل القريب لإجراء كاداستر للأماكن الدينية والزيارات الدينية في سوريا "، كمرحلة أولى.

 

ما هو الكاداستر؟ وما خطورة العبث الإيراني فيه؟

يعتبر السجل العقاري (أو الكاداستر المأخوذة من الكلمة الرومانية القديمة Cadastre) مجموعة السندات التي تُبين أوصاف كل عقار، ووضعه الشرعي، والحقوق المترتبة له أو عليه، وجميع المعاملات والتعديلات التي تطرأ عليه.
ويُعتبر الكاداستر السوري من أهم الأنظمة التي أُنشئت في سوريا منذ عام 1926، نظراً لأهميته في حماية حقوق السوريين وأملاكهم.

باختصار يمكن وصف الكاداستر بأنه "نظام نفوس" لجميع العقارات السورية، الخاصة منها والعامة، وانخراط إيران في تنفيذه، كجزء من خطتها للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، لا ينم عن تطلعات بريئة البتة، خاصة إذا ما ربطنا هذه القضية بقرار النظام مصادرة أموال وممتلكات السوريين البالغين من العمر 42 عاماً ممن لم يؤدوا الخدمة الإلزامية في فبراير/ شباط 2021، وما سبقه من قوانين جائرة وتعسفية لمصادرة أملاك السوريين، كالقانون رقم 10 والمرسوم رقم 66 في عام 2018.

الأمر الأخطر هو البعد الإيديولوجي للقضية، وسعي إيران لتنفيذ السجل العقاري لما سماه بابايي بالأماكن الدينية ومواقع الزيارات الدينية في سوريا، من دون أي وجه تحديد، خاصةً أن دراسة صادرة عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة، ذكرت أن "مصادر شيعية تزعم وجود 49 مقاماً لآل البيت في سوريا دون أدلة تاريخية تثبت هذا الزعم".

 

 

 

وبحسب دراسة "الدور الإيراني في إعادة هندسة المجتمع السوري" الصادرة عن مركز حرمون العام المنصرم، تتوزع هذه المراقد المزعومة في أغلب المحافظات السورية، من دمشق وريفها، إلى حلب وحمص وحماه والرقة واللاذقية ودير الزور. أي أن أمام خبراء منظمة تسجيل الأملاك الإيرانية برنامج حافل ومليء في سوريا.

وكان موقع اعتماد نيوز الإيراني قد نشر مؤخراً خريطة تفصيلية توضح عدد المراقد الدينية في إيران أو ما يسمى بمراقد الامام زاده (يقصد بها سليل أحد أئمة الشيعة)، مبيناً أن عددها فاق 8167 مرقداً موزعين على كل المحافظات الإيرانية، وذلك بالتزامن مع قرار منظمة الأوقاف الإيرانية منع بناء المزيد من المراقد الدينية الجديدة في إيران.

 

 

 

 

وفي الآونة الأخيرة، كشفت مصادر صحيفة أن إيران تقوم بترميم قبور مدنية قديمة لا تحمل أي طابع ديني في مدينة دير الزور، تمهيداً لجعلها مزارات دينية. وبحسب المصادر، يتم ترميم هذه القبور بإشراف وتمويل مباشر من مؤسسة جهاد البناء الفرع الإيراني في سوريا، بالتعاون مع المركز الثقافي الإيراني في المدينة وشخصيات سورية.

وينظر إلى هذه المراقد الدينية الموزعة داخل إيران وخارجها على أنها مراكز لنشر وتعزيز الفكر الإيديولوجي "الشيعي"، ووسيلة لتوفير حضور استراتيجي طويل المدى في الخارج تحت أي ذريعة، حتى لو كانت دينية وغير حقيقية، خاصة أن إيران لا تخفي ادعاءها تزعم وتمثيل المسلمين الشيعة في العالم.