الديموقراطية وعيد الحب

الديموقراطية وعيد الحب

الصورة
الكاتبة: بقيت المرأة السورية تتحمل أعباء الحياة بمفردها وتصارع الأقدار العبثية (أرشيف - إنترنت)
13 شباط 2019

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

بمناسبة عيد الحب "الفالانتاين" الذي، بفضل العولمة، لم يعد عيدًا غربيًا تنشغل به المجتمعات الغربية ويحرك الحياة الاقتصادية والاجتماعية للناس، بل أصبح، ومنذ سنوات عديدة عيدًا شبه عالمي تتلقفه جموع الشباب، وحتى الكهول في معظم أنحاء العالم.

في هذه المناسبة يحضرني واقع المرأة العربية بشكل عام، والسورية بشكل خاص، المرأة المحرومة بنسبة كبيرة من مشاعر الحب بمحاصرتها بالأعراف والتقاليد والثقافة الذكورية المتغلغلة حتى بروحها هي، التي تنكر عليها كثيرًا من أشكال الفرح، بل تفرض عليها البيئة الثقافية والاجتماعية أنواعًا عديدة من التقشف والاقتصاد حتى بكلامها.

حوصرت المرأة السورية في قوالب نمطية، قد توحي ببعض الاختلافات بحسب المنطقة التي تعيش فيها، لكنها في النهاية تشترك في بنود عريضة وأساسية تشكل هويتها الاجتماعية التي عليها التمسك بها كي تحصل على حق العيش ضمن البيئة المحيطة بها، فكيف لها أن تعيش رومنسيتها مثلاً، أو تنفتح على مكنونات نفسها وتفسح المجال لعواطفها ومشاعرها كأنثى بأن تنفلت من قمقمها وتستبيح كيانها وهي في الواقع جزء من بنيتها البيولوجية والفيزيولوجية كفرد ينتمي إلى فصيلة البشر، تحت ظل التقييد والمحاصرة وتحميلها عبء العفة والعرض والشرف؟

لم تكن المرأة في العقود السابقة على مرحلة الحراك الشعبي ثم الحرب التي استباحت الحياة في سوريا في وضع يليق بكرامتها بالرغم من كل شعارات العلمانية والتحرر والديموقراطية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية وغيرها، ولم تكن القوانين تنصفها بالرغم من طرح قضية المرأة كأولوية من أولويات النهضة المجتمعية، فلقد تكرست صورها النمطية المرسومة لها تاريخيًا بحكم العرف والدين والعادات والثقافة الموروثة، حتى في أوج النزوع إلى النهضة التي ميزت الحقبة ما بعد الاستعمار التي كانت فيها الحياة السياسية والاجتماعية جنة قياسًا بالعقود التي تلتها، عندما استولى على السلطة حزب واحد صادر المجال العام وفرد خيمته الشمولية على مفاصل الحياة كلها خاصة الفكرية والثقافية، مستندًا إلى قبضة أمنية حديدية مارست القمع وزرعت الخوف في النفوس، فأجهض كل الحركات التي كانت تحبو على طريق النهوض بالمجتمع، وطرح شعارات رنانة ما لبثت أن أفرغت من محتواها وصارت إطارات فارغة من أي معنى، فغامت المعاني كلها وضاعت دلالاتها، ومنها بشكل أساسي مفهوم المواطنة الذي يرتبط ارتباطًا عضويًا بمفهوم الدولة الحديثة التي كانت إحدى المفردات الشائعة المكررة بشكل أجوف فيما مضى.

الفرد السوري لم يرقَ إلى رتبة مواطن في ظل انتهاك حقوقه البديهية، والمرأة عانت من هذا الانتهاك مرتين

فالفرد السوري لم يرقَ إلى رتبة مواطن في ظل انتهاك حقوقه البديهية، والمرأة عانت من هذا الانتهاك مرتين، مرة كمواطنة ومرة كامرأة، وعاشت فاقدة الحرية التي يجب أن يكفلها المجتمع والقوانين، فهل بإمكان من لا يملك القدرة الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية أن يكون حرًّا؟ إن ضمان المجتمع للحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والخدمات الاجتماعية لكل المواطنين ذكورًا وإناثًا، وحق كل فرد في أن يكون له رأي بالشأن العام وفي صنع القرارات والسياسات، هي بديهيات الكرامة الإنسانية، كيف يمكن الحديث عن حقوق في ظل القهر والظلم والاستغلال والتمييز والتسلط؟ في ظل الجوع والفقر والتشريد وانعدام الفرص؟ 

وإذا كانت الحروب هي أخصب بيئة لانتهاك حقوق الإنسان بل وقتلها، فإن الحرب السورية فاقت أي حرب في التاريخ المعاصر، فهي انتهكت حقوقًا هي بالأساس منقوصة وضعيفة ومستباحة. لقد ساهم انتهاك الحقوق والتضييق على الحريات العامة والتسلط والقمع إلى زيادة سطوة الموروث والقيم والعادات والثقافة التي تدفع المرأة إلى الهامش وحرمانها من حقوقها أكثر، بل إلى عدم الاعتراف بها كفرد مساو للرجل، لا يمكن رصد فارق مهم بين وضع المرأة في الداخل السوري وفي الخارج، في مخيمات اللجوء وفي دول اللجوء الأخرى التي وصلت مجتمعاتها إلى درجة متقدمة من حيث الحقوق والمساواة بين الأفراد من دون تمييز، فمن يتابع الأفلام الوثائقية عن الحياة في المخيمات سوف يرى أي بؤس تعيشه المرأة السورية فائض عن بؤس البقية في تلك المخيمات، أي عبء تحتمله من أجل أن تدفع بالحياة بعيدًا عن الموت، حياة أبنائها وأسرتها، إنها تخلق من العدم حياة بوسائل بدائية تجاوزها العالم بقرون، ومع هذا تقاوم من أجل بقاء أبنائها وهي تدغدغ أحلامهم بالعودة أو بحياة أكثر رحمة وكرمًا، ناسية كينونتها مستبدلة مصارعة الأقدار العبثية التي تحاصرهم بأحلامها هي، بل بأبسط أحلامها. 

بقيت المرأة السورية تتحمل أعباء الحياة بمفردها وتصارع الأقدار العبثية

كذلك المرأة في الداخل السوري، تدفع فاتورة الحرب من جهة وفاتورة المحاصرة والقيد بالقيم والأعراف والموروث، وتصطدم أحلامها بالواقع الفقير بكل المعايير، حتى أحلامها بالزواج صارت جارحة في ظل تراجع عدد الشباب بعد أن حصدتهم الحرب أو دفعتهم يقارعون الموت في البحار والمحيطات أملاً بصناعة مستقبل قد يكون بعيدًا عما كانوا يحلمون، وبقيت المرأة السورية تتحمل أعباء الحياة بمفردها وتصارع الأقدار العبثية مرة أخرى، فلا الأحلام تطرق بابها ولا الواقع يعدها بحياة أكثر رحمة.

كل هذا حصل ويحصل في ظل التضليل والتعمية وصناعة وعي عام فيه كل ما يخدم الاستبداد الفكري بالدرجة الأولى، الذي يشكل حاضنة لكل أنواع الاستبداد وفساده، استبداد يصادر الوعي ويبعد أصحابه عن واقعهم وإمكانية التفكير بحلول بديلة لواقع صار يبدو لهم على أنه قدر لا محيد عنه، وأن الحياة لا يمكن أن تعاش بطريقة أخرى، وعي مدعوم بالمسلمات والمقدسات الدينية والدنيوية.

في ظل هذا الواقع المرير تمر كل مناسبات الفرح الجماعي مهما كان نوعه بالنسبة إلى المرأة السورية وكأنها لا تستحق الفرح، فكيف بمناسبة هي من الأساس مذمومة لدى جزء من المجتمع وكانت قضية إشكالية تثير السجالات الحامية في كل عام، بينما تدفعها ظروف الحرب وتقصيها أكثر عن كل ما يتصل بكينونتها. ليست وحدها بالرغم من نيلها القسط الأكبر من جور الحياة سابقًا واليوم، لكن جميع السوريين جديرون بأن يُنتشلوا من هذه الحرب أولاً، وأن تتكاتف الجهود من أجل تنقية الوعي العام مما لحق به والعمل على تكريس ثقافة حقيقية وليست شعارات خلبية عن المفاهيم المتعلقة بمعنى الديموقراطية، الضامن الأكبر والأكثر جدوى للحقوق كلها، الديموقراطية التي لا يمكن ممارستها بلا حرية، والحرية التي تتطلب ضمان الحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتعليمية وكل أسباب العيش الكريم. عندها سيكون للسوريين أعياد حبهم التي يستحقونها، أعياد تستدعي كل أشكال الاحتفاء بالحياة التي مارسها سكان هذه الأرض في أوقات ازدهارهم الضاربة في القدم. 

شارك برأيك