الرواية السورية في مصر

الرواية السورية في مصر

الصورة
14 أيار 2019

هوشنك أوسي

شاعر وكاتب وصحافي كردي سوري

فوائد وعوائد مشاركتي في ملتقى الرواية الدولي السابع في القاهرة في 20 نيسان الماضي، من حيث التفاعل وحجم اللقاءات والتواصل مع أصدقاء قدامى وخلق صداقات جديدة، تجاوزت بكثير فوائد زيارتي لمصر ومشاركتي في معرض الكتاب في شباط 2019.

في ملتقى الرواية، كان لي شرف التعرّف على كثير من النقّاد والروائيين العرب، ومن ضمنهم الروائيان السوريان؛ نبيل سليمان، خليل النعيمي، والناقدة د. رشا ناصر. كذلك تجدد اللقاء بالصديق العزيز الروائي خالد خليفة، والروائي السوري خليل صويلح. ورغم حضور ومشاركة الروائية لينا هويان الحسن، إلاّ أنه لم يجرِ أي تواصل أو حديث بيننا، ربما بسبب كثرة المشاغل وزحمة اللقاءات والحوارات.

لا أنصح بالكتابة المتأخّرة للرواية. فليست كل الكتّابات الروائيّة المتأخّرة، عالية الجودةِ والمذاق والمتعة، وحصيلة جهد وتراكم. ولا أنصح بالكتابة المبكّرة لها

حاولت، قدر استطاعتي، التواصل والحديث مع أبناء بلدي، وكنت المبادر إلى ذلك، إلى جانب تواصلي وانفتاحي على أكبر عدد ممكن من الروائيين والروائيات، النقّاد والناقدات، المشاركين في الملتقى. وربما لأن هذا الملتقى كان فرصة مهمّة بالنسبة لي، وهو كان كذلك حقّاً، لذا كان يهمّني أكثر التواصل مع السوريين، بخاصّة أنني أعرف بعضهم وقرأت لهم.

وناهيكم عن رغبتي في التأكيد على أنه بالرغم من اختلاف الميول والأمزجة والأفكار والمواقف والتجارب وطرائق الكتابة، إلاّ أننا أبناء صنعة أو حرفة واحدة؛ هي كار الكتابة، بخاصّة منها الأدبيّة، ويمكننا أن نلتقي ونتحاور ونتبادل الأفكار.

كانت لي شهادة حول تجربتي المتواضعة في حقول الكتابة، بخاصّة الرواية. هذه الشهادة عبارة عن مجموعة أفكار تناولت فيها مفهومي وتصوّري لفن الرواية والكتابة الروائيّة. وسبق أن نشرت هذه الأفكار عبر مقالات سابقة، وعلى صفحتي في الفيسبوك.

هذه الشهادة نُشِرَت في كتاب صدر عن الملتقى؛ ضمّ خلاصات البحوث والدراسات النقديّة بالإضافة إلى الشهادات الإبداعيّة للمشاركين والمشاركات في الملتقى. وأثناء الجلسة التي أدارها الروائي الفلسطيني الصديق العزيز والقدير الأستاذ يحيى يخلف، وشاركني فيها؛ أمل خليفة، بهاء عبدالمجيد، خالد خليفة، خليل الجيزاوي، مبارك ربيع، لم أُعِدْ قراءة تلك الشهادة المنشورة في الكتاب، واعتبرتُ ذلك تكراراً لا لزم له.

وارتجلت مداخلةً محاولاً إضافة أشياء أخرى إلى تلك الشهادة التي أرفقها أدنى هذه الأسطر. وبحسب الترتيب الهجائي للأسماء، كنت آخر المتكلّمين. وبدأت حديثي بالإشارة إلى تجربة كاتب آخر، وقلت"إن لم تخنّي الذاكرة، كان ذلك سنة 2001، حين حضرتُ له ندوة نقديّة حول روايته (دفاتر القرباط) في المركز الثقافي الروسي في دمشق، وكنتُ وقتها على مقاعد الجمهور. والتقيتُ به سنة 2011 في بروكسل، في ندوة حواريّة حول إعلان الترجمة الفرنسيّة لروايته "مديح الكراهية"، وكنتُ وقتها أيضاً على مقاعد الجمهور، و"الآن، في نيسان 2019 يشرّفني ومن دواعي سروري واعتزازي أن أكون معه ومع بقيّة الأصدقاء هنا، على هذه المنصّة التي تجمعنا. إنه الروائي السوري، الصديق العزيز، خالد خليفة".

ثم تحدّثت عن علاقتي بالكتابة والبدايات. وأشرت إلى أنني لست الكردي الوحيد الذي يكتب بالعربيّة أدباً، وثمّة أسماء معروفة ومهمّة، للأسف يجهلها النقد والإعلام العربيين. وأن النقّاد العرب، للأسف، لا يعرفون من الأدب الكردي سوى شيركو بيكس وسليم بركات. في حين هناك؛ هيثم حسين، جان دوست، حليم يوسف، شرين الخطيب، مروان علي، وكثير من الشعراء والشاعرات، منهم من يكتب باللغتين العربيّة والكرديّة، ومنهم من يكتب بالعربيّة فقط.

وتحدّثت عن أمور وأشياء ذاتيّة دفعتني وحفّزتني على الكتابة. ومن الأفكار العامّة التي تخللت ما هو ذاتي وشخصي في مداخلتي المرتجلة، إشارتي إلى أن النقد والإعلام في العالم العربي يهتمّ بأدب أمريكا الشماليّة وأمريكا اللاتينيّة والأدب الفرنسي والإنكليزي والألماني...، المترجم إلى الإنكليزيّة، بينما هناك أدب كردي عظيم وعريق بين ظهراني العرب، مكتوب باللغة الكرديّة والعربيّة أيضاً، لا يعرف عنه العرب شيء! وبل لا يحاولون التوجّه نحوه بداعي التعرّف والاكتشاف! وهذا أمر مؤسف، ومعيب ومثير للعتب والخذلان أيضاً.

ولهذا السبب، قبل أيّام، طرحت على صديقة مصريّة، تحضّر لدراسة الدكتوراه، أن تتناول أطروحتها الأدب الكردي المكتوب بالعربيّة، الرواية نموذجاً. ذلك أن الكرد كتبوا الشعر والرواية والقصة والنقد والبحث والفقه... باللغة العربيّة. وغالبُ الظنّ أنه لهذا الأدب سماته وخصائصه، وإضافاته وتأثُّره وتأثيرهُ. والحقّ أن الأدب الكردي المكتوب بالعربيّة أو التركيّة او الفارسيّة...، يتعرّض للظلم والغبن والإجحاف على ضفّتين؛ ضفّة الكرد الذين يرفضون تنسيب هذا الأدب للمكتبة الكرديّة، وضفّة العرب والترك والفرس الذين يتجاهلون جهد وإبداع الكرد الذين يكتبون بلغات جيرانهم وشركائهم في التاريخ والجغرافيا والحضارة والهمّ الانساني.

 

الرواية: فنُّ الأنا ومحاولة تصفية حساب مع الحياة والموت

لا أنصح بالكتابة المتأخّرة للرواية. فليست كل الكتّابات الروائيّة المتأخّرة، عالية الجودةِ والمذاق والمتعة، وحصيلة جهد وتراكم. ولا أنصح بالكتابة المبكّرة لها، إذ ليست كل المحاولات المبكّرة لكتابة الرواية كمحاولات كافكا ومن على شاكلته. وأصلاً، لا أحبّ النصح والوعظ والإرشاد في ما يخصّ الكتابة عموماً. فالناس أحرارٌ في ما تكتبه، وكيف ومتى ولماذا تكتب؟... ونحن أحرارٌ، في ما نقرأهُ، وكيف؟ ومتى؟ ولماذا؟ ولمَن نقرأ؟

بالنسبة لي، يفترض بالرواية، أن تكون مشككة بالرواية الرسمية للأحداث والتاريخ، في مسعى خلخلة وقلقلة ما بات من اليقينيات والرواسخ في أذهان الناس ومناهج التربية والتعليم؛ على الصعيد التاريخي، اجتماعيّاً وسياسيّاً وعقائديّاً. الرواية هي فنّ الأنا، في إطار محاولة إحاطتها بالكلّ وتفاصيله، عبر ما هو واقعي و"متخيّل - واقعي"، و"متخيّل غير واقعي" إن جاز التعبير.

الرواية هي فنّ الأنا، في محاولة استنهاض المجتمع وإطلاعه على قبائحه. وهي فنّ نقد الأنا والآخر. وهي محاولة تصفية حساب مع الحياة والموت. لذا، ليس من الغرابة وصف الرواية بأنها من صنف المراجعات النقديّة للذات والمجتمع والتاريخ، بمستويات مختلفة، وفي سياقات ينبغي أن تكون مختلفة، ومبتكرة، تنزع نحو التجديد والتجريب المستند إلى أرضيّة معرفيّة متينة، وخيال خصيب، وموهبة جسورة ولئيمة.

ولأن النصّ المقدّس "حمّال أوجه"، على الرواية أيضاً أن تكون هكذا؛ حمّالة أوجه، تثير الالتباس، وتُشكِل على الناقد - القارئ، والقارئ - الناقد، بحيث يجد أحدهم أنها رواية تاريخيّة، وهي ليست بتاريخيّة، أو أن يجدها بوليسيّة، وهي ليست كذلك. أو أن يجدها رواية فلسفيّة - معرفيّة، وهي ليست هذا أيضاً. أو أن يجدها رواية خيال علمي، أو رواية واقعيّة، أو موغلة في الخيال والفانتازيا...، ولكنها ليست هذه أو تلك... بل هي حاصل جمع كل هذه الأصناف. أو أن ينظر إليها القارئ، كيفما شاء، طبقاً لمنطقه في القراءة والاستدلال والاستنتاج.

يضعُ الروائي خرائطاً لحيواتٍ افتراضيّة موازية لحيواتٍ حقيقيّة، ويمحو خطوط التماس والتداخل بين هذه الحيوات، في مسعى زيادة مساحة الاشتباك والاشتباه، دافناً كنزاً في نصّه الروائي، داعياً العابرين والعابرات إلى البحث عن هذا الكنز، في لعبة القفز المستمرّ بين الافتراضي والمتخيّل، وبين المجازي والحقيقي. وعليه في السرد ثمّة ملاحقات، مكاسرات، مهادنات، مقامرات، ورهانات كبرى ورهانات صغرى، ومجازفات كبرى وصغرى، يقترفها الروائي، كتمرينٍ على مُنازلةِ الحياةِ والموت.

الرواية هي فنّ الأنا، في محاولة استنهاض المجتمع وإطلاعه على قبائحه. وهي فنّ نقد الأنا والآخر. وهي محاولة تصفية حساب مع الحياة والموت

ثمة مقولة تقليديّة، مكررة ومطروقة، تصف الرواية بأنها "مرآة الحياة، وعوالم الرواية هي نفسها عوالم الحياة". لكن الحياة تجدد نفسها بتجديد أسئلتها وأخيلتها، ومن المفترض أن تجدد المرايا أيضاً نفسها. وخيرُ المرايا - الروايات، باعتقادي، ليست تلك التي تجذبنا للنظر عبرها إلى الحياة، بل تلك التي تجذبنا إلى جوفها، وتلقي بنا في عوالم أخرى، افتراضيّة، ربما تكون هي العوالم الحقيقيّة، والحياة هو الواقع الافتراضي الذي نعيشه أو عشناه، طبقاً للمقولة المنسوبة لعليّ بن أبي طالب؛ "الناس نيام، إنْ ماتوا انتبهوا". على أن الحياة وهمٌ، وما نكتبه أو نقرأه عنها شعراً ورواية، هي الحقيقة.

في الرواية يمارس الكاتب دور وسلطة الآلهة التي تحدد المصائر والمشيئات والأقدار والمصادفات، وتخلق الأحداث، وتخيّر وتسيّر الأبطال، وتضع بعضهم في نعيم وآخرين في جحيهم. وعليه، في الرواية يمتلك الروائي "ولاية تكوينيّة" بحيث يكون وصيّاً ووليّاً أيضاً على حيوات وعوالم أبطاله، يستنطقهم ويقوّلهم ما يريد، يتحكّم بخيالهم وأفكارهم، ويحييهم ويميتهم. ومهما تحدّث الروائي عن منحهِ أبطالهُ مساحة من الحريّة، وفي منأى عن تحديد مصائرهم وبصائرهم، إلاّ أنه يبقى دائماً الوصيّ والوليّ عليهم والمتحكّم بهم. وإنْ دلَّ على شيء، إنما يدلُّ على النزوع نحو السلطة، والتسلّط وامتلاك سلطان الحاكم الآمر الناهي، المُخيّر، المُسيّر...! وإذا لم يجنح الروائي إلى كتابة الرواية، لربما حوّلته شهوة السلطة إلى طاغية. وبالتالي، الرواية من جهة، تزيد من عدد الحكّام والطغاة الافتراضيين، ومن جانبٍ آخر، تقلل عدد الحكّام الطغاة الحقيقيين. بعبارةٍ أخرى؛ في هذا العالم، لو لم ينحُ المرء نحو الإبداع، أدبيّاً؛ شعراً ونثراً، أو موسيقيّاً، تشكيليّاً، سينمائيّاً...، لربما تحوَّل المرءُ إلى مجرم.

بالنسبة لي، يمكن توظيف لغة الشعر في السرد. وخيرُ السرود؛ المشوبة بالالتباس، التي تكتنفها نفحات الشعر. ولكن، لا يمكن توظيف السرد في كتابة الشعر. فالأوّل يحتمل الثاني. في حين أن السرد يفسد الشعر. ذلك أن الشعر كالخمر، كلما كسرته بماء السرد، يقلّ تأثير الشعر، ووهجه وطعمه ومذاقه ولذّته. كذلك الشعر كالعطر، كلما كسرته بالكحول، يخفُّ تأثيره وانتشاره وديمومته. ومقام الشعر من السرد، كمنزلة الخمر من الماء، والعطر من الكحول. وعليه، الشعرُ إن أضفته إلى السرد، أغنيته وأثيرته وخصّبته. ولكن إن أكثرتَ من إضافة السرد للشعر، أتلفت الأخير وأفسدته.

 

شارك برأيك