الرواية الكاملة لعمليات خطف وذبح رعاة الغنم شرقي سوريا

تاريخ النشر: 01.09.2020 | 07:08 دمشق

آخر تحديث: 12.02.2021 | 23:30 دمشق

إسطنبول - تيم الحاج

"أطلقوا عدة رصاصات على رأس راعي الغنم. كانوا  يستطيعون سرقة غنمه دون قتله، كما مثلوا بجثث الذين حاولوا تخليص قطيع الغنم منهم. يتحصنون بغرف بين التلال المطلة على القرية. وزرعوا ألغاماً في مناطق متفرقة حتى يصعب الوصول إليهم. لديهم أسلحة ثقيلة وعربات عسكرية، ليسوا داعش".

هذا هو الوصف "الدقيق" للذين هاجموا قرية المسرب بريف دير الزور الغربي، في 27 من آب الجاري، كما جاء على لسان شاهد عيان على الحادثة، لــ موقع تلفزيون سوريا.

اقرأ أيضاً: مقتل ثمانية عناصر من "الدفاع الوطني" بدير الزور 

منذ مطلع العام الجاري، زادت عمليات العثور على رعاة غنم مذبوحين بطرق بشعة في المنطقة الشرقية من سوريا، وخاصة في دير الزور والرقة، ومع كل حادثة تعج مواقع التواصل الاجتماعي بسيل من الاتهامات لطرفين أساسيين، الأول تنظيم "الدولة" والثاني الميليشيات الإيرانية وعناصر قوات نظام الأسد، لكن دون دليل دامغ يثبت تورط إحدى الجهتين.

موقع تلفزيون سوريا بحث في هذه الظاهرة التي باتت تؤرق سكان تلك المنطقة، وحصل على تفاصيل من شهود عيان، إضافة إلى أنه تحقق من مواقع انتشار كلا الجهتين المتهمتين، حيث تبين أن الميليشيات الإيرانية لها اليد الطولى في المنطقة، حتى إنها دخلت في سجالات عديدة مع عناصر النظام من أبناء المنطقة بسبب تعدياتها على المدنييين، إلى جانب أنها تستفيد من شماعة محاربة تنظيم "الدولة" لتمارس نفوذها وتمددها في المنطقة.

حادثة قرية المسرب تمثل كلمة السر في اتهام الميليشيات الإيرانية

مثلت حادثة قتل مدنيين يعملون في رعي الغنم وسقاية المحاصيل في قرية المسرب قبل أيام، نقطة الفصل في تأكيد ضلوع الميليشيات الإيرانية بجرائم ذبح وسرقة الغنم من قبل المدنيين على امتداد المنطقة الشرقية في سوريا.

موقع تلفزيون سوريا، حصل على تسجيل صوتي من أحد الشهود على الحادثة، روى بالتفصيل ماجرى، قائلاً إن مجموعة مسلحة نفذت هجوماً على راع للغنم في أطراف قرية المسرب بغرض سرقة ما لديه، وبعد قتل صاحب الغنم بعدة طلقات في رأسه تمكن ابن الضحية من الهروب ليستنفر أهالي القرية الذين خرجوا بأسلحتهم إلى مكان الحادثة.

الشاهد يضيف أن مجموعة من ميليشيا "الدفاع الوطني" التحقت بسكان القرية وعند التجمع تعرضوا لإطلاق نار من أسلحة ثقيلة (رشاش عيار 23) من تلال عالية مطلة على القرية، ليقع عدد منهم  بين قتيل ومصاب (الحصيلة تتحدث عن 9 قتلى وعدد آخر من المفقودين إضافة إلى قتل القطيع المسروق بالرصاص).

118519516_172816914447558_2275178250348073944_o_0.jpg
مقتل قائد ميليشيا "الدفاع الوطني" في ريف دير الزور الغربي على يد مسلحين حاولوا سرقة قطيع من الغنم

ومن ثم قرر قائد ميليشيا "الدفاع الوطني" بالقرية والريف الغربي لدير الزور المدعو نزار الخرفان الوصول إلى مكان إطلاق النار، حيث قُتل هناك وأصيب شخص آخر، وهذا الأخير لم تكن إصابته مميتة إلا أن المهاجمين مروا فوقه بسياراتهم، كما اختفت مجموعة من أهالي القرية و"الدفاع الوطني" في البادية المزروعة بالألغام، وفق الشاهد.

مصدر آخر من القرية حضر عملية دفن القتلى الذين تم العثور عليهم في اليوم التالي للحادثة في بادية المسرب، قال إن هناك جثثاً تم التمثيل بها، مشيراً إلى تقطيع أصبع السبابة.

من أين جاء المهاجمون إلى قرية المسرب؟

شرح أحد الناجين من الحادثة لموقع تلفزيون سوريا، كيفية حدوث الهجوم الذي استمر ليومين في بادية المسرب، بعد أن خرجت قوة من ميليشيا "الدفاع الوطني" قادمة من مدينة دير الزور بقيادة فراس العراقية، نحو بادية المسرب وتعرضهم لكمائن وإطلاق نار من أماكن متفرقة.

المصدر يقول إن القرية تقع ضمن ما يشبه الوادي الذي تطل عليه تلال بجانبها بادية منبسطة وممتدة، ويجزم الشاهد أن المهاجمين هم ميليشيا "فاطميون" الأفغانية التي توعدت في أكثر من مناسبة هي وميليشيات إيرانية أخرى بإخراج المدنيين من هذه المناطق.

ووفق الشاهد فإن المهاجمين ليسوا من تنظيم "الدولة" الذي لا يمتلك أي وجود في هذه المنطقة، وعزز رأيه بالقول إن "فاطميون" لديهم تحصينات ومراكز عديدة في البادية القريبة على المسرب، وبمناطق مختلفة من ريف دير الزور الغربي الخاضع لسيطرة نظام الأسد.

الشاهد لفت إلى أن "الدفاع الوطني" وأهالي قرية المسرب طالبوا بإرسال طائرة هلكوبتر لكشف المنطقة من السماء ولمعرفة أماكن وجود المهاجمين إلا أن قوات النظام لم ترد على طلبهم، ما يعزز الطرح القائل إن ميليشيا إيرانية هي من تقف وراء الحادثة وإن النظام يتكتم، مضيفاً أن شبكة الإنترنت قُطعت عن المنطقة لمدة يومين متواصلين.

في سياق متصل، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع شخص يعمل مع ميليشيا "الدفاع الوطني" في ريف دير الزور الغربي، وأكد المصدر أن قرى (عياش والشميطية والحسينية) التي تقع على طريق المسرب والتي تسمى "خط البوسرايا" تشهد وجوداً كبيراً للميليشيات الإيرانية، منذ نهاية عام 2017.

وبالعودة إلى ميليشيا "فاطميون" قال المصدر من "الدفاع الوطني" إن البادية المطلة على قرية المسرب بحوزة هذه الميليشيا، وصولاً إلى منطقة معدان في ريف الرقة، وهذه الأخيرة شهدت خلال الأشهر الماضية عدة عمليات خطف وقتل لرعاة غنم.

وقال إن منطقة اللواء" 137" التابع للنظام والقريب من هذه البادية يوجد فيه مقر لـ"فاطميون" إضافة إلى امتلاكها مقار ونقاطاً أخرى في معسكر الصاعقة والطلائع ومساكن الضباط على "خط البوسرايا"، مشيراً إلى أن عدد الميليشيا في هذه المنطقة يصل إلى 1000 مقاتل.

من هي ميليشيا "فاطميون"؟

ويعد "لواء فاطميون" أحد أبرز الميليشيات العاملة بإمرة القوات الإيرانية في سوريا، وشارك في معظم المعارك الدائرة ضد فصائل المعارضة في السنوات السابقة، وخسر كثيراً من مقاتليه.

وأُسّس اللواء عام 2013، وجميع مقاتليه من شيعة أفغانستان، وتدربوا في إيران على يد "الحرس الثوري"، وشاركوا في معارك درعا وحلب وحماة وريف حمص.

وخسر قادة عسكريين في المعارك ضد الفصائل، أبرزهم القيادي ومسؤول الاستطلاع في اللواء، محمد حسيني الملقب سلمان، الذي قُتل في منطقة قريبة من معبر التنف الحدودي بين سوريا والعراق في حزيران 2014.

كما قُتل قائد "لواء فاطميون"، محمد جعفر الحسيني، الملقب بـ "أبو زينب"، في كانون الأول 2018، إثر إصابة تعرض لها قبل عامين.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية فرضت، مطلع 2019، عقوبات اقتصادية على كل من ميليشيا "فيلق القدس" الذراع الخارجية لـ"الحرس الثوري" الإيراني، وميليشيا "فاطميون" وميليشيا  "زينبيون" الذين يجندون مقاتلين من أفغانستان وباكستان للقتال في سوريا.

photo_2020-05-12_17-14-45.jpg
احتفالية لميليشيا "فاطميون" في حلب

حوادث أخرى لقتل رعاة جرت بالطريقة نفسها

لم تكن حادثة المسرب هي الأولى ويبدو أنها لن تكون الأخيرة في ظل عدم مقدرة قوات نظام الأسد على ضبط الأمن في مناطقها.

فالنظام يتبنى نظرية أن تنظيم "الدولة" هو من يشن هذه الهجمات، إلا أن التنظيم لم يتبن أياً منها، كما يبدو أن الفاعلين يستغلون حجم الاتهامات التي تسند للتنظيم منذ ظهوره في سوريا، ويتخفون بجريمتهم وراء ظهره.

ولم يمض يومان على حادثة المسرب حتى عثر أهالي منطقة إذاعة الحجيف القريبة على المسرب (نحو 15 كم) على خمس جثث لمدنيين مقتولين ذبحاً بالسكاكين.

وقالت مصادر محلية لموقع تلفزيون سوريا إن مكان العثور على الجثث يبعد 400 متر من مقر تابع للميليشيات الإيرانية غربي دير الزور.

وأكدت المصادر أن رعاة الأغنام أبلغوا قوات نظام الأسد فور عثورهم على الجثث لتستقدم قوات النظام سيارات إسعاف إلى موقع المجزرة وتنقل الجثث إلى مستشفى قريب من المنطقة.

وسبق هذه الحادثة خلال الشهر الماضي، عملية خطف مجموعة من الفلاحين مع جرار زراعي من قرية الشميطية، وإلى الآن لم يتم العثور عليهم.

ولعل ذروة هذه الحوادث كانت في الشهر الأول من العام الجاري، حيث شهد أكبر عملية قتل لرعاة غنم في كل من دير الزور والرقة، وشهدت منطقة معدان التي تشترك باديتها مع بادية ريف دير الزور الغربي، مقتل 21 شخصاً يعملون برعي الغنم.

وبحسب معلومات حصلت عليها موقع تلفزيون سوريا، من مصادر من سكان معدان بريف الرقة الجنوبي، فإن المدينة وباديتها لا يوجد فيها سوى حواجز عسكرية تقف فيها قوات النظام، وتوضح المعلومات ذاتها أن لا وجود لافتاً وعلنياً للميليشيات الإيرانية في المنطقة، كما أنه لم يسجل أي نشاط لخلايا التنظيم أيضاً في الأماكن التي تشهد عمليات إعدام لرعاة الغنم.

وتبع هذه الحادثة، العثور على جثث سبعة مدنيين، يعملون برعي الغنم، أُعدموا ميدانياً، في قرية عياش بريف دير الزور التي يسيطر عليها النظام والميليشيات الإيرانية.
 

68407271_2656453797699188_7152602071038951424_n (1)_0.jpg
العثور على رعاة غنم مقتولين في بادية معدان- كانون الثاني 2020

أين ينشط تنظيم "الدولة" في المنطقة الشرقية

يتبنى تنظيم "الدولة" بشكل مستمر عمليات استهداف قوات نظام الأسد و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في كل من دير الزور والرقة.

ووفق طريقة نشاطه التي رصدها موقع تلفزيون سوريا، خلال الثمانية أشهر الماضية، لم يتبن التنظيم أي عملية إعدام لرعاة غنم في الرقة ودير الزور، لكنه بدأ قبل نحو شهرين،  وفق مصدر من ريف دير الزور، بفرض "الزكاة" على بعض الأشخاص في ريف دير الزور والرقة. وقد قام بقتل عدد من العاملين المدنيين المقربين من النظام و"قسد".

وبحسب خريطة السيطرة الميدانية في سوريا، فإن التنظيم يتحصن في جيب يمتد بين محافظتي حمص ودير الزور، من أطراف منطقة السخنة حتى حدود مدينتي البوكمال والميادين في دير الزور.

ويتخذ من تلك المناطق جيوباً صغيرة ومتفرقة، وتتركز عملياته على شكل هجمات سريعة وخاطفة ضد قوات الأسد على امتداد البادية السورية.

ffff_0.PNG
أماكن يوجد فيها تنظيم "الدولة" في البادية السورية