الربيع الشعبي ينتصر في المغرب العربي

الربيع الشعبي ينتصر في المغرب العربي

الصورة
متظاهرون في العاصمة الجزائرية (رويترز)
13 نيسان 2019

شفان إبراهيم

كاتب صحفي وأكاديمي كُردي حاصل على الماجستير في

انتصرت الشعوب(.) من أول السطر.

بدأ الربيع العربي في دول المغرب العربي، ورُبما تنتهي رياحه من حيثُ هبت. الانتصار الشعبي في الجزائر أحيا ثورة السودانيين المتقدة قبلهم. ككل الطغاة، بدأ بوتفليقة والبشير بخطابهم الخشبي حول بعض الإصلاحات الجزئية، من رفع الرواتب والأجور إلى بعض القرارات الهشّة. الطغاة كُلهم يتشابهون بين بعضهم البعض بالنظر للشعوب على أنهم مُجرد نعاجٍ يُديرونها في دول حولوها إلى مزارع خاصة.

منذ ثورة الياسمين، وبدأت الطغم الفاسدة تتذكر أن للشعوب حقوقاً تفوق مجرد وجبات طعام أو رواتب وظيفية وفرص عمل. لا همَّ لهم سوى الإبداع في قهر وإذلال مواطنيهم، حتى في أشد الظروف وإمكانية الخروج بمنظر البطل والمنقذ للبلاد، فإنهم يأبون الخروج دون ذل أو إهانة. هي إرادة شعبية ممزوجة بحكمة ألاهية. بقي البشير يُلوح بعصاه في خطاباته وجلساته، يُهدد بها بقطع الرؤوس، وبقي بوتفليقة يحكم دولة كالجزائر عبر السطوة العسكرية، هاهما اليوم يُحكمان بالبذّل نفسها.

لا يتنازل المُستبد عن عنجهيته أبداً، يكره الانتقال السياسي حتى يجد نفسه مُهاناً بالبوط العسكري

لا يتنازل المُستبد عن عنجهيته أبداً، يكره الانتقال السياسي حتى يجد نفسه مُهاناً بالبوط العسكري، هي لحظة محورية في تاريخ الجزائر والسودان، بل هي نقطة مفصلية في تاريخ الشعوب ومُناصري الثورات، فقط " حرية حرية" لا شيء آخر، ولسخرية القدر فإن الحرية التي بقيت مقموعة لعقود على يد مصاصي الدماء، هي عينها التي سيفقدونها بأدواتهم عينها.

الانتصار الشعبي في السودان والجزائر هو الانتصار في وجه الثورات المضادة أولاً، ومدًّ لباقي الشعوب التي أُرهقت حتى بعد انتصارها على طغاتها ثانياً، ولعل المخاوف التي لن تنتهي حتى الإعلان عن حكومة قوية تدير البلاد بشرعية برلمانية انتخابية تتجلى في ظهور "سيسي السودان" أو "حفتر الجزائر" وهو ما سيخشاه الجزائريون والسودانيون حتى لحظة الانتصار النهائي، حكم العسكر للمجتمع السوداني أو الجزائري سيعتبر بمثابة تقويض لهموم وطموحات الشباب، ولعل نُكتة الجيش السوداني حول المرحلة الانتقالية لمدة عامين ليست سوى محاولة إما لإعادة أحياء أمثال المجرم البشير أو خلق انقلاب من نوع جديد، السعادة القصوى لنا كمتابعين تنبع من لا عودة المنتفضين إلى بيوتهم حتى نيل مبتغاهم كاملاً.

فأي حكومة تتشكل عبر رجالات النظام القديم سيكون مصير البلاد كالعاهرة التي جملت من أنفها فحسب، لكن بقيت التوجهات هيَّ –هيَّ، وتوقف التظاهرات حتى بعد الإطاحة بالمخلوعين سيعني انهيار الوسط الشعبي كقوة ضاغطة دافعة نحو التغيير الحقيقي، أمور مركبة معقدة تنتظر كِلا البلدين فإما أن تتحول إلى روافد لثورات أخرى تنتقل ببلدانها نحو جمهورية جديدة يكون القرار الأول فيه محكمة عادلة لمن ألغى العدل والقانون والحياة، أو أن تتحول إلى أوكار جديدة لعصابات تسعى نحو ابتلاع السلطة للدولة، وتسلط الحزب على المجتمع، ولعل أفضل الحلول يكمن في وضع نهج اقتصادي اجتماعي يصلح لشعب يعاني شبابه من فقدان انتمائهم وندرة فرص العمل وأوضاع اجتماعية معقدة ومركبة ما بين صعوبة العيش وكراهية البقاء في الوطن، في منطقة تطفوا على النفط والغاز والخيرات الكثيرة.

أثبت الشعب في السودان وفي الجزائر، أن الانتفاضات يُمكن لها الإتيان بثمارها، وأن الشعب يبقى مصدراً للسلطات العليا قولاً وفعلاً، لا تنظيراً وتبريراً خطابياً، هؤلاء أسقطوا السلطة، والنخب السياسية والطغم الفاسدة وفضحوا عورات المعارضة الولائية منها والفاشلة على وجه الخصوص، لكن ينتظر الأبطال في السودان والجزائر الكثير، لعل أهمها الحفاظ على الروح الوطنية والسلمية والتمسك بالعيش المشترك والتسامح والدعوة للعدالة الانتقالية والانفتاح على المكونات والقوميات المغايرة والشعوب المتمايزة، إذا لا ثورة ناجحة مع إعادة ذهنية الأنظمة الماضية، أو الحفاظ على هياكل السلطة فكرياً أو تنظيمياً، وهو ما يحض على القبول بالتعددية والتنوع والطبيعة الإثنية في الجزائر، الانفتاح على جنوب السودان، والدعوات لدولة ديمقراطية مدنية أو علمانية ونظام سياسي وشكل دولة يفي للجميع حقوقهم ويمنحهم الأمان، إذ لا حياة مع المركزيات المقيتة وأنظمة الحكم الفاشية.

أثبت الشعب في السودان وفي الجزائر، أن الانتفاضات يُمكن لها الإتيان بثمارها، وأن الشعب يبقى مصدراً للسلطات العليا قولاً وفعلاً

يبقى السؤال المتشعب: لماذا انتصرت ثورات الشعوب في دول المغرب العربي، وبقيت تعاني في دول الشرق. اليمن، سوريا، لبنان، العراق؟ رُبما كانت الحدود الجغرافية مع إيران تتسبب بكل المشاكل، لكن لا مناص من انتصارهم أيضاً وإن طال الزمن. ولا مناص من الرغبات الدولية في إعادة خلق كيانات جديدة في الشرق، والتغيرات الجذرية في الغرب، لكن إلى حين ذاك، وحدهم السوريون يجدون أنفسهم إزاء حركة مركبة فهم يبقون مُهمشين بمفاعيل سلطوية ورغبات دولية، ومعارضة فاشلة لم تستطع تحقيق أدنى متطلبات الشعب السوري أو تحقيق اليسير من وعودها، ويبقون على عهدهم وميثاقهم مستمرون.

وضمن السياق ذاته، فإن الحالة الشعبية والسياسية الكُردية في سوريا لا تختلف البتة عن العموم السوري، لكنها تنظر بعين الشغف والذهول لانتصار شعوباً لم تختبر الحياة السياسية والنضالية بحجم رُبع ما خاضه الكُرد في سوريا عبر تجمعاتهم السياسية والحزبية والتنظيمية. الأكيد في كل شيء، أنه لا الإدارة الذاتية ولا الاتحاد الديمقراطي ولا المجلس الوطني الكُردي، لن يتلقوا رسائل الجزائريين والسودانيين إلا خارج سياقها الفعلي، وعبر طمس ومسخ ومحو فحواها، من لا يتغير سيتغير. والأجيال الجديدة ما عادت تُصدق جُل ما يُقال لها، هي أجيالٌ تُطالب بحقوقها فقط، وفقط تطلب ولم تعد مُستعدة للانتظار أكثر.

 

 

 

شارك برأيك