الدين بين السياسة والمجتمع

الدين بين السياسة والمجتمع

01 شباط 2019

إلى أيّ مدى أسهمت ثورات الربيع العربي، والثورة السورية على وجه الخصوص، في تعرية الخراب الذي خلّفته البنى الإيديولوجية الشائخة على مستوى الوعي والتفكير، والتي مازالت تقذف مخزوناتها المزيد من حممها، مراكمةً سواتر شاهقة أمام الوعي الصحيح للراهن المعاش، والتفكير بقدرٍ من الموضوعية؟

ولئن كان من اليسير على المرء إدراك العديد من حالات الاحتضار التي تنتاب الأفكار والرؤى والمشاريع السياسية التقليدية في سوريا، إلّا أنه من الخطأ الجسيم أن يذهب بنا الظن بأن فشل هذه الأفكار والبنى الإيديولوجية، على المستوى العملي، هو دليل اندثارها أو عدم قدرتها على التأثير، بل لعله من الصحيح أن حالات الإخفاق الإيديولوجي والفكري غالباً ما يكسبها موتها أو احتضارها قيمة رمزية لدى الكثيرين، إن لم يقترن هذا الموات بالبديل الأفضل، وفي ظل غياب هذا البديل( المُتَخيَّل) ستبقى عملية التهاوش الإيديولوجي هي البديل السائد عن الوعي الناضج والتفكير النقدي الهادف.

أستوحي ما سبق من وقائع ندوة فكرية أُقيمت في مدينة غازي عينتاب التركية بتاريخ 28 – 1 – 2019 ، تحت عنوان (الدين بين السياسة والمجتمع)، دعا إليها (مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي – مينا)، تضمنت الندوة ثلاثة محاور (الدين والسياسة في عالم متبدل – الإسلام السياسي بين الديمقراطية والاستبداد والمواطنة – أسلمة العسكرة في الثورة السورية)، وتحدث فيها ثلاثة محاضرين (باسل جنيدي – ماجد علوش – حسن النيفي)، وكما هو معلوم، فإن الفحوى الحقيقية لأية ندوة إنما يكمن في قدرتها على إثارة الأسئلة وتحريض العقول على الحوار، وربما تكون سخونة النقاش أحياناً سبيلاً إلى ظهور المزيد من الأفكار الحبيسة في اللاشعور لدى العديد من الأفراد، والتي تكشف عن قناعات، لعلها أكثر رسوخاً في ذهن صاحبها من الشعارات الاستهلاكية.

تضمنت الندوة ثلاثة محاور (الدين والسياسة في عالم متبدل – الإسلام السياسي بين الديمقراطية والاستبداد والمواطنة – أسلمة العسكرة في الثورة السورية)، وتحدث فيها ثلاثة محاضرين (باسل جنيدي – ماجد علوش – حسن النيفي)

ولئن أفلحت الندوة في تحقيق الجانب المشار إليه، من خلال الحوار الذي أعقب الندوة مع الحضور طيلة ساعتين، إلّا أن طبيعة ذلك الحوار تحمل دلالات واضحة على أن السوريين المطالبين بعملية التغيير الاجتماعي والتحول الديمقراطي، مازالوا غير قادرين على استلهام الكشوفات الثقافية الهائلة للثورة السورية، وما زالوا مصرّين على خوض المعركة ضدّ الاستبداد، من خلال آليات التفكير والقناعات والمفاهيم التي كرّسها الاستبداد ذاته، ولم تشهد الندوة محاولات جادة للتمرد على المعسكرات الذهنية السابقة، بغية اجتراح طرائق جديدة في الحوار تستلهم المُعطى الجديد وتحاول البناء عليه، بدلاً من الركون إلى مسلّمات لا تصحّ إلّا في أذهان أصحابها.

فالعلمانيون الذين تحدثوا في الندوة عن الانعكاسات الخطيرة لمشروع الإسلام السياسي على الثورة السورية، وعن دور التطرف الديني في اختراق قوى الثورة، وبالتالي تشويهها والسعي لإجهاضها، وحرْف مسارها، مستلهمين في كلامهم ما فعلته، ومازالت مستمرة بفعله، الجماعات الإسلامية المتطرفة على الأرض السورية، لم يكن من الميسور أمامهم إقناع الطرف الآخر بصوابية أو صدقية ما يقولون، لعدم صدورهم عن وعي يقارب الظاهرة المطروحة بقدرٍ من التجرّد والموضوعية، أعني عدم قدرتهم – بحكم موروثاتهم الإيديولوجية – على إنتاج خطاب نقدي قادر على إنشاء تخوم فاصلة وواضحة، بين طيف إسلامي فطري هو الأوسع انتشاراً في سوريا، وبين مشروع إسلامي سياسي وجد في هذا الطيف الواسع مناخاً ملائماً للاستثمار والتوظيف، يساعده في ذلك، وحدة المرجعيات النصية، على الرغم من التباين في التأويل والتفسير، وكذلك وحدة الخطاب، ووضوح المشروع على الرغم من افتراضيته التي لم تغادر فضاء العقيدة والإيمان. أضف إلى ذلك أن البنى الإيديولوجية للعديد من العلمانيين كانت هي المموّل الأكبر لإرهاب كافة الأنظمة الاستبدادية المتسلطة على مدى عقود من الزمن.

الإسلاميون الذين دافعوا – أثناء الندوة – عن مشروعهم أو (مشروعاتهم) لم يكونوا أكثر إقناعاً من العلمانيين من حيث انسجام خطابهم ومصداقيته

الإسلاميون الذين دافعوا – أثناء الندوة – عن مشروعهم أو (مشروعاتهم) لم يكونوا أكثر إقناعاً من العلمانيين من حيث انسجام خطابهم ومصداقيته، ففي الوقت الذي يلحّون فيه على ضرورة التمييز بين قوى إسلامية سياسية وطنية معتدلة، وقوى إسلامية متطرفة، إلّا أن هذه الرغبة لدى الإسلاميين المنادين بالاعتدال، لم تقترن بجهود جدّية تبيّن الاختلاف أو التمايز الواضح من حيث المرجعيات النصية لكلا الطرفين، بل غالباً ما ظلت هذه المرجعيات في حالة من التماهي، وإن اختلفت أحياناً، فإن اختلافها يخضع لعوامل طارئة – تكتيكية ذات صلة كبيرة بموازين القوى على الأرض، وهذا يقودنا للإشارة إلى مهادنة العديد من الأحزاب الإسلامية للجماعات الإسلامية المتطرفة، وعدم صدورها عن موقف حاسم وواضح من القوى ذات النهج الجهادي الإسلامي، فضلاً عن النزعة البراغماتية الفاضحة حيال الحديث عن مسائل الديمقراطية والمواطنة والقضايا التي تتعلق بمفاهيم الدولة الحديثة.

لعلّ مجمل التحدّيات التي تواجه الخصوم المتناحرة قد تبدو مختلفة من حيث الشكل، ولكنها تتماهى في نقطة مشتركة، تتمثل في عدم القدرة على مغادرة الأنساق الذهنية التي مازالت تنتج الأفكار والتصورات ذاتها، وما هو مؤكد لديّ، أن تجاوز هذه الحالة من العطالة إنما هو مشروط بوجود دور حيوي وفعّال لنشاط ثقافي يكون هو المؤسّس والحامل لأي مُنتَج سياسي ناجح من جهة، وكذلك بوجود المثقف ذي البعد الأخلاقي والإنساني قبل أي شيء.

فهل يقتنع العلمانيون بأن العلمانية التي ينشدونها ليست جزءاً عضوياً من بناهم الإيديولوجية الشائخة، وهل يدركون أن مسعاهم لتعزيز العلمانية ليس في محاربتهم لفطرية الدين المتجذر في وجدان الناس

فهل يقتنع العلمانيون بأن العلمانية التي ينشدونها ليست جزءاً عضوياً من بناهم الإيديولوجية الشائخة، وهل يدركون أن مسعاهم لتعزيز العلمانية ليس في محاربتهم لفطرية الدين المتجذر في وجدان الناس، بل لا يعدو مسعاهم هذا سوى عملية تخريب أخلاقي؟ وهل يجرؤ الإسلاميون على القول: إن الدين كحالة إنسانية لا يجوز استثماره لحيازة السلطة وقهر البشر؟ وإن الدين كقناعة إيمانية فردية هو قرين الحرية النافية للإكراه؟. وهل يتجاوز الإسلاميون حالة الاستسلام للقناعات المسبقة التي غالباً ما أوقعتهم في سذاجة مفرطة، حين يبارك أكثرهم علمانية الدولة لدى تركيا، بينما يحرّمها على أبناء بلده؟.

ولعل التحدّي الأكبر هو أنّ الثورات الحقيقية لا تهادن الأفكار الزائفة مهما امتطّ صوت أصحابها.

مقالات مقترحة
تسجيل إصابة بفيروس كورونا في مخيم باب السلامة
بعد افتتاحه بساعات.. مركز فحص كورونا في حي المزة يغلق أبوابه
75 إصابة جديدة بـ "كورونا" في مناطق سيطرة النظام
إصدار مرئي للتنظيم المسؤول عن استهداف الدورية المشتركة على الـM4
قتلى لقوات النظام في جبل الأكراد بعد إحباط محاولة تسللهم
ضحايا مدنيون بغارات جوية على مدينة بنش شمالي إدلب (فيديو)
جيفري سيحضر اجتماع "اللجنة الدستورية" ويتحدث عن شروط لوقف "قيصر"
رايبورن: صيف قيصر سيستمر على الأسد وحلفائه حتى النهاية
حجاب ورايبورن يبحثان أفضل السبل لتطبيق قانون قيصر