الرصاص الطائش ثقافة الكُرد الجديدة

الرصاص الطائش ثقافة الكُرد الجديدة

الصورة
الصورة(إنترنت)
22 تشرين الأول 2018

شفان إبراهيم

كاتب صحفي وأكاديمي كُردي حاصل على الماجستير في

عَقِبَ ضعف وخلخلة الطبقة الوسطى في المجتمع الكُردي خلال السنوات الخمس الأخيرة، كإحدى نتائج السياسات المُحبطة للأطراف الكُردية؛ سواء في الإدارة أو السياسية أو تجسيد التطلعات المجتمعية إلى مُخرجات الواقع المأمول شعبياً.

برزت ملامح ثم تطبيقات ثقافة جديدة، قائمة على الاستخفاف بأرواح غيرهم. مصدرها طبقات كانت سابقاً تنتظر من غيرها إيجاد مصدر رزق لها، أصبحت اليوم تتصدر المشهد المجتمعي. خاصة وإن النمطية الأخلاقية في الوسط الكُردي قد أصابها من الإعياء والتشظي ما لم يجده الكُرد منذ التحرر من الوجود الفرنسي وحتى قبل 2012.

تُعتبر الطبقة الوسطى، عِماد المجتمعات. فهي القائدة والميسرة لعجلة الاقتصاد والسياسة والأدب والفن وال....إلخ. وأيّ تصدع فيها يُفضي لانشقاق وبروز ثقافة جديدة على الصعد كافة. ومن يُدير دفة الحكم يتحمل ازدواجية المسؤولية حول حماية وتطوير وتفعيل تلك الشريحة، أو السعي نحو استبدالها؛ نتيجة عجزهم –السلطات- عن السيطرة عليهم، بعد تمرسهم في التجارب التي خاضوها في مختلف الظروف.

اليوم، يشهد المسرح السياسي، الاقتصادي، الفني، الأدبي، الإعلامي، وحتى الديني. بروز نوعية جديدة، لم تكن موجودة ظاهرياً وعملياً على المستويين الفعلي وتسيد قمة هرم المجتمع الكُردي من قبل. ثمة فئات مسحوقة ومنمسخة تجدُ في نفسها أحقية التعبير عما تشاء بالطريقة التي ترغب، دون أيّ رادع شخصي أخلاقي.

تُعتبر الطبقة الوسطى عِماد المجتمعات فهي القائدة والميسرة لعجلة الاقتصاد والسياسة والأدب والفن

الرصاص. السلاح الأغرب والأجدد الذي عرفه الكُرد عبر تاريخهم النضالي ضد مختلف الحكومات والأنظمة التي تعاقبت على سدّة الحكم في سوريا. أصبح اقتناء السلاح وبمختلف أنواعه وأشكاله من أيسر وأبسط المواضيع لدرجة أنه أصبح من أساسيات الغالبية الساحقة للمنازل والعوائل.

منذ بدايات الحدث السوري. فقدَّ العشرات من أبناء المنطقة، نساء وأطفال ورجال، حياتهم نتيجة سوء استخدام السلاح واللعب به، أو نتيجة الرصاصات الطائشة التي تنهمر كالمطر كوسيلة للتعبير عن فرحهم أو حزنهم على خسارة فريق رياضي في الطرف الآخر من الكرة الأرضية! أو لإرسال التحيات إلى أحد الأصدقاء في الحيّ الآخر، وكموروث عن " الزكرتاوية" يجب أن يُبادر الصديق المُخصص بالتحية إلى إرسال "مخزن رصاص" رداً على التحية. بغض النظر عن نتائج الشاباشات والتحيات والضحايا التي يُمكن أن تنجم عن عقلياتهم المريضة.

في ليلة المناسبات القومية والوطنية والأعياد، تشهدُ سماء قامشلو حرباً للنجوم والتعرف على جميع أصوات أنواع السلاح، كشعور مرافق بضرورة التعبير الهمجي عن مشاعرهم.

في الجهة المقابلة. يمتلك الكُرد في سوريا /72/ حزباً وتزخر قامشلو وباقي المدن الأخرى، بمئات منظمات المجتمع المدني، ومنظمات المرأة والتجمعات الثقافية. وتجمعات سياسية، المجلس الوطني الكُردي، حركة المجتمع الديمقراطي، الاتحاد الديمقراطي، والإدارة الذاتية، وهيئة للداخلية، وعدد كبير من الأفرع الأمنية والعسكرية و...إلخ. كل هؤلاء لم يستطيعوا وضع حدًّ لظاهرة القتل المجاني. ولم تستطع كل تلك المنظمات والأحزاب من تغيير نمطية تفكير أو خلق نوع من الهاجس الوجداني والأخلاقي لديهم.

ما الذي يشعر به مُطلق الرصاص؟ وهل يسعى للتعبّير عن شيء ما؟ وهل يعي العواقب المحتملة لفعلته الشنيعة؟

ما الذي يشعر به مُطلق الرصاص؟ وهل يسعى للتعبّير عن شيء ما؟ وهل يعي العواقب المحتملة لفعلته الشنيعة؟ تكثر الأسئلة حول المجرم المستتر المختبئ الذي يمكن أنّ يُبرئ نفسه في كل مرة باعتبار أنّ غيره أيضا يطلق الرصاص وبالتالي يصعب تحديد من منهم ارتكب الجريمة. ثمة عقّد نفسية وراء هذا الفعل. فالحالة حين تتحول إلى ظاهرة وتصبح ثقافة سائدة، لا يكون القانون وحده كافياً لردعها، خصوصاً في موضوع الرصاص الطائش، لأن مصدر الرصاص متعدد ومتشعب، ويصعب تحديد الجهة الواجب توقيفها واعتقالها ومحاسبته دون غيره. بل إن الوضعية المجتمعية الكُردية باتت بحاجة إلى توعية حقيقية تبدأ من البيت وتصل إلى المدرسة، وبعدها الجامعات وكل مؤسسة يمكن الدخول إليها لشرح أخطار الظاهرة للأجيال الصاعدة ونقلها إلى بيوتهم، والسعي نحو إعادة تكوين المفاهيم الثقافية عند الأهل، على أمل التخفيف من الفلتان الحاصل في هذا المجال، وتنظيم حمل السلاح من جهة أخرى.

في كل فرح أو حزن يُطلق الرصاص، وهو نوعاً من المفاخرة أو إثبات الذات، أو نتيجة العقد المتراكمة لديهم. الثقافة السائدة اليوم في الوسط الكُردي نابعة من افتخار طبقة ناشئة تفتقد للقيم والمعايير المجتمعية، بامتلاكها السلاح وتوريثه للأجيال، وأصبح جزءاً من المنظمة الفكرية الكُردية، وهو ما قد يساهم في بلورة مناخ مساعد على أيّ اشتباك أو نزاع محلي داخلي، ما يعني بقائنا ضمن دائرة الشعور باللاستقرار.

حالياً، ترقد ضحيتهم الأخيرة في إحدى مشافي قامشلوـ تحمل إلى جانب عقلها الصغير، رصاصة طائشة وجدت مكاناً لها بين تلافيف مُخِّ طفلةً لا تفرق ولا تميز بين اللعبة والرصاصة.

 

شارك برأيك