تشهد بلدة الزارة في الريف الغربي من حمص حركة عودة متسارعة للأهالي بعد سنوات طويلة من التهجير والحصار والدمار.لكن هذه العودة الكثيفة ما زالت تصطدم بواقع مرير يتمثل في غياب شبه كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية، وهو ما جعل حياة السكان العائدين أشبه بصراع يومي من أجل البقاء.
كما أن منازل الزارة لم تعد كما كانت قبل الحرب. وفق شهادة مدير البلدية مروان المصري لموقع تلفزيون سوريا، وحجم الردم والأنقاض في البلدة ما يزال كبيراً رغم الجهود المبذولة لإزالته بالتعاون مع محافظة حمص، مضيفاً أن "الكثير من العائلات لم تتمكن من العودة بعد بسبب دمار منازلها بالكامل، فيما تحتضن بعض البيوت ثلاث عائلات أو أكثر من الأقارب".
أبو كفاح طنبري، أحد سكان البلدة العائدين، يوضح أن منزله الواقع عند مدخل الزارة تعرض لقصف مباشر بصاروخ أرض – أرض، بالإضافة إلى تدمير أربعة محاضر كبيرة كانت تخصه وتخص عائلته من جراء القصف الجوي. اليوم منزله مدمر بنسبة 70%، وهو يحاول ترميم ما تبقى بجهده الخاص، بعد أن اضطر لبيع عشرة دونمات من أراضيه إضافة إلى شقة يملكها في الحصن لتغطية تكاليف إعادة البناء.
يقول أبو كفاح لموقع تلفزيون سوريا: "أولادي عادوا من لبنان بعد سنوات من الشتات، ولديّ ابن استشهد خلال الثورة.. لم يساعدني أحد من المنظمات الإنسانية، وما زلنا ننتظر الدعم بلا جدوى."
أما وضاح عواد العائد من الشمال السوري فيصف المشهد في الزارة: "لا يوجد منزل سليم في القرية، كلها نصف مهدمة أو على الأرض. سقف بيتي منهار نصفه ولا يوجد جدران، لم أستطع سوى تجهيز غرفة أعيش فيها بعد عودتي من لبنان بسبب غلاء المعيشة هناك والإيجارات المرتفعة".
الكهرباء: أعمدة غائبة ومعاناة يومية
الكهرباء تكاد تكون معدومة في الزارة. مدير البلدية يوضح أن "أطراف البلدة الأربعة تفتقر تماماً لأعمدة الكهرباء، ما أجبر الأهالي على الاعتماد على أنفسهم". وأضاف أن البلدية تنسق مع كهرباء تلكلخ وكهرباء حمص لتركيب أعمدة جديدة ومحولات.
أما الأهالي فقصصهم مع الكهرباء تعكس حجم المأساة. أبو كفاح طنبري يقول: "أقرب عمود كهرباء يبعد عن منزلي 400 متر. بدأت التحضير لتركيب طاقة شمسية لأتمكن من السكن بعد أن أنتهي من الترميم. بعنا أراضينا فقط لنرمم ونؤمن الكهرباء."
باسم عواد يضيف: "لدينا محولة واحدة فقط، وهي نفسها منذ أيام النظام البائد اليوم يعتمد الأهالي على الطاقة الشمسية أو على حلول بدائية، مثل شحن البطاريات عند من تصلهم الكهرباء، وهي معاناة يومية مستمرة."
المياه والصرف الصحي:
شبكات المياه أيضا لا تصل إلى بيوت العائدين. يقول مروان المصري إن البلدية تسعى لتأمين خزان إضافي لمياه الشرب وإعادة تأهيل بعض الشبكات، لكن الواقع الحالي يشير إلى اعتماد الأهالي على حلول فردية.
باسم عواد يؤكد لموقع تلفزيون سوريا أن "القرية كلها تعتمد على بئر واحد فقط، والمياه تصل مرة واحدة في الأسبوع". أما من يريد مياه إضافية فعليه الاعتماد على الصهاريج.
أبو كفاح يحكي تجربته: "كان لدي بئر قديم، نظفته بتكلفة 800 دولار واشتريت له غطاساً جديداً. ومع ذلك نعتمد غالباً على صهاريج المياه، والصهريج الواحد بسعة 15 برميلاً يكلفني 250 ألف ليرة سورية. هذا عبء لا يحتمل خصوصاً مع قدوم الشتاء وعودة الأطفال."
أما وضاح عواد فيقول: "نملأ المياه من عند الجيران أو نشتري الغالونات، لا توجد شبكة تصل إلى بيوتنا."
من جانبهم، يشير الأهالي إلى أن معالجة الصرف الصحي تعتمد غالباً على حلول فردية وشبه بدائية. وضاح عواد يقول: "يضطر بعض الأهالي من العائدين لتدبير أمور الصرف الصحي بالجور الفنية"
المدارس: عودة الطلاب تفوق الطاقة الاستيعابية
قبل الثورة، كانت الزارة مشهورة بالعلم ومعدل الأمية فيها شبه معدوم. اليوم، وبعد التحرير، تواجه مدارسها أزمة خانقة. يقول باسم عواد لموقع تلفزيون سوريا، المدرس والموجّه الإداري في المدرسة الإبتدائية: "قبل سقوط النظام كان لدينا 135 طالباً فقط في المدرسة، أما اليوم بعد التحرير ارتفع العدد إلى أكثر من 800 طالب في المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدرسة واحدة. نحن نعمل بجهود شعبية على ترميم المدرسة الثانوية، وجميع المدارس الأخرى خارج الخدمة".
وعن احتياجات المدرسة في المنطقة يقول عواد إنها بحاجة إلى 70 مقعداً إضافياً، وهو كموجّه إداري لا يملك خزانة أو طاولة للعمل.
ويوضح لموقع تلفزيون سوريا أن الوضع أصعب بالنسبة لطلاب المرحلة الثانوية، إذ يضطرون للتنقل يومياً إلى مدينة تلكلخ لمتابعة دراستهم.
وأضاف: "يكلفني الطالب الواحد نحو عشرة آلاف ليرة سورية يومياً للمواصلات فقط، وهذا يرهقنا كثيراً. هناك أزمة نقل خانقة، وأطفالنا يضطرون للاستيقاظ فجراً، والكثير من الأهالي أخرجوا أبناءهم من المدارس لأنهم لم يتمكنوا من تغطية هذه التكاليف"
الصحة: مستوصف بلا كادر ومشفى بعيد
أما القطاع الصحي في الزارة فهو شبه غائب. مدير البلدية بعترف بأن الوضع "صعب للغاية"، إذ لا يتوفر سوى مستوصف واحد تم ترميمه سابقا.
ويشرح: "المستوصف يفتقر للكادر الطبي ولا يقدم سوى قياس الضغط والسكر ولقاحات الأطفال. لا يوجد أطباء ولا أجهزة ولا حتى أدوية إسعافية. الكادر الموجود يقتصر على قابلة قانونية ومخبرية. عند أي حالة إسعافية نضطر لدفع 100 ألف ليرة سورية لسيارة خاصة لنقل المريض إلى مستشفى تلكلخ، والسرافيس لا توصل إلى المشفى، بل تترك المريض عند مدخل المدينة." وهذا الوضع يترك مئات العائلات بلا رعاية صحية حقيقية، في ظل غياب المنظمات الطبية عن دعم هذا القطاع.
الأنقاض والشوارع: عقبة يومية أمام الأهالي
وما زالت بلدة الزارة تعاني من انتشار كميات كبيرة من الأنقاض والردم التي خلّفتها سنوات الحرب. فعلى الرغم من التعاون القائم بين بلدية الزارة ومحافظة حمص، حيث جرى خلال الأشهر الأربعة الماضية إزالة جزء كبير من الردم، إلا أن الحجم المتبقي كبير وما زال مكدّسا في أطراف البلدة وداخل أحيائها السكنية، الأمر الذي يعيق حركة السكان ويجعل عودة الكثير من العائلات إلى منازلها صعبة أو مؤجلة بحسب مدير البلدية. الذي أوضح لموقع تلفزيون سوريا أن إزالة الأنقاض تأتي ضمن الخدمات الأولية التي تعمل عليها البلدية، مشيراً إلى أن الجهود ما زالت محدودة بسبب الإمكانيات الضعيفة، وأن الأهالي أنفسهم يشاركون أحياناً في رفع الركام من أمام بيوتهم لتسهيل السكن.
أما الشوارع، فما زالت تفتقر إلى التزفيت والصيانة منذ سنوات طويلة، إذ تحولت الطرقات إلى مسالك ترابية مليئة بالحفر والمطبات، تعيق مرور السيارات وتزيد من معاناة التنقل اليومي، وعن إعادة التأهيل أهلت البلدية الطريق الرئيسي الرابط بين الزارة وبلدة الحصرجية – شويهد خلال الفترة الماضية.
اقتصاد مدمّر وأرزاق منهوبة ومخلفات حرب
تعاني الزارة من شلل شبه كامل في مجال العمل والإنتاج، بعد أن كانت قبل الثورة بلدة زراعية نشطة تعتمد على زراعة الزيتون والدواجن والبيوت البلاستيكية يقول مروان المصري إن الحرب دمّرت معظم هذه المقومات، إذ جرى اقتلاع نحو 12 ألف شجرة زيتون وقطع مئات الأشجار الأخرى، إضافة إلى هدم 180 مدجنة وسرقة ما يقارب 1000 بيت بلاستيكي ، فضلاً عن ردم 80 بئر مياه ارتوازي للمزارع تقريبا كانت تشكّل العمود الفقري للزراعة.
أما أبو كفاح طنبري يقول لموقع تلفزيون سوريا، أنه كان يعمل سابقاً في تربية الدواجن، والنظام البائد صادر كل ممتلكاته منذ بداية الثورة، ما دفعه إلى بيع ما تبقى لديه من أراضٍ وممتلكات لتأمين معيشة أسرته. ويوضح أنه اضطر مؤخراً لبيع 10 دونمات من أرضه إضافة إلى شقة في الحصن ليتمكن من ترميم جزء من منزله المدمّر بنسبة 70%.
أما باسم عواد، فيؤكد أن العمل الزراعي في البلدة اليوم يقتصر على زراعة الحنطة والشعير، بعد أن حُرم الأهالي من موردهم الأساسي المتمثل في الزيتون. ويضيف أن مخلفات الحرب ما زالت تشكّل خطراً كبيراً، حيث يعثر الأهالي حتى الآن على قنابل عنقودية غير منفجرة بين الحقول، ما يهدد حياتهم ويعرقل أي محاولة جدية للعودة إلى الزراعة.
إلى جانب ذلك، تحدث الأهالي عن تعرض أراضيهم للنهب والسرقة على يد الميليشيات التابعة للنظام البائد خلال سنوات الحرب، حيث جرى الاستيلاء على مزارع وأراضٍ خاصة، إما عبر القوة المباشرة أو بوضع اليد بحجة أن أصحابها "مطلوبون". هذه الممارسات أدت إلى حرمان مئات العائلات من مصدر رزقها، وأجبرت كثيرين على النزوح والعمل بأعمال هامشية أو بيع ممتلكاتهم لتأمين معيشتهم.
اليوم، يحاول بعض الشباب العودة إلى الزراعة عبر البيوت البلاستيكية وإعادة تأهيل بعض الآبار، لكن ضعف الإمكانيات وغياب الدعم يجعل المحاولات فردية ومحدودة، في وقتٍ يطالب فيه الأهالي المنظمات الإنسانية ببرامج حقيقية لدعم سبل العيش أوتوفير قروض صغيرة تساعدهم على النهوض مجدداً.
الأمنيات: بين ركام الدمار وحنين الحياة
رغم كل ما تعانيه الزارة من حرمان وانعدام مقومات العيش، فإن الأهالي، الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا، لا يكفون عن التمسك بأمل العودة إلى حياة طبيعية. وبينهم وضاح عواد الذي يتمنى فقط أن يرى سقفاً آمناً فوق أطفاله وأن يتلقى أبناؤه التعليم، ويقول: "لا نطلب الكثير، فقط مأوى نستقر فيه." أما أبو كفاح طنبري فيحلم أن تحيا الأجيال الجديدة حياة مختلفة بعد سقوط النظام ونيل الحرية، حياة بلا حرب، بلا تهجير، بلا حرمان.






