الساروت حيّاً: رسول الحرية!

الساروت حيّاً: رسول الحرية!

الصورة
عبد الباسط الساروت (إنترنت)
25 حزيران 2019

تتجلى رمزية الساروت، في أنه واحد من تلك الملايين التي كسرت طوق الاستعباد، وفي قوة الإيمان بالفكرة التي عمل وقضى لأجلها، والتي جعلت منه مناضلا حقيقياً، من طراز مختلف، من أجل الحرية، يستحق الإشارة إليه، بكل جدارة، إلى جانب رموز إنسانية أخرى، عُرفت عبر التاريخ، بإيمانها بالحرية، وفي نضالها المبدئي، وفي التضحية في سبيلها.

ساروت الثورة السورية، هو واحد من أولئك الذين تقودك سيرتهم النضالية، للإنحناء أمامها بما قدمته، وبتأثيراتها، وما قادت إليه، وبمدى تمثلها للرمزية في مجتمع النضال من أجل الحرية، وهو مجتمع عالمي، لم يعد يتصل بالثورة السورية وحدها، أو ينحصر بجغرافية محدودة!

رمزيته، في أنه ثورة السوريين، بكل ما فيها من تجليات، وتغيرات ومنعطفات. هو حكايتها، بكل ما مرت به، وما صنعته: أحداثها المؤلمة، وأفراحها العظيمة، بانكساراتها وخساراتها، بالأحلام المزهرة، والآمال المعلقة على أبواب القلوب.

الساروت، صار اسماً لذلك النهر الذي يستقي منه عطاش الحرية، ماء الخلود، وقوة المُضيّ إلى سدّة الخلاص. هو الاسم الحركي للشهداء، أولئك الذين آمنوا بالثورة وضحوّا في سبيلها، ومرّوا بمحطات الثورة منذ انطلاقتها، ثم غابوا، شهداء في ساحات الوغى، أو تحت التعذيب في معتقلات الأسدية وأخواتها الظلامية، عبروا برزخ الحياة دون أن يحتفي بهم أحد!

الساروت واحدٌ من أبناء الثورة الذين كونتهم تحولاتها، وقهرتهم عذاباتها، وتمردوا على ما أصابها

الساروت واحدٌ من أبناء الثورة الذين كونتهم تحولاتها، وقهرتهم عذاباتها، وتمردوا على ما أصابها، وأي نعتٍ يطال الساروت دون الأخذ بتلك الظروف، هو مجافٍ للحقيقة والواقع، وهو تجنٍّ على الثورة والمؤمنين بها.

لم يكن إرهابياً، ولم تستطع أية قوة أو "أيديولوجية" احتواءه وإخضاعه. كان مدركاً أن غايته مقاومة الطغيان وإسقاط الديكتاتورية، وهي الطريق التي يتعين عليه الإقدام فيها. ومن المؤسف أن يُعاب علينا "تمجيده"، دون أن يشير أحدٌ ما إلى الأسباب التي دفعت بالشباب إلى حمل السلاح: النظام الأسدي. 

بعد خروجي من المعتقل في أغسطس 2012، داهمتني فكرة واحدة، تلبستني طوال الطريق، وأنا أحثّ الخطى، مبتعداً عن بوابة المعتقل، خشية القبض عليّ بما أفكر: الذهاب إلى حمل السلاح، فهو الوسيلة الوحيدة التي يجب أن نواجه فيها القمع والتعذيب والإذلال، كي نوقفه، ونُسقط الطغمة الديكتاتورية. وأن هذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها هذا النظام، هي لغته، والإرهاب هي صنعته ومنتجه.

لقد دفعت الأسدية السوريين لحمل السلاح، والدخول في أتون حرب شاملة شُنت عليهم، والذهاب إلى أقصى درجات الحدّة في المواجهات المسلحة، وإلى الإيمان التام، لدى فئات غالبة من مجتمع الثورة السورية، بالعمل المسلح، خاصة بعد أن بدأ النظام بارتكاب جرائم حرب منظمة، لتصفية العمل المدني السلمي، وما تزال متواصلة منذ ثمان سنوات. ولم يترك النظام الأسدي وسيلة للقمع والإذلال إلا واستخدمها، وأمعن في ذلك كلما تعاظمت قوة الرفض، واتجهت نحو لجم قوة القهر. ولم يكن بدٌ من الانتصار لكرامة الناس، قبل حريتهم، والساروت واحد من أولئك الذين آمنوا بالعمل من أجل الخلاص.

ما يزال الجرح طرياً، والدمعة التي تحدرت ولم تسقط، علقت في الجفن وتحجرت، ولأن الكتابة فعل حياة، فإن الساروت حيٌّ بما نكتب ونفكر. ثمة صعوبة في الإقرار بخسارة فادحة كهذه. لم يكن مجرد مقاتل، وقضى في الحرب، كان ثائراً، مقارعاً الاستبداد والطغيان، بإصرار وإيمان مثاليّ. وكمناضل صلب، كانت دربه واضحة، وخياراته صحيحة، حتى في تطرفها، بما فرضته ظروف المكان والزمان، وتحدياتٍ بالغة القسوة والخطورة بآن واحد. اختار المبدأ، ومضى في سبيله.

الساروت اليوم، بعد غيابه عن المشهد السوري، هو أكثر حضوراً من ذي قبل. نراه في كل شيء من حولنا، تصدح أغانيه في الضلوع كما في الأمكنة

الساروت اليوم، بعد غيابه عن المشهد السوري، هو أكثر حضوراً من ذي قبل. نراه في كل شيء من حولنا، تصدح أغانيه في الضلوع كما في الأمكنة. حيث الحرب، وحيث المخيمات واللاجئين، وحيث يتعلق السوريون بقشة الأمل، بزوال الطغاة. 

تجربة الساروت كثائر حرّ، غنيّة ثرّة، من الإيمان بالحرية، إلى الخروج من أجلها، والوعي بضرورتها، والذهاب إلى المواجهة المسلحة، ومن ثم الاستشهاد، بعد معاناة كبيرة في ظل الحصار والترحيل، والإبعاد، والتجاهل أو الإقصاء والتغييب، وصوته الذي كان يمنح الثورة قيمة إضافية، ويُشبع الحزن حنيّة الصبر المرير، بجماليةِ من ينثر النور في الأفق والروح معاً.. تلك التجربة النيّرة بالمبدأ والغاية والتضحية، تكرّس الساروت رسولاً من أجل الحرية، وهؤلاء هم الذين يبقون أحياء في الضمائر، أحياء في ذاكرة التاريخ التي لا تذبل ولا تشيخ.

السُاروت حيّاً بالثورة السورية، وروحه الوثابة في الحضور والغياب بآنٍ واحد، تضخ في الثورة نُسغ المضيّ نحو غايتها الأساس: الحرية والكرامة. 

أن نحتفي بالساروت، هو استحقاق التميز، لا التمجيد العابر، هو أقل ما يمكن أن نعزز به مسيرة الثورة السورية، وليكن استشهاده، استنهاضٌ لروح الثورة من جديد، واستعادة لتضحيات جميع الشهداء، واحداً واحداً. وأن يكون تخليدهم، هو إشهادٌ بأن كرامة الإنسان وحريته، لا تورق شجرتها إلا بالتضحيات.

شارك برأيك