الرواية الإيطالية " كلهم... ما عداي": إدانة بلا حدود

الرواية الإيطالية " كلهم... ما عداي": إدانة بلا حدود

الصورة
مهاجرون أثناء عملية إنقاذ قبالة الساحل الليبي في البحر الأبيض المتوسط ( ا ف ب)
08 تموز 2018

محمد أمير ناشر النعم

باحث سوري مقيم في ألمانيا.

يعرف القارئ الأوروبي عامةً، والإيطالي خاصةً الروائية الإيطالية المبدعة، وكاتبة السيناريو، ومخرجة الأفلام الوثائقية فرانسيسكا ميلاندري معرفةً وثيقة من خلال روايتها "إيفا تنام" التي حققت فور صدورها في عام 2010 أعلى نسبة مبيعات في تاريخ الرواية الإيطالية، إضافة إلى روايتها المهمة الملهمة التي احتفى بها النقاد الإيطاليون وعدّوها تحفة فنية "فوق مستوى البحر". ومن خلال حصولها المتكرر على أرفع الجوائز الأدبية في إيطاليا، واليوم تُفاجئنا برواية جديدة ضخمة نافت على ستمئة صفحة، عنوانها: (كلُّهم... ما عداي) (*).

روايةٌ تذكرنا مباشرة بالروايات الكلاسيكية الخالدة التي تحدثنا عن تاريخ عائلة معينة كـ: "آل بودنبروك" لتوماس مان، أو"الدون الهادئ" لميخائيل شولوخوف، أو"الصخب والعنف" لوليم فوكنر، أو"جودت بك وأولاده" لأورهان باموق، ولكنها تتميز من هذه الروايات جميعاً في أنها تجدل الإثارة السياسية مع رحلة استقصاء تاريخ العائلة، فترتقي بهذه الإثارة إلى حدها الأعلى، إلى درجة الصدمة، وتضفر المتخيل بالواقعي، الواقعي الأشد غرابة إلى درجة عدم تصديقه، وتوائم بمهارة قصص الحرب وقصص العائلة، فتبدو روايةً وكتابَ تاريخ حي في الآن ذاته.

تبدأ الرواية من اللحظة الراهنة. لحظة انكشاف سر العائلة المكتوم!

هل تعرف والدك حقاً؟

هل تعرف ماضيه؟

كان جواب الابنة (إلاريا) حتى بلوغها سن الأربعين: نعم. تعرفه، وتعرف جميع أقاربها! فوالدها (أتيليو). حزبي مناضل في الحرب العالمية الثانية. كان ناجحاً في عمله، واستفاد الجميع منه، واشترى لـها شقة على Esquiline في روما. طلّق زوجته (ماريلا)، لأنها كانت دائمة النكد، وتزوج سكرتيرته.

كان يبدو كل شيء طبيعياً، إلى أن تتفاجأ المدرِّسة اليسارية الأخلاقية إلاريا يوماً بشاب إفريقي فارع القامة ينتظرها على الدرج أمام باب شقتها ليقول لها: "إذا كان أتيليو بروفيتي والدك فأنت عمتي"، ويخرج لها جواز سفره، فتقرأ اسمه: (شميتا ليتميغتا أتيلا بروفيتي). إنه، بحسب ما هو مكتوب، حفيد والدها! ولكن للأسف! لا يمكن مساءلة الأب المولود في 1915، فهو الآن مُدرج في غياهب الخرف.

من هنا تبدأ رحلة اكتشاف إلاريا، تاريخ عائلتها على مدى ثلاثة أجيال.

تتفاجأ المدرِّسة اليسارية الأخلاقية إلاريا يوماً بشاب إفريقي فارع القامة ينتظرها على الدرج أمام باب شقتها ليقول لها: "إذا كان أتيليو بروفيتي والدك فأنت عمتي"

تعرض الرواية لمسارين متعاكسين بينهما فترة زمنية تقارب القرن. مسار (اللجوء) اليوم، ومسار (الاستعمار) بالأمس. مسار رحلة (الحفيد) الذي ظهر فجأة، بدءاً من إثيوبيا، ثم مروراً بالصحراء، ثم المكث في المخيم في ليبيا، ثم الإبحار في البحر المتوسط، وصولاً إلى لامبيدوسا، وأخيراً إلى روما. مسار يغصّ بالخوف والانكسار، ويفهق بالمتاعب والمصاعب، ويعاين سالكه الموت لحظة بلحظة! يقابله مسار معكوس. مسار رحلة الوالد أتيليو بروفينتي الذي تجنّد في عام 1935، وعمره بالكاد عشرون عاماً في رحلة الاستعمار نحو إثيوبيا، مسار ملؤه الغطرسة والزهو والخيلاء والاشتهاء.

في رحلة بحث البطلة عن تاريخ والدها تدرك كم كانت مخدوعة برجل المبادئ! فقد تبيّن لها أنه كان فاشياً مقتنعاً بالفاشية، وأنه أنجب ابناً في إثيوبيا، على ألحان أغنية (فاسيتا نيرا) بإيحاءاتها الجنسية، المستوحاة من فتاة إثيوبية جميلة. هذه الأغنية التي حظيت بشعبية كبيرة في إيطاليا، وتسببت في حماسة وطنية. وفي هذه الأثناء بدأ النظام الفاشي في مايو عام 1936 بإصدار عدة قوانين تحظر التعايش والزواج بين الإيطاليين والشعوب الأصلية للإمبراطورية الاستعمارية، وبلغت هذه القوانين العرقية ذروتها في العام 1938، إلى درجة حظر هذه الأغنية بالذات، وإزالة كل البطاقات البريدية التي تصور النساء الحبشيات! ولذلك تخلى والد إلاريا عن ابنه، ولم يعترف به.

في رحلة بحث البطلة عن تاريخ والدها تدرك كم كانت مخدوعة برجل المبادئ! فقد تبيّن لها أنه كان فاشياً مقتنعاً بالفاشية، وأنه أنجب ابناً في إثيوبيا، على ألحان أغنية (فاسيتا نيرا) بإيحاءاتها الجنسية

وههنا تلعب الروائية بمهارة فائقة في مستويات مختلفة من الزمن، فتنتقل بنا من زمن موسوليني إلى زمن بارلسكوني في العام 2010، وبالضبط إلى الأيام الأربعة التي استقبل فيها بارلسكوني معمر القذافي، وقبّل يده على الملأ، فجعل روما كلها في حالة من الاضطراب! وتتناول الرواية حفلات الـ (بونغا بونغا)، والتي يُقال: إن برلسكوني تعلمها من القذافي نفسه، وهي نوع من حفلات العربدة التي تتعرى فيها الشابات الفاتنات، ويحطن بالضيف وأصدقائه في حمام السباحة، وتشير الرواية إلى قصة (سارقة القلوب) المشهورة باسم (روبي)! الفتاة المغربية القاصر كريمة المحروق التي لم تتجاوز سبعة عشر عاماً حين كانت تحضر تلك الحفلات، وتقص لنا كيف أن رئيس الوزراء شخصياً تدخّل لدى قسم الشرطة عندما احتُجزت بالمصادفة، وتبيّن أنها بدون أوراق إقامة، فادعى أنها حفيدة رئيس مصر حسني مبارك، وأخرجها من المخفر.

وفي 21 من كانون الأول 2010 يحقق مكتب المدعي العام في ميلانو مع برلسكوني بتهمة الترويج لدعارة القاصرين، وإساءة استخدام المنصب، وتكتب الصحافة: إنّ الحقائق التي كشفت عنها تحقيقات الشرطة تتراوح ما بين (القذر) و(المرعب)!

خلال هذا التتبع في التاريخ المعاصر المتهتك تنتقل بنا الكاتبة إلى الماضي الاستعماري المظلم، حيث تمّت التعبئة العامة للغزو الاستعماري بوصفه تنظيم رحلة شبق جنسية؟ ألم يكن لموسوليني نفسه ممثلات يصورن وجوه النساء الإثيوبيات قبل سبعين سنة من تطبيق (You Porn)؟ وتتعمق الكاتبة بنا أكثر، فنقرأ أسماء مجرمي الحرب، ورموز الجريمة الحربية: رودولفو غراتسياني، غاز الخردل، التسبب بالأوبئة والجذام، وافتعالها وتصنيعها، وكيف دمرّ نائب موسوليني نصف إثيوبيا. لقد كان الانتقال بين هذين الزمنين من أجل الكشف عن الهياكل الراسخة غير المنظورة للفاشية في إيطاليا، بدءاً من موسوليني، وانتهاء بسالفيني.

تنتقل بنا الرواية، مرة أخرى إلى اللحظة الراهنة، إذ يُرفض طلب لجوء ابن الأخ رسمياً، وينتهي به الأمر في مركز الاحتجاز والترحيل، فتلجأ إلاريا إلى حبيب طفولتها بيرو النائب البرلماني في حزب برلسكوني (شعب الحرية)، وتذهب معه إلى السرير، بسرية.

تنكر إلاريا ازدواجها، وتتهم الجميع، ولكن ماذا عنها، وهي تقيم علاقة سرية مع أحد أعضاء حزب برلسكوني؟

كيف يسوّغ النوم في أحضان المافيا السياسية بالمعنى الأكثر حرفية؟ هل الغاية تشفع لها؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب! فلماذا لا تشفع غايات الآخرين لوسائلهم المنحطة؟ إذا كانت غاية ما تشفع لبيع جسد فلمَ لا تشفع غاية أخرى لشرائه؟ إنها الإدانة التي لا استثناء فيها، حتى لو حاولت بطلة القصة أن تستثني نفسها، لكن الحقيقة المرة تقول: لا استثناء في الإدانة.

في هذه الرواية التي تتحدث عن محدودية الأخلاق الأوروبية وإفلاسها ندرك السبب الذي يجعل الشعب الإيطالي يثق بالأحزاب الشعبوية المنفتحة على الفاشية بشكل لم يسبق له مثيل. الشعب الذي يهتف بأنه يخشى (الغزو الأسود)! وندرك لماذا إيطاليا اليوم هي كما هي! إيطاليا بوزير داخليتها ماتيو ساليفيني الذي يدير السياسة فيها على الحدود الفاشية، ويقف ضد سفن الإنقاذ! ويعمل على تحويل نظام حدودها إلى مراكز رسو، ومراكز استقبال، ومعسكرات ترحيل!

في هذه الرواية التي تتحدث عن محدودية الأخلاق الأوروبية وإفلاسها ندرك السبب الذي يجعل الشعب الإيطالي يثق بالأحزاب الشعبوية المنفتحة على الفاشية

تشير "كلهم... ما عداي" إلى أنّ الهجرة في إيطاليا هي جزء من تاريخ الشخص، وجزء من شعوره بالذنب والمسؤولية، فهذا الشخص الذي ترفض قدومه إليك، وتأبى استقباله قد يكون أقرب أقربائك! وقد يكون جزءاً من تاريخك الخاص والشخصي! تتعاطف مع اللاجئين، لكنها تبرز في الوقت نفسه مدى تأثيرهم المخل بـ (مدننا)، فتصف أصالة أحياء العاصمة الإيطالية، وكيف تتغير ملامح بعض هذه الأحياء بشكل كبير في ظل الهجرة.

رواية "كلُّهم... ما عداي" رواية استثنائية فعلاً، وربما تضع كاتبتها على طريق جائزة نوبل، ولم يكن ينقصها، في رأيي، من أجل اكتمال مشهد (النفاق الإيطالي) اكتمالاً تاماً كاملاً سوى التعريج على ذكر زيارة ضابط مخابرات الأسد علي مملوك لروما، ولقاءاته السرية مع أرباب هذا النفاق.

 

(*) صدرت الرواية بالإيطالية في 2017 بعنوان: Sangue giustu، عن دار النشر: Rizzoli. وصدرت مترجمة إلى اللغة الألمانية في 2018 بعنوان: Alle, außer mir، عن دار النشر: Klaus Wegenbach. وعسى أن نراها قريباً مترجمة إلى اللغة العربية.

شارك برأيك