بدأ الرئيس محمد أنور السادات يُطلق على نفسه لقب الرئيس المؤمن بعد حرب أكتوبر 1973، وكان ذلك لاستثمار موجة النشوة العارمة بعد عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف المنيع وتحريك مسارات التفاوض حول الأراضي المصرية المحتلّة. ولتعزيز شرعيته السياسية والشعبية في مواجهة خصومه السياسيين من التيار اليساري والناصري، الذين كانوا يشكلون قوة معارضة كبيرة آنذاك، سمح السادات للتنظيمات الإسلامية، مثل الجماعة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين، بالعودة إلى الجامعات والمؤسسات المختلفة، بعد أن كانت نشاطاتهم مقيدة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
أدّى هذا الدعم إلى ازدياد نفوذ هذه الجماعات بشكل ملحوظ في المجتمع المصري، ما سمح لها بالسيطرة على الاتحادات الطلابية والنقابات والصحافة والتلفزيون وانتشار أفكارها في المجتمع. طغت هذه الجماعات وصارت تتدخل في شؤون غيرها من فئات المجتمع، وبدأت تحاول فرض نمطها في الحياة على الجميع، ضاربة عرض الحائط بالقيم المجتمعية الراسخة ومتعدّية على الحريات العامة والفردية، الأمر الذي أدّى إلى زعزعة الاستقرار المجتمعي بالعموم. في نهاية المطاف، تحولت هذه الجماعات إلى خصم سياسي للسادات، خاصة بعد توقيعه معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، وهو ما اعتبرته "خيانة" وطنية عُظمى. أدّى هذا التوتر المتزايد إلى تصادم مباشر انتهى باغتياله في عام 1981 على يد خالد إسلامبولي ورفاقه من أعضاء الجماعة الإسلامية.
كذلك استخدم الرئيس صدّام حسين الدين الإسلامي للتحشيد السياسي بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 وما تبعها من هزيمة للعراق وفرض حصار اقتصادي دولي خانق على البلاد. كان النظام في موقف ضعيف داخلياً وخارجياً، وحاول صدّام استخدام الدين لتعزيز شرعيته وحشد الدعم الشعبي لمواجهة الحصار والعقوبات المفروضة عليه. كان ذلك تحولًا ملحوظًا عن سياسة حزب البعث الأقرب إلى العلمانية التي حكم بها العراق لسنوات طويلة.
لقد كان الاستثمار بالدين والتديّن مربحًا للحكّام عبر التاريخ، وهذا لم يقتصر على العرب وحدهم، فكثيرون هم القادة والرؤساء الذين استخدموا الدين لأغراض سياسية في العصور الحديثة.
سُمّيت تلك الفترة من حكم صدّام حسين بـ"الحملة الإيمانية"، واستمرّت منذ العام 1993 وحتى سقوط نظامه عام 2003. تمثلت مظاهر الحملة الإيمانية في أسلمة المجتمع، حيث تم فرض مظاهر دينية على الحياة العامة، مثل حظر بيع الكحول واستهلاكه علناً، وإغلاق الملاهي الليلية. كذلك تم إدخال بعض القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية، مثل عقوبة بتر الأعضاء للسرقة، والإعدام في جرائم معينة مثل الدعارة. وبدأ صدّام حسين يظهر في خطاباته وهو يتحدث عن "الجهاد" ضد الغرب وإسرائيل، وظهرت عبارة "الله أكبر" على العلم العراقي، كما تم استخدام الإعلام الرسمي لتسليط الضوء على تدينه الشخصي وتطبيق الشريعة، وجعل دراسة القرآن جزءاً أساسياً من المناهج التعليمية المدرسية.
في سوريا، واجه حافظ الأسد تحدياً فريداً من نوعه مع حركة الإخوان المسلمين أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وأدرك بعد مجزرة حماة عام 1982 أهمية السيطرة على الخطاب الديني لضمان استقرار حكمه. لذلك اتبع استراتيجية مزدوجة للتعامل مع الدين.
الوجه الأول لهذه الاستراتيجية كان القمع والتهميش لحركة الإخوان المسلمين بشكل وحشي، حيث حوّلهم إلى "فزاعة" سياسية ودينية في المجتمع، مما سمح له باعتقال أي شخص يشتبه في انتمائه إليهم أو تعاطفه معهم، حتى لو لم يكن له أي صلة فعلية بهم. كذلك سيطر بشكل كامل على المؤسسات الدينية الرسمية، مثل وزارة الأوقاف، وجعلها أداة لخدمة النظام.
أما الوجه الثاني فكان السماح بوجود نوع من "الإسلام الرسمي" الذي يقوده علماء دين موالون له، مثل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي (اغتاله نظام بشار الأسد لاحقًا). هؤلاء العلماء قدموا شرعية دينية للنظام، وأكدوا على أن طاعة الحاكم واجبة، وأن النظام يحمي الإسلام من التطرف. تم تعيين خطباء المساجد من قبل الدولة، وأصبحت خطبة الجمعة تحت رقابة مشددة بحيث لا تخرج عن إطار ما يسمح به النظام. كذلك سمح بازدهار بعض المدارس والمعاهد الشرعية، لكنه وضعها تحت سيطرة ورقابة كاملة، لضمان تخريج جيل من رجال الدين الذين يتبعون "الإسلام السوري الصحيح" الذي يخدم مصالح النظام. كما استخدم الخطاب الديني في مناسبات معينة، مثل الترويج لـ"الجهاد" ضد إسرائيل أو استخدام عبارات إسلامية في الخطابات الرسمية، بهدف كسب التأييد الشعبي والشرعية.
لقد كان الاستثمار بالدين والتديّن مربحًا للحكّام عبر التاريخ، وهذا لم يقتصر على العرب وحدهم، فكثيرون هم القادة والرؤساء الذين استخدموا الدين لأغراض سياسية في العصور الحديثة. ليس ستالين الشيوعي، الذي ينص دستور بلاده صراحة على الإلحاد، أولهم، ولا نتنياهو، الذي يقود دولته الآن وفق رؤى توراتية تمنحه حقًا مزعومًا بأراضينا الممتدّة من الفرات إلى النيل، آخرهم.
ما يجعل استثمار الدين مربحًا ليس طبيعته المقدّسة فحسب مما يضفي على مستثمريه نوعًا من القداسة أو الشرعية، بل بالدرجة الأولى حاجة البشر للدين في حياتهم. إنّ الإنسان، بما هو كائن عاقل، يحتاج ما يساعده على تخفيف حدّة صراعه النفسي مع الظواهر التي لا يستطيع تفسيرها بالعقل ولا بالمنطق، والدين هو المنتج المناسب لمعالجة الروح وللإجابة على أسئلتها هذه.
لا يقرب المقدّس غير المعيّن ولا الموصوف ولا المرئيّ إلا شيء مثله ومن طبيعته، لهذا كانت الأرواح البشرية مرتبطة منذ بدء الخليقة بالإيمان بشيء خارق لا تحكمه قوانين الطبيعة التي يستطيع إدراكها. جوهر الدين إذن هو الإيمان، وهذا الجوهر له ساحة فعل وحركة مختلفة عن تلك التي يتحرّك فيها العقل. هناك ثمّة قوانين غيبية تحكم المعتقدات والطقوس وتلبي احتياجات الروح، ولو عُرضت هذه القوانين على الفحص العلمي الحديث لوجدنا كثيرًا منها لا يصمد أبدًا، والسبب اختلاف الحقول المعرفية لكل منهما.
يبحث بعض الحكّام في التاريخ عن وسائل لم تعد قادرة على حمل مشاريعهم للبقاء في السلطة بعد أن وصلوا إليها بالمصادفة أو باعتبارات ضرورة ملء الفراغ السياسي والأمني.
وبينما تذهب أنظمة راسخة للتخلّص من إرث استثمار الدين وفرض طابع موحّد من التديّن، الأمر الذي وجدته أنسب لها بعد أن استكملت بناء الدولة وتثبيت أركانها، فصار التمسّك بالآليات والأدوات والوسائل القديمة موضع إعاقة لا موضع دفع للأمام، نجد على الضدّ من ذلك أنظمة أخرى تعيد الكرّة وتبدأ من حيث انتهت.
ما كان يصلح عند تأسيس الدولة السعودية مثلًا ما عاد يصلح اليوم، والظروف التي أنتجت علاقة التزاوج بين السياسة والدين قبل مئة عام تغيّرت الآن. هكذا تتّجه بعض الدول اليوم إلى الدخول في مجالات استثمار الدين أو التديّن، أو بمعنى أدق، تحاول حكوماتها أو أنظمتها السياسية فرض أشكال معيّنة من التديّن الجماعي على السكّان بغضّ النظر عن اختلاف أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم، وهذا مما تظنّه يساعدها في شدّ الجماعة خلفها للاستمرار في الحكم.
ثمّة تناقضات لا تستطيع حلّها الحكومات في أيامنا هذه إلا بمقاربات الدول الحديثة، أي بمقاربات مبادئ سيادة القانون ومفاهيم المواطنة المتساوية والتشاركية والديمقراطية التي تعني أول ما تعني التداول السلمي للسلطة، الأمر الذي لا تريده بعض هذه الحكومات.
إذاً، يبحث بعض الحكّام في التاريخ عن وسائل لم تعد قادرة على حمل مشاريعهم للبقاء في السلطة بعد أن وصلوا إليها بالمصادفة أو باعتبارات ضرورة ملء الفراغ السياسي والأمني. وهذا إن نجح مؤقتًا في بناء نظام سياسي، فإنّه لن يدوم في تثبيته. السبب الرئيس في ذلك أنّه يؤسس لنظام استئثار بالسلطة السياسية وما يتبعها من استئثار بتوزيع الامتيازات والثروات، وهذا سيُوَلِّد بالضرورة عناصر نزاع قادم، خاصة في بلدان خاضت شعوبها معارك طاحنة للتخلّص من الاستبداد والفساد.
فهل تنجح وصفة الرئيس المؤمن والدولة المتديّنة فيما نراه أمامنا؟ وكم سيكلّفنا هذا النهج مجددًا؟
دفاعا عن وسط البلد
حين تصبح كرامة المواطن اختباراً للدولة
هل تعيد سوريا إنتاج قضائها القديم؟
عندما تعيد واشنطن هندسة الشرق الأوسط
حين تُجبر الدولة القومية على إعادة تعريف نفسها