في 8 من كانون الأول العام الماضي وفي الساعة الخامسة وثمان دقائق تقريبا، أعلن هروب بشار الأسد من العاصمة دمشق، في ذلك التوقيت، انتهت حقبة طويلة من الظلم، ودخلت سوريا فجرًا جديدًا لم يعرفه جيلٌ كامل من أبنائها. لحظة سُمعت أصداؤها في الشوارع والبيوت، التقطها السوريون في الداخل بدموعٍ واحتضانٍ وفرحٍ عمّ الساحات، فيما راقبها آلاف المغتربين من خلف المسافات، متمنّين لو كانوا هناك.
بالنسبة لهم، كانت ليلة السقوط لحظة يتصارع فيها الفرح مع الغياب: فرح ببلدٍ يتنفس من جديد، وغياب عن أرضٍ تمنّوا أن يشاركوا في نبضها الأول بعد التحرير. اليوم، وبعد عام كامل، يعود هؤلاء السوريون لا ليشهدوا حدثًا سياسيًا، بل ليعيشوا شعورًا مؤجّلًا: شعور الانتماء إلى وطنٍ بات قادرًا على جمع أبنائه من جديد.
عادوا محمّلين بالذكريات والمنفى والحنين، يريد كلٌّ منهم أن يستعيد الدقيقة التي فاته أن يكون فيها جزءًا من المشهد، يريدون أن يحتفلوا على أرضهم باللحظة التي غيّرت مجرى حياتهم، وهم بعيدون عنها. إنها ذكرى التحرير، ذكرى العودة، ذكرى الفرح الذي انتظروه عامًا كاملاً ليكتمل.
"خرج هاربا بالتزامن مع تحرير المعتقلين"
هكذا أعلن مذيع تلفزيون سوريا، في خبرٍ طال انتظاره. تقول لينا، وهي واحدة من آلاف السوريين الذين عاشوا التحرير عن بُعد: "معركة الردع ليست مجرد ذكرى، إنها زلزال ترك أثره في عمرنا كله. كنت بعيدة عن سوريا، لكن قلبي كان معلقًا بكل خبر. لحظة تحرير دمشق كانت لحظة شعرت فيها أن روحي تسبق جسدي، وتتمنى الوصول إلى ساحة الأمويين لتصرخ: ثورتنا العظيمة تكلّلت بالنصر".
تتابع لينا حديثها لموقع تلفزيون سوريا: "وقفت على الكرسي في بيتي، دُرت حول نفسي، وصرخت من أعماقي، لكن صوتي كان مكسورًا بالغربة التي حرمتني من أن أكون بين الناس، ومن اللحظة التي حلمت بها لسنين".
وتضيف: "غفوت قليلًا مع طلوع الفجر، ثم فتحت الشاشة، وكانت المذيعة رُبا من تلفزيون سوريا تقول: حدث ما قاله ثوار 2011، الأسد يخرج هاربًا من سوريا. حينها عادت إليّ فرحة مجنونة، لكن غصّة أعمق من كل الكلام كانت تسكن قلبي. سوريا تحتفل، والشوارع مليئة بالناس، ونحن محاصرون خلف حدود لا نستطيع تجاوزها".
تحاول لينا أن تبتسم وهي تتابع: "كان أولادي يقفزون من الفرح حولي، لكن كانت فرحة ناقصة بسبب الغياب عن الساحات. لم أكن بين الناس الذين حلمنا بمشاركتهم يوم النصر. ومنذ تلك اللحظة بدأت أعدّ الأيام للذكرى الأولى، وصارت هدفي وحلمي".
قالت إنها بدأت تجهيز رحلتها قبل شهرين، مؤكدة: "لا أريد أن تفوتني الذكرى الأولى. أريد أن أكون أنا وأولادي بين الناس، نرفع علم ثورتنا ونحتفل بنصرنا على أرضنا. أريد أن أعيش اللحظة التي حُرمت منها، اللحظة التي دفعنا فيها كل شيء لنصل إليها، النصر الذي سنحكي عنه لأولادنا وأحفادنا".
غاب عن المعركة.. لكن النصر لم يغب عنه
لم تكن معركة "ردع العدوان" مجرد عمل عسكري بل محطة فاصلة في مسار التحرير السوري، حيث توحّدت الفصائل لدفع آخر خطوط القمع خارج العاصمة. ومع دخولها تخوم دمشق، تحولت المعركة إلى لحظة مفصلية حملت ثقل أعوام من الانتظار، لتكون معركة الحسم واستعادة الوطن.
ومع الساعات الأولى لاقتحام أطراف العاصمة، وبدء الانهيار السريع لبقايا النظام البائد، خرجت الحشود في الأحياء والساحات، واستعادت دمشق صوتها الذي خُنق طويلًا.
كثير من السوريين حملوا الحكاية ذاتها. علي، ابن مدينة حماة المقيم في السويد، يروي لموقع تلفزيون سوريا أنه لا يستطيع نسيان صوت العقيد حسن عبد الغني حين أعلن بدء معركة "ردع العدوان".
قال علي: "شاركت في أول أربع سنوات من الثورة على الجبهات، حتى أُصبت في قدمي وأصبحت عاجزًا، ثم ضاقت بي الحياة واضطررت إلى السفر مع عائلتي. لكن يوم المعركة شعرت بعجز مضاعف. تمنّيت أن أكون هناك بين الشباب، وكل ما استطعت فعله هو الدعاء المستمر، وقلت في نفسي: طوبى للمحرّرين، والله يحميهم".
وأضاف: "لحظة التحرير كانت بالنسبة لي تعويضًا عن كل عجز. إنه نصر العمر، نصرٌ شعرت به رغم البُعد".
زار علي سوريا لفترة قصيرة بعد التحرير، لكن قلبه بقي ينتظر شيئًا آخر، وقال: "أنا بانتظار الذكرى الأولى للنصر. أريد أن أشارك فيها، ليَفرح قلبي ويشعر ولو بجزء بسيط من شعور ليلة التحرير العظيمة. أريد أن أتي مع أولادي، لنروي للأجيال القادمة عظمة النصر الذي وصلنا إليه، والثمن الكبير الذي دُفع لأجله".
لم يكن دخول قوات الردع إلى حماة مجرد تقدم عسكري، بل لحظة تاريخية في مدينة دفعت أثمانًا مضاعفة لعقود. ارتفعت التكبيرات من أسطح المنازل، فُتحت النوافذ لأول مرة بلا خوف، وبدأت الساحات تمتلئ بوجوهٍ خرجت من صمتٍ طويل، فيما سارعت فرق الإسعاف والمتطوعون إلى فتح الطرقات وتأمين الأحياء التي عانت من حصار وقمع طويلين.
ومع تثبيت السيطرة على المدينة، بدأت عمليات تمشيط واسعة للريف وتأمين الطرق بين الشمال والجنوب، استعدادًا لمعركة دمشق التي كانت تُهيّأ على نار هادئة.
ظهر حينها أن تحرير حماة لم يكن نهاية معركة، بل بداية فصل جديد تُرسم فيه خارطة الطريق نحو العاصمة، وتعيد فيه الثورة تنظيم صفوفها لمرحلة التحرير الكبرى.
فرح تأجّل عامًا ليُعاش
في الذكرى الأولى للتحرير، لم تكن عودة رفيدة إلى سوريا مجرد زيارة، بل استعادة لوعدٍ قديم ولحظةٍ ظلّت مؤجلة عامًا كاملاً.
رفيدة، ابنة حمص، تعيش في هولندا مع طفلتها الوحيدة، تحمل جرحًا مثقلًا بالفقد. رغم سنوات الغربة، ظل قلبها متعلقًا بأمل نصر الثورة، وفاءً لوعد قطعته لزوجها الشهيد بأن النصر قادم لا محالة.
قالت لموقع تلفزيون سوريا: "حين سمعت خبر سقوط النظام، عادت إلى ذهني كلمات زوجي قبل استشهاده، حين قال: سيأتي يوم تنتصر فيه ثورتنا، وإذا لم نكن نحن، فسيكون أبناؤنا. لكنه لم يكن هنا عند النصر، بل صار شهيدًا".
تتابع: "كنت أراقب مشاهد التحرير من بيتي الصغير في أوروبا الصامتة، وقلبي يغلي على وقع صوت الناس في سوريا، صور الساحات، الهتافات، الدموع والفرح. كنت أراها عبر الشاشة، وقلبي مليء باللهفة. دموعي لم تتوقف، فرحت بالتأكيد، لكن شعرت بشيء ناقص، لأنني لم أعش لحظة انتصر فيها دم زوجي وكل شهيد حر".
ومع اقتراب الذكرى الأولى، شعرت رفيدة أن الوقت قد حان لاستعادة ما سُلب منها، وقالت: "اللحظة التي حُرمت منها يجب أن أستعيدها بيدي. أريد أن أكون في الذكرى الأولى للتحرير، ولو ليوم واحد. يجب أن أقف في ساحة الأمويين، وأرفع علم الثورة، وأقول إن دماء شهدائنا لم تذهب هدرًا".
وصلت رفيدة إلى دمشق برفقة ابنتها، تحمل في يدها حقيبة صغيرة لا تحتوي على الكثير سوى ما يُثقل القلب: صورة زوجها وعلم الثورة الذي تحتفظ به منذ المظاهرات الأولى، كأمانة لم تخنها.
واختتمت حديثها بالقول: "عدت لأعيش النصر العظيم، لأشعر بذلك الشعور الذي حُرمت منه، نصر ثورتنا العظيمة".
معركة الردع.. نهاية القمع وبداية تاريخ جديد
لم تكن معركة "ردع العدوان" مجرد عملية عسكرية، بل كانت آخر فصل في حكاية صمودٍ طويل كتبتها المدن والبلدات والقرى على امتداد البلاد. مع كل تقدم للمقاتلين، كانت كلمة "صديق" تتردّد كنبض يبشّر الأهالي بتحرير منطقة جديدة واقتراب فجرٍ آخر.
هكذا أُغلقت صفحات الألم تباعًا، من حمص التي نزفت كثيرًا، إلى درعا التي أطلقت شرارة الكرامة، مرورًا بالشمال والجنوب، حتى صار الوطن كله جبهة واحدة وقلبًا واحدًا.
وفي النهاية، اختتمت معركة الردع القصة، لتعلن النصر العظيم والفرحة الكاملة، وتبدأ سوريا في كتابة تاريخ جديد، لشعبٍ صبر وواجه وانتصر.