يأخذ الزمن في المخيال السوري المعاصر شكلاً يتجاوز تقسيماته التقليدية، فليست المسألة مساراً خطياً من الأمس إلى الغد، ولكنها أقرب إلى أن تكون منظومة رمزية تُعاد صياغتها كلما تبدّلت شروط العيش. فالمجتمعات التي تعيش تحوّلاً عميقاً لا تتعامل مع الزمن كحقبة تُستبدل بأخرى، وإنما كفضاء معرفي يعاد ترتيب تصوراته وفق ما يطرأ على الوعي الجمعي من تهشّم أو توقٍ أو مراجعة. وفي الحالة السورية اليوم، يبدو الزمن كعلامة مفتوحة، يختلط فيها ما هو تاريخي بما هو وجودي، وما هو واقعي بما هو احتمالي، بحيث يصبح التفكير بالمستقبل جزءاً من التفكير بالذات نفسها، وليس مجرد توقع لأحداث قادمة.
إدراك الزمن كمسار حيّ
ويشير علم الاجتماع الثقافي إلى أن المجتمعات التي تتعرّض لصدوع طويلة تميل إلى إعادة صياغة تعريفها للزمن، ويتحول الحاضر إلى كتلة رخوة تتغير ملامحها كلما أعيد توزيع الأدوار، أو تغيرت أنماط النجاة اليومية. ومن هنا يظهر الزمن الثقافي بوصفه عنصراً فاعلاً في إعادة تشكيل الذاكرة، وتحديد ما يظل عالقاً منها، وما يُعاد تركيبه ليخدم صورة جديدة عن الذات وعن السياق الذي تتحرك فيه.
كما ينطلق فهم الزمن الثقافي من تلك الفكرة التي طوّرها هنري برغسون حين اعتبر الزمن "مدّة" حية تتغلغل في التجربة وتُعيد تشكيل وعينا بالممكن، فالزمن عند برغسون هو تيار مستمر لا ينفصل عن الحياة نفسها، وكل محاولة لقراءته خارج هذه الحيوية تفصل الإنسان عن قدرته على التخيّل والتغيّر. وفي المقابل، يذهب الفيلسوف الأميركي إدوارد كاسي إلى توصيف الزمن بوصفه تجربة تتجسد عبر الذاكرة الحسية، فالمستقبل لا يولد فقط من التخطيط أو التوقع، بل من قدرة الإنسان على إعادة ترتيب حواسه وعلاقته بالمكان.
هاتان المقاربتان تُقدّمان إطاراً يسمح بفهم كيف يمكن لأي مجتمع أن يعيد بناء صورته للغد دون أن يحتاج إلى حدث كبير يعيد ترتيب كل شيء. فالغد يتشكل من الإيقاع الداخلي، من الحركة الخفية التي تصنعها التفاصيل، ومن إعادة وصل الذات بمحيطها عبر خبرة حسية تعيد تنظيم الواقع نفسه.
وعندما ننظر إلى التجربة السورية داخل هذا الإطار، يتضح أن الزمن أصبح نتاجاً لتفاعلهم مع الحياة اليومية، مع اللغة التي يستخدمونها، ومع الأمكنة التي تغيّرت أو ظلت ثابتة. إذ أن الزمن السوري يكون إعادة تنظيم مستمرة للخبرة، وهذا ما يجعل المستقبل مساحة قابلة لإعادة التخيّل بعيداً عن أي سرديات مغلقة.
الحاضر المتحوّل وإمكانات الخيال
يمكن أن تُظهر الحياة اليومية في سوريا، بعد سنوات التحول السياسي والمجتمعي، أن الحاضر لم يعد خطاً واضحاً أو لحظة يمكن تثبيتها. إذ غدا مساحة رخوة يتغير إيقاعها بتغيّر علاقات السلطة، وباختلاف الفرص المحدودة التي تُتاح للناس، وبالتحولات المستمرة في أنماط العيش واللغة والسلوك. هذا الحاضر المتحوّل يدفع الفرد إلى مراجعة موقعه داخل الزمن، إذ يشعر أن اللحظة الراهنة ليست محطة انتقالية قصيرة بل امتداد طويل يفرض عليه إعادة التفكير بمعنى التقدم، وبكيفية استيعاب ما يتغير حوله.
على هذا الأساس، يصبح الزمن الممتد إطاراً يختبر فيه السوريون قدرتهم على إعادة إنتاج حياتهم. وما يجعل هذا الزمن مثقلاً بالتساؤلات هو أن التحولات الكبرى أعادت صياغة العلاقة بين الفرد والحاضر، وجعلته في حالة بحث دائم عن معنى يسمح له بالاستمرار دون أن يتحول الانتظار إلى ركود.
كذلك يقدّم غاستان باشلار منظوراً آخر لفهم الزمن، منظوراً يجعل الخيال مركزياً في تشكيل الوعي بالمستقبل، فالزمن عنده ليس نتيجة منطقية للماضي، لكنه انبثاق من لحظات التأمل ومن "الشرارات الصامتة" التي تولد حين يفكر الإنسان بما يرغب أن يكون عليه. يرى باشلار أن المستقبل يُتخيَّل، وأن التخيل ليس هروباً من الواقع، إنما هو طريقة لفتح مسار جديد داخله.
وإذا نقلنا هذه الرؤية إلى الحالة السورية، نلاحظ أن الخيال هو أداة معرفية تساعد على استعادة القدرة على بناء المعنى، فحين يعيد الأفراد تنظيم خياراتهم التعليمية، أو حين يوسّعون شبكاتهم الاجتماعية، أو حين يبتكرون أشكالاً جديدة للعيش والعمل، فإنهم يفعلون تماماً ما يتحدث عنه باشلار، حيث يعيدون تركيب زمنهم الداخلي كي يتسع لإمكانات جديدة.
في حين يُعرّف عالم الاجتماع تشارلز تايلور "الخيال الاجتماعي" على أنّه القدرة الجماعية على رؤية ما هو ممكن حتى قبل حدوثه، فالمستقبل هنا، نتيجة لصورة يتشاركها الناس عمّا يمكن أن يكونوا عليه. كما تذهب نظريات الثقافة إلى أن الخيال لا يفصل عن الواقع ولكنه يعمل داخله، في تفاصيل الحياة اليومية، في اللغة، وفي أشكال التمثّل.
تشكّل الوعي الزمني السوري
حين ننظر إلى المجتمع السوري من هذه الزاوية، يتضح أن المستقبل يتشكّل على مستويين، الأول هو مستوى معرفي يستند إلى قراءة نقدية للخبرة الماضية، ومحاولة فهم ما تفرضه التحولات على القيم والخيارات والموقع الفردي داخل الجماعة. أما الثاني فهو مستوى عملي يتجسد في اختيار نمط حياة، أو متابعة تعليم، أو تغيير مجال مهني، أو البحث عن معنى جديد للاستمرار.
هذه الحركة المزدوجة (المعرفية والعملية) هي التي تخلق صورة المستقبل، دون حاجة إلى وعود كبرى أو سرديات شمولية.
في دراسات الذاكرة الجمعية يشار إلى أن المجتمعات المتحوّلة، يصبح فيها الماضي طبقة من طبقات الزمن، ويتحوّل الحاضر إلى مساحة لإعادة التفاوض مع هذه الذاكرة، بينما يظهر المستقبل كخط مفتوح لا تحدّه تصوّرات جاهزة.
وعندما نُسقط هذا المنهج على الحالة السورية، يتضح أن الزمن هو إعادة تركيب مستمرة تقوم بها الأفراد والجماعات من خلال أن التجارب الشخصية تعيد تعريف ما يجب أن يُحفظ من الماضي. كذلك فإن العلاقات الاجتماعية تعيد تحديد إيقاع الحاضر، والخيارات الجديدة في التعليم والعمل واللغة تعيد رسم حدود المستقبل.
بهذا المعنى، فإن الزمن السوري هو ثقافي–معرفي بالدرجة الأولى.
كما أن الأدبيات الأنثروبولوجية تُظهر أن كل مجتمع يعيش أكثر من زمن في آن واحد، فهناك زمن سريع يتشكل من تفاصيل العيش، وزمن بطيء يعيد تشكيل الهوية والثقافة، وزمن عميق يقود الإنسان إلى طرح أسئلة المعنى والغاية.
بناء المستقبل الأخلاقي في الوعي السوري
في سوريا، تظهر هذه الإيقاعات الثلاثة بشكل سردي متداخل، فالإيقاع الأول هو الزمن اليومي؛ حيث تتقدم التفاصيل المعيشية وتعيد إنتاج إيقاع خاص للتعامل مع العمل والدراسة والانتقال والمهارات الجديدة. إنه زمن واقعي، لكنه في الوقت نفسه يفتح أبواباً لتخيل الممكن.
أما الإيقاع الثاني وهو الزمن الاجتماعي الثقافي، ويتجسد في التحولات داخل العلاقات، وفي إعادة صياغة مفهوم النجاح، وفي اللغة التي يستخدمها الناس لوصف حياتهم. هذا الزمن أبطأ، لكنه أكثر تأثيراً، لأنه يعيد تعريف ما هو طبيعي وما هو استثنائي.
بينما يتمثل الإيقاع الثالث في زمن المعنى، وهو الذي يقف عند الأسئلة العميقة حول الاستمرار، وحول قدرة الفرد على إعادة بناء ذاته. إنه الزمن الذي يُسائل الهوية، والهدف، والاتجاه، وهو ما يمنح المستقبل قيمته. وهذه الإيقاعات تصنع معاً لوحة زمنية متشابكة، تساعد على فهم المجتمع دون الوقوع في أحكام جاهزة.
وختاماً، لا بد لنا من استحضار ما تقدمه رؤية إيمانويل ليفيناس والتي تربط الزمن بالعلاقة مع الآخر، وليس بالذات وحدها. المستقبل عنده يولد عندما نكتشف مسؤوليتنا تجاه العالم، وحين ندرك أن الواجب الأخلاقي ليس فكرة خارجية، وإنما جزء من صوغ الزمن نفسه.
هذا التصور يمنح المستقبل بُعداً إنسانياً، لأن العلاقة بين الناس هي التي تصنع مسار الزمن.
ومن هذا المنظور، يمكن لنا فهم كيف يمكن للسوريين اليوم إعادة بناء الروابط الاجتماعية على أساس المشاركة، المساندة، تبادل الخبرة، والتعليم التعاوني. هذه الممارسات هي طريقة لإعادة تكوين الزمن الأخلاقي، ذلك الزمن الذي يسمح للفرد بأن يرى الغد كاستمرار للعلاقة مع الآخرين.