الديمقراطيّة والحوار المستحيل

الديمقراطيّة والحوار المستحيل

الصورة
الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف (سبوتنيك)
27 تموز 2019

محمد جمال طحان

باحث استشاري في العلوم الإنسانية

إنّ غياب الديمقراطية عن الاتحاد السوفييتي هو العامل الأوّل في سقوطه. حيث لم تكن هناك وجهة نظر خارج السلطة السياسية، أمّا الآخر فمهمَّش ولا يملك إلاّ الانصياع لأوامر الحكومة ونواهيها من دون أن يشاركها في صنع مصيره.

لقد عمل ملايين العمّال في تزيين الأنفاق بأثمن الثريّات وأكثرها إضاءة، وهم حفاة لا يملكون سوى كسرة خبز وكأس من الفودكا الرخيصة، عملوا بجد، ومات المئون منهم في حَفر تلك الأنفاق على أمل غد مشرق. تحمّلوا التقشّف والعذاب صامتين تحت سطوة ديكتاتورية البروليتاريا التي يعملون باسمها.

ولم يذهب جهدهم هباءً، لقد أثمرت مزروعاتهم دولةً عظمى، تملك العلم والتقنيّة الرفيعة، تملك الأسلحة النووية، وتضم تحت جناحها بعض دول العالم المتخلّف. وماذا بعد؟

سقط الاتحاد السوفييتي، نثرت رياح الدكتاتورية كلَّ مازرعوه.

هل باع غورباتشوف بلاده؟

هل اندفعت الصهيونية بكل ثقلها وراء ذلك؟

هل كان للمخابرات وشبكة التجسّس الأمريكية دور في ذلك؟

نعم.. ولكنّ الشيء الأساسي الذي ضرب العملاق، هو شيء من داخله. إنّه غياب الديمقراطية، فلم يسمح الكرملين لسواه بالكلام.

إنّ الرتبة العسكرية والحزبية هي التي كانت تتكلّم، في حين لم يكن يُسمح للمثقف إلا الإشادة بعَظَمة النظام.

فهل ترانا نتعلّم من التاريخ حتى لا يعيد التاريخ نفسه مرّتين؟

إنّ الرتبة العسكرية والحزبية هي التي كانت تتكلّم، في حين لم يكن يُسمح للمثقف إلا الإشادة بعَظَمة النظام.

إنه تساؤل فحسب. أمّا السؤال الذي سأبدأ بالإجابة عنه هو سؤال الدكتور حسن صعب: " متى نتحوّل من صناعة الكلمات إلى صناعة الأشياء؟" أجيب: بعد أن نصبح قادرين على نشر الكلمات التي نصنعها ونشيعها حتى تصبح فاعلة.

وإجابتي هذه توضّح أن حسن صعب أكثر تفاؤلاً مني، لماذا ؟

لأننا في العالم الثالث /النامي/ المتخلّف/ النائم مازلنا نفصّل الكلام بما يتناسب ورغبة السلطات التي نخضع لها، مما يُفقدنا ثقة الناس بنا، فلا يغدو لكلامنا أيّ أثر فاعل؛ حيث نكون مخيّرين بين الصمت أو التحوّل إلى أُجَراء للسلطة القائمة.

ولهذا لم نزل نصنع الكلمات، ونصنعها بأسلوب رديء، لأنّه لا يُسمح لسواها بالانتشار. إن غياب الديمقراطية في الوطن العربي سبب رئيس من أسباب التخلّف وتراجع مكانة الإنسان العلمية والعملية " فكيف يمكن صنع التقدّم في ظلّ بيئة تحارب الإبداع والمبدعين؟

إن ذلك لا يكون إلاّ بالحوار الديمقراطي الذي بقي مؤجَّلاً حتى الآن، فما السبب في تأجيله؟. هناك تقصير مزدوج: من السلطة ومن المثقّفين، وكلاهما مُفرَز من قِبل مجتمع متخلّف لم تتسنَّ له محاكمة نفسه ليعيد التفكير في معتقداته وأساليبه القديمة. ولأن التغيير يبدأ من الفكر، من الثقافة التي تحمل عبء تطوير المجتمع ونقده، ولا تكتفي بنقد السلطة السياسية وحسب، لأن إدانة السلطة الحاكمة تعني إدانة للمثقف الذي ينضوي تحت لوائها أو يهادنها أو يمتنع عن نقدها. كما أن على المثقف ألاّ يحمّل السلطة السياسية وحدها مسؤولية التخلف من غير أن يدين نفسه ويلاحظ تقصيره أيضاً. ومن البديهي أن إدراك الواقع المتخلّف، من دون القدرة على نقده، لا يؤدّي إلى أيّ تقدّم. فهل تراها تستجيب أطراف الحوار الأخرى لهذا النداء، لتبدأ خطوة أولى حقيقية على طريق الديمقراطية؟

وهل يستطيع المثقّف حقّاً، في بلدان العالم الثالث عموماً، وفي كثير من الأقطار العربية خصوصاً، أن ينبذ مَنْ أو ما يعوق الحوار في النظم الدكتاتورية الصريحة؟

وهل يستطيع أن ينبذ مَنْ أو ما يمسخه في النظم التي تدّعي الديمقراطية؟ وهل يستطيع أن ينبذ من أو ما يشلّه من مؤسسات الاستلاب التي تدعم النظم المتفسّخة وتعمل لحسابها لقاء تبادل مصالح مأجورة ؟

وكيف يمكن إزاحة القهر وتحرير المقهورين في مواجهة نظم لا تفتأ تبدّل استراتيجياتها كلّما استدعت ضرورة بقائها ذلك، مستندة إلى المثقّف الأجير؟

إنّ الدعوة إلى الحوار دعوة إلى الديمقراطية، ولكن ما هو موقف نظم دول العالم الثالث من الديمقراطية – الحوار؟

إنّ حكّام تلك النظم وزبانيتهم يرون أن الديمقراطية مصطلح غربي أنشأته الرأسمالية بوساطة بورجوازييها وأحزابهم، وإقامتها في مجتمع ما يتطلّب إحداث تطوّر مشابه لما حدث في الغرب. أمّا بلدان الشرق / العرب/ المسلمين، فإن أوضاعها مختلفة، فهي لم تزل تعاني من تخلّف الوعي والتقنيّة، ولم تزل تعاني من التجزئة والحروب الطائفية التي يعززها الاستعمار. وهذه البلدان تحتاج إلى التنمية أوّلاً، كما تحتاج إلى تعزيز الوطنية، وهذا لا يحدث إلاّ عبر تكثيف الجهود، وتجميد الحريّات، وبدء العمل. لذلك، فإنّ استعارة الديمقراطية – في مرحلة البناء – مضرّة بالتطور المنشود. وعبر هذه الإيديولوجية التسويغيّة التي تبرّر العنف، لصالح التنمية، صودرت الحريّات بحجّة أن الديمقراطية لا تصلح للتنمية.

ولكن ما الذي حدث؟

لم تُمارَس الديمقراطية، ولم تنجَز التنمية. بل على العكس، فقد ساعد الاستبداد على تعزيز التخلّف، لأنه لم يسمح للمثقف – صاحب الاختصاص – بالكلام. لقد عانى الاتحاد السوفييتي من مصادرة الحرية، وتقدّم بالإكراه، ولكنّه سرعان ما انهار، لأنّ الاستمرار

بالتقدم أمر غير ممكن – في القرن الحادي والعشرين – من دون حريّة.

أمّا دول العالم الثالث فإنّها حافظت على الاثنين معاً: التخلّف والاستبداد، فلا هي تقدّمت، ولا هي تمتّعت بالحريّة. وبعض تلك الدول – ومنها الوطن العربي المجزَّأ ضمن دويلات متشرذمة – فقد أدخلت – بإلحاح من جماهيرها – هيكلاً مزيّفاً للديمقراطية، بغية الحفاظ على مظهرها الحضاري الذي تدّعيه بوسائلها الإعلامية التي تعلن عن تقدّم مطّرد وازدهار مستمر، ثم بدأت بممارسة القمع باسم الديمقراطية والتقدّم، أو كما يسميه أديب إسحق: " الاستبداد في الديمقراطية " .

إنّ حكّام تلك النظم وزبانيتهم يرون أن الديمقراطية مصطلح غربي أنشأته الرأسمالية بوساطة بورجوازييها وأحزابهم

وقد ساعدت الدول الاستعمارية الجديدة النظمَ المقنَّعة لتضمن مزيداً من تخلف الدول النامية التي يرهقها الاستبداد، وكي تحقّق المزيد من الهيمنة عليها، وتؤكّد تبعيّتها. لقد وظّفت الدول العظمى حكومات العالم الثالث لصالح مخطّطاتها، وهي تعمل على إبقائها مادامت تستفيد من موارد بلدانها، سواء أكان ذلك عن طريق نهب ثرواتها وموادها الأوليّة، أم كان عن طريق خلق سوق استهلاكية لتصريف بضائعها، أم كان عن طريق ترويج سوق السلاح. ولهذا كانت، وما تزال، تعمل على بثّ الفتن لقيام حروب أهلية، وحروب بين الأشقاء، وحروب بين الدول التي تلمح فيها بوادر تقدّم قادم. وتخرج الدول العظمى، في النهاية، مستفيدة وحدها، بوساطة إيهام المتقاتلين أنّها تساند أحدهم – على أن يكون الأغنى والأضعف قوّة – مما يدفع بنظام أحد الخصوم لإباحة دولته أمام من يمنحه السلاح ويظلّله بظلّه.

وإذا توخّينا الموضوعية نلاحظ أن بعض تلك النظم أراد التخلّص من هيمنة الاستعمار وحبائله، ولكنّه فشل لسببين: الأوّل، خوفه من سقوطه إذا ما سُحب عنه الدعم الخارجي. والثاني، عدم استعانته بأهل الاختصاص من مواطنيه، مكتفياً بخبرة الأجنبي على صعيد التقنيّة، وبأهل الثقة على صعيد السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية والعسكرية. واستعراض سريع للفئة الحاكمة في العراق كفيل بإثبات ذلك، حيث لن نجد وظيفة مهمة وفاعلة – سياسياً أو ثقافياً أو عسكرياً – مسندة إلى شخص لا يمتّ إلى رئيس النظام السوري، شخصياً، بصلة. وقِس على ذلك في بلدان عربية وإفريقية كثيرة.

فمَن الذي يدعو، أو يسمح بالدعوة إلى الحوار؟

ومَن الذي يقبل، أو لا يقبل الجلوس إلى طاولة الحوار؟

من الذي يوجّه الثقافة، ومَن الذي يدعمها حين تناصره، ثم يوقف عنها الدعم – في أحسن الأحوال – ليجعلها تنهار؟ إنها النظم السياسية. والنظام السياسي لا يمكنه أن يسمح بذلك الحوار أو يدعو إليه أو يرعاه مالم يتمتّع بحدّ أدنى من سعة الأفق ليدرك المخاطر المحدقة بالعالم الثالث، ووطننا العربي – للأسف – ينتمي إليه، وكذلك النظم القائمة عليه.

والنظم العربية التي يمكنها أن تستوعب النداء إلى الحوار على امتداد الوطن العربي، وتدعمه، وتوسّع مداه، وتشترك فيه على مستوى المثقفين العرب، وتبيحه من دون خطوط حمراء أو صفراء، ومن دون أن تضع أسماء أصحابه أو المشاركين فيه على القائمة السوداء، ومن دون أن تمنع انتشاره، ومن دون أن تمنع المثقف – أيّ مثقف – من إبداء رأيه في ما يراه يصبّ في مصلحة الوطن. والنظم العربية التي ترتضي أن تستخدم (الفضائيات) بشكل نافع، لمرة واحدة على الأقل، ليتم الحوار عبرها بين الملوك والرؤساء والأمراء والقادة والحكّام العرب، وبين المثقفين العرب، وبين المثقفين والحكام العرب؛ النظم العربية التي تسمح بذلك أو تسعى إليه، هي النظم – الوحيدة – التي تبرهن على سعة أفقها، وهي الوحيدة التي ترغب في الإصلاح وتسعى إليه، وهي – الوحيدة – التي تتصف بالتسامح، وهي – الوحيدة – التي تكتب لنفسها البقاء، وتضمن أن تدخل التاريخ من باب الذين أسهموا في بناء الحضارة البشرية، لا في هدمها، لأنّها تكون قد استوعبت أن العالم يتغيّر، وأنّه ( وما كان ربّك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

فهل يبدأ الآن هذا الحوار؟

 

 

شارك برأيك