الزواج في سوريا.. هل أصبح تأخّره طبيعياً أم تغيّرت مفاهيمه؟

تاريخ النشر: 10.05.2021 | 06:47 دمشق

آخر تحديث: 10.05.2021 | 13:19 دمشق

إسطنبول - رهام بحري

لا شك أن الحرب في سوريا صادرت أحلام الشباب ومنعتهم من استكمال مشاريع حياتية كانوا قد بدؤوا بها أو سعوا إلى تحقيقها، كالزواج الذي تسببت الحرب بتراجع عدد حالاته، فازدادت نسبة العنوسة بسبب انخفاض عدد الرجال قتلاً أو اعتقالاً أو فقداً، يُضاف إلى ذلك هجرة الشباب، والظروف المعيشية المتردية، التي تضع المجتمع أمام أولويات كثيرة، قد لا يكون الزواج من بينها.

رصد موقع تلفزيون سوريا آراء فتيات وسيدات في الشمال السوري للحديث عن معايير الزواج وأسباب تأخره.

الظروف الاقتصادية

لينا (٢٩ عاماً)، فتاة عازبة تعيش في معرة مصرين بريف إدلب ترى أن  الفروقات الاجتماعية ليس لها تأثير كبير على تأخّر الزواج بقدر الظروف الاقتصادية غير المستقرة والتي تُشكّل العامل الأهم في تأخّر الزواج، برغم ذلك يحرص الآباء على ضمان مستقبل بناتهم من خلال اختيار شريك مناسب غير مكترثين  بالواقع.

وتتابع "إلا فئة قليلة  تراعي هذه الفوارق وبالنسبة لبنات جيلي أصبح همهن الوحيد العيش باستقلالية بعيداً  عن السكن مع أهل الشاب وهذا ما يكون عثرة أحيانا أمام استكمال مشروع الارتباط".

وهناك أسباب أخرى مثل وجود علاقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي غالباً ما تكون  كلفتها أقل من "زواج الصالونات" وأصبح البديل الأوفر برأي معظم الشباب "الزواج الإلكتروني"، وهنا نتحدث عن الزواج من غير جنسية الذي فرضه الواقع السوري، بعيداً عن المنظور الديني والأخلاقي الذي  أصبح فيه شرخ كبير بحسب قولها.

 

المجتمع التقليدي

ريم العموري سيدة متزوجة تعمل في إحدى منظمات المجتمع المدني بمنطقة أطمة في ريف إدلب تعتبر أن "المجتمع السوري في المناطق المحررة لا يزال يفكر بطريقة تقليدية ويرى أن الفتاة بعد عمر السادسة عشرة تعتبر عانساً".

وتعزو ذلك إلى وضع الحرب ورغبة الأهالي المستمرة بتزويج بناتهم خوفا عليهم من الانفتاح أو حتى لا تتعرض لمواقف مرتبطة بالتحرش، بحسب وصفها.

وتضيف معظم البنات المتخرجات لم يعدن مطلباً للزواج بسبب أعمارهن فحتى لو كانت الفتاة خريجة جامعية فبمجرّد أن تبلغ سن الـ25  لن يتقدم أحد لخطبتها إلا إذا كانت زوجة ثانية وهذا ما يشاع في المناطق المحررة.

رشا الصالح (٣٠ عاماً) أرملة  ولا تمانع  فكرة الزواج للمرة الثانية وعن أسباب تأخر الزواج اختصرت الحكاية بأنها ”كله قسمة ونصيب”.

وترى أن الفتاة التي تتزوج بسن غير مناسب تتعرض أحياناً لمشاكل وضغوط نفسية ترهق حياتها وتقيدها لذلك اختيار الوقت مهم جدا للارتباط.

 

الاكتفاء الذاتي

سوزان (33 عاماً)، مهندسة تعمل في إحدى المنظمات الإنسانية تقول بلهجة مليئة بالسلام "إن الزواج لم يعد ضمن أولويات التفكير بالنسبة للشباب نتيجة فرص العمل التي تجعل الفتاة أو الشاب مستقلين مادياً".

فمثلا قبل الحرب كانت الفتاة تريد الزواج من رجل ليلبّي طلباتها وتجد مَن يصرف عليها، بحسب وصفها، أمّا الآن فكلما كانت الفتاة متعلمة ومثقفة  وتملك شهادات يزيد ذلك من شروطها لتطمح بالزواج من رجل ينافسها.

وتعتبر سوزان أن الاكتفاء الذاتي يكون على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية، وأن الحياة أصبحت أكثر سهولة   ما جعل الحاجة إلى المرأة أقل أهمية وهناك عدم اكتمال في النضج الفكري والنفسي لدى فئة كبيرة من الشباب وهذا ما يجعل الفتاة تتردد في القبول.

الاختصاصية النفسية صهباء ترى أن الزواج بعمومه في المجتمع السوري مرتبط بالقدرة الاقتصادية والاستطاعة والبلوغ ودرجة التأهيل وبحالة استقرار الشباب، وتعتبر أن هذه الشروط والمقومات آخذة في التلاشي أمام كل شاب، وسببها الأساسي هو الحرب التي قتلت أكثر من نصف مليون شاب، وشردت الملايين، ودمرت مدخرات ما تبقى منهم فتركتهم عرضة للجوع والفقر وانعدام الأمن.

 

تغيير فرض التأخر

يعدّ الزواج برأي صهباء تغييرا لنمط الحياة أو قراراً يأخذه الشخص بمرحلة عمرية تختلف من مجتمع لمجتمع وتتغير ظروف ووقت الزواج من مرحلة تاريخية إلى أخرى.

وفي ظل التغيير الحاصل في العالم عموماً وفي مجتمعنا خصوصا تأخّر سن الزواج سببه العامل الاقتصادي وصعوبة الحياة التي فرضت نفسها على الشباب في أن يضطروا إلى تأخير الزواج أو أحياناً رفضه ككل، بحسب قولها.

وعن تغير مفاهيم الزواج لدى جيل الألفية الحديث تقول صهباء إنّ المفاهيم تغيرت طبعاَ، فبعد أن كان شيئاً ضرورياً وخطوة مهمة لبناء أسرة، أصبح الزواج مسؤولية وعبئا على الفرد المعاصر الذي يميل للتحرر من القيود والمسؤوليات.

وتعتبر أن التغيير الذي وقع على مجتمعنا من حرب وهجرة ونزوح كان أيضاً مؤثراً بشكل كبير في تأخير الزواج، وعدم الاستقرار وغياب الأمان يجعل الشخص يفكر كثيراً قبل أن يقدم على الزواج حتى لا يكون مسؤولا عن أمان واستقرار شريك او شريكة وأطفال لا يضمن لهم حياة كريمة آمنة.

 

حلول مطروحة

اعتبرت الاختصاصية النفسية صهباء أن بعض المظاهر قد يكون حلّها من خلال تفهم سياقها وتقبله فلو فهم الشباب التحديات المرافقة للزواج في الوقت الحالي والمرتبطة به التي تواجهه لتقبلوا فكرة أن تغيير سن الزواج هو تغير طبيعي يتناسب مع التغيرات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي حصلت في العالم  في زمننا هذا، فأصبح على الشاب من الأعباء والمهام ما يجعله يؤخر خطوة مثل الزواج حتى يستطيع تأمين عمل مناسب يضمن له ولأسرته حياة كريمة.

أما الباحثة الاجتماعية حسنا بركات فتقول برغم تغير مفاهيم الزواج لكن هذا الأمر سببه تغيرات نسبية مرتبطة بمفاهيم المجتمع أو البيئة التي ينتمي لها الأشخاص والتي تختلف من بيئة لأخرى ومن حاضنة شعبية لأخرى.

أثّرت الحرب برأي "حسنا" بشكل كبير على مستقبل الشباب فهي زادت الأعباء إذ إن عددا كبيرا منهم فقدوا أقل مقومات الحياة كالسكن والتعليم والعمل المستقر، غير أن التوتر الأمني الذي تتعرض له البلد يعتبر عائقاً كبيرا بوجه الاستقرار والزواج.

نعم اختلاف الثقافات - من وجهة نظر حسنا - زاد الموضوع اضطراباً، أي أن اختيار شريك مناسب من بيئة جديدة ومختلفة جزئيا عن بيئة الشخص قد يؤجل قرار الارتباط.

هجرة أكثر من نصف الشباب نتجت عن عزوف نسبة كبيرة منهم عن الزواج وقسم منهم  كان يفضّل الزواج والاستقرار ببلد المهجر حيث أن معظمهم يعبر عن شعوره بالانتماء لهذا البلد الذي وفر له السكن الآمن والعمل.

 

عزوف الشباب عن الزواج

أما الظروف الاقتصادية فهي العامل الأكبر  لعزوف  كثير من الشباب عن الزواج وبالأخص أن عادات الزواج في المجتمع السوري لم تختلف كثيرا   عما كانت عليه قبل اندلاع الثورة.

من وجهة نظر "بركات" لا يمكن العيش بحياة سلمية دون وجود الواقع السليم فلا بد من تخفيض معدل الهجرة بالأخص هجرة الشباب، لا بد من تكثيف الجهود لتحسين الواقع المعيشي لمعظم الشباب السوريين إذ إن أكثر من 70% من السوريين يعانون من  الفقر المدقع.

وترجح أن  الغالبية منهم تكون من فئة النساء والشباب ويجب إتاحة سوق عمل مناسب للشباب والعمل على التوعية من مخاطر الزواج المبكر وعلى تغيير بعض المفاهيم المتعلقة بالزواج.

وبلغت نسبة العنوسة في سوريا 70%، بحسب صحيفة "البعث" السورية، مع ذلك لا يبدو حالياً أن التأخّر في الزواج عيباً اجتماعياً، كما في السابق، بل ربما أصبح أمراً طبيعياً وموجوداً في جميع المجتمعات، ولكل حالة أسباب خاصة بها وظروف مختلفة عن الأخرى، لا يمكننا القياس عليها أو تعميمها، ليكون خيار الزواج أمراً مؤجلاً أم  مجرد "قسمة ونصيب".