الربيع السوري أم الثأر السنّي؟!

تاريخ النشر: 04.06.2018 | 01:06 دمشق

آخر تحديث: 13.07.2018 | 19:30 دمشق

 لم يمرّ صدام الثمانينات الدموي دون تأثيرات كبرى. أولاً في بنية النظام الذي رجحت ذراعه الأمنية على مكوناته الحزبية والسياسية وحتى العسكرية، بعد أن صدرت عن الأخيرة مؤشراتُ منافسةٍ مقلقة إثر مشاركتها المركزية في إخماد التمرد، ما استدعى ضبطها بخطوة إضافية من حافظ الأسد تثبت لرجاله أنه الرئيس وأنهم ليسوا شركاء جديين، سائراً بذلك درجة أخرى على طريق الحكم الفردي القريب إلى قلبه بالطبع. وثانياً في علاقة النظام بالسوريين، التي بنيت من وقتها على أساس من العنف. وثالثاً في الشرخ الطائفي السنّي العلوي الذي قام حجر أساسه على أجساد عشرات آلاف ضحايا العمليات الأمنية والعسكرية أثناء أعوام 1979-1982، وما تخللها من مجازر كانت آخرها في حماة، وما تبعها من

إعدامات منتظمة وعشوائية لنزلاء سجن تدمر على مدى سنوات. شكّل هذا العدد الكبير من الضحايا، ومثله من المعتقلين الذين لن يفرج عنهم إلا بعد سنوات مريعة مفتوحة، ومثله من الملاحقين خارج البلاد، التي كان تعدادها في حدود التسعة ملايين؛ أساساً متيناً لحرب أهلية انتقامية قادمة. لا سيما وأن أغلبية هؤلاء الساحقة تنتمي إلى فضاء اجتماعي وثقافي وديموغرافي واحد كان قد هُزم بقسوة، وهو الشرائح المتدينة أو المحافظة من الطائفة السنّية.

لم يبدُ النظام المنتصر علوياً فقط، رغم أن هذا كان أحد أبرز وجوهه أو طوابقه. كما لم يبدُ الخاسرون من «الإخوان المسلمين» وبيئاتهم فحسب. لقد هُزم الكل في الواقع، ولا نعني هنا فقط بعض الأحزاب المعارضة التي دفعتها الأحداث لتصعيد موقفها من الدكتاتورية فشاركت الإسلاميين سجونهم المديدة، بل جميع السوريين بمن فيهم أفراد أذرع القمع نفسها، إذ صار استدعاء أحدهم للتحقيق أمام مستوى أعلى أو جهاز أشرس مصدر كابوس يقضّ مضجع الضابط كما ليل المدني. فما دام القمع هو العملة المتداولة فلن ينجو منه، تقريباً، سوى واحد يقف على رأس الهرم.

ورغم هذه الاحترازات كان للحرب الأهلية، التي شعر السوريون أنها لا بد ستقع ذات يوم، هوية طائفية صافية وواضحة. لم يعتقد أحد، قامعين ومقموعين، أن ما حدث يمكن أن يمرّ بسلام. وبدا الأمر وكأنه تسليم بنبوءة قدرية مؤكدة ومؤسفة أكثر منه حتى وعيداً بثأر.

والحق أن للطيف الدموي هذا ملمحاً غريباً هو أن أصحاب الثأر هم الأقل عناية به واستحضاراً لنبرته، يتفوق عليهم في حضور هذا الهاجس عموم السوريين، لنصل أخيراً إلى أشد الشرائح حذراً منه وانشغالاً به، وهم الذين يتهددهم الثأر، سواء بسبب ما ارتكبوه فعلاً خلال السنوات تلك، أو لتبنيهم سردية النظام في الشأن الداخلي واندراجهم في بنيته وتبريرهم أفعال مخابراته، أو لمحض أسباب طائفية اختيارية أو اضطرارية بحكم الولادة.

ورغم هذه الاحترازات كان للحرب الأهلية التي شعر السوريون أنها لا بد ستقع ذات يوم، هوية طائفية صافية وواضحة

لا يحيل هذا التدرّج على تفوق أخلاقي مفترض للشرائح الواسعة لمقموعي الثمانينات، بقدر ما يعني أن حمل الثأر ثقيل، بالإضافة إلى الهزيمة التي صار جمهور التمرد يتقاذفها بين داخل وخارج، ومنظّمين ومدنيين، و«إخوان» و«طليعة»، حتى لم يبق من المهجوسين بالثأر، تدريجياً وعبر السنوات، إلا ندرة من بقايا التنظيم الأخير الذي كان قد سُحق ولم يخلّف إلا عشرات في أنحاء العالم يجترون الخيبة، تضاف إليهم قلة متحمسة من مهاجري الإخوان (ولا سيما الأصغر سناً)، وصدور قليلة تلفحها النار خفية بين الفينة والأخرى في الداخل. بينما بدت حراسة الحذر والتشكيك، ومداهمة القلوب والمجتمعات، أسهل على أذرع القمع وعقول الذعر ونفوس الحساسية المستنفرة. لا سيما وأن حراسة الاتهام تتيح للأجهزة الأمنية أن تأخذ مداها الأقصى، مع ما يتيحه ذلك لها من نفوذ ومنافع.

أما عموم السوريين -وتدخل فيهم شرائح من طرفي النزاع المذكورين- فقد سلّموا أنهم يعيشون في بلد يستمد استقراره من حكم القوة، وأن أي خلل أو اهتزاز أو تفكك للسلطة الدكتاتورية القائمة سيطلق آليات الانتقام، والقمع المضاد، في متوالية لا نهاية لها. وإذا كان لنا أن نغامر باستقراء لسان موحد «لعموم السوريين» فإننا نلاحظ أنه عبّر عن مخاوفه في مناسبات عديدة، كوفاة باسل الأسد المفاجئة مطلع 1994، عندما شعر السكان، سواء الباكين على الوريث أم الشامتين بأبيه، بالقلق مما يمكن أن تحمله الأيام، قبل أن يتضح أن طريق التوريث واسع وقابل للاستبدال والاستكمال. وكذلك قل عن وفاة الأسد الأب حتى استتب الأمر بسرعة لابنه الخليفة. وأخيراً فإنه من المألوف أن يُنسب إلى الرماديين لوم الثوار لقلة حكمة مفترضة عندهم، ولغفلتهم عن سيرة الثمانينات التي يبدو النظام مستعداً لتكرارها دوماً.

بعد العيش طويلاً مع الخوف من ساعة الثأر وترقبها. ما عززته مرويات نبوئية علوية جرى تداولها على نطاق واسع، تُنسب إلى كتاب «الجفر» المقدس، تتحدث عن أربعة عقود يحكم فيها العلويون البلاد ثم يقعون فريسة مذابح طائفية مرعبة

غير أن أبرز نتائج هذا الهاجس المحلّق في فضاء مخاوف السوريين وتوقعاتهم قبل الثورة هو ما تركه من أثر في تلقي النظام وجمهوره لحدث وقوعها نفسه عام 2011، بعد العيش طويلاً مع الخوف من ساعة الثأر وترقبها. ما عززته مرويات نبوئية علوية جرى تداولها على نطاق واسع، تُنسب إلى كتاب «الجفر» المقدس، تتحدث عن أربعة عقود يحكم فيها العلويون البلاد ثم يقعون فريسة مذابح طائفية مرعبة. مما جعل «الذبح» هو الباطن الحقيقي لكل ما يمكن أن يقوله ظاهر شعارات الثوار من «أكاذيب»:

فليست الثورة حلقة أخرى من حلقات الربيع العربي، إذاً، بل هي المقتلة الأكبر في سلسلة المذابح السنّية المتكررة منذ قرون بحق العلويين الذين ربما لا يملكون الكثير ليفعلوه، ما دام الأمر مكتوباً، لكنهم، على الأقل، لن يستسلموا لأحابيل تاجر المدينة الذي يريد أن يبيعهم الحتف هذه المرة، ولكن بكلام معسول!

 لقد تطوّر مكر السنّة خلال الثلاثين عاماً، وأتقنوا مصطلحات حديثة وإن للهدف نفسه؛ قتل الرجال وسبي النساء... يرفعون شعار «المجتمع المدني» لأنه نقيض «المجتمع العسكري». يطالبون بالديمقراطية لأنها حكم الأغلبية (هم). ينادون بالحرية لأنها التقية الرائجة غربياً. ويأملون في استدراجنا بسهولةٍ عبر إطلاق اسم «صالح العلي» على أحد أيام جمع الفتنة!