الديمقراطيّة الليبرالية كحاجة مُلحّة

تاريخ النشر: 17.12.2019 | 14:45 دمشق

آخر تحديث: 17.12.2019 | 23:02 دمشق

تعيشُ البلاد العربيّة – خاصّة في المشرق - منذ أواخر المرحلة العثمانية حالة متقلّبة مضطربة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. فلم تحظَ بفرصة حقيقيّة للتطوّر الذاتي بتلاقح طبيعي مع ثقافات وتجارب المحيط والثقافات والتجارب العالميّة الأخرى، بل وجدت نفسها في معارك مبكّرة مع الحركة القوميّة الطورانية الصاعدة التي انتهجت سياسة التتريك، وقبلها وقعت فريسة تدخّلات القناصل الغربيين في شؤون الطوائف وأتباع الأديان من غير المسلمين، ثمّ واجهت استعماراً غربياً مباشراً أنتج كياناً صهيونياً استيطانياً غاصباً، شكّل عقبة كبيرة في وجه تطوّر المجتمعات العربية. لقد كان من أهمّ مفرزات هذا الاستعمار حكم العسكر لبلادنا وقمعهم الحريات السياسية ومنع قيام الديمقراطية بحجّة محاربة الإمبريالية والصهيونية.

تكمن المشكلة الرئيسة الراهنة في بلداننا بالاستبداد الذي كتم على أنفاس الشعوب العربيّة وقيّد أفرادها وقتل روح الإبداع فيهم. لا يمكن أن تكون الديمقراطيّة مجرّد مسألة نظريّة، ولا يمكن للناس الوصول إليها إلا عبر الممارسة. فلو ذهب أي منّا إلى دورة لتعليم قيادة السيارة واقتصر التدريب على الجانب النظري، فإنه لن يتعلم ما لم ينزل إلى الشارع ويقود بنفسه. ممارسة الديمقراطية تعلّمُ الناس الحوار والنقاش، القبول والرفض، وبالتالي الاختلاف من دون إقصاءٍ أو تخوين أو تكفير. لا يمكن بناء الديمقراطيّة في ظلّ النظم الاستبدادية، لأنها لا تؤمن بها أساساً ولأنها تمنع ممارستها بالتالي. ونحن بحاجة – لتعلّم الديمقراطية - الاتفاق على مبادئها أولاً من قبل النخب السياسية والمثقّفة في المجتمع المعني، ثم ممارستها ضمن إطار نظامٍ سياسي متوافق عليه ثانياً، بعد ذلك يمكننا الحديث عن مشاركة شعبية ترسّخ هذه الديمقراطيّة كنظام حكم سياسي.

تكمن المشكلة الرئيسة الراهنة في بلداننا بالاستبداد الذي كتم على أنفاس الشعوب العربيّة وقيّد أفرادها وقتل روح الإبداع فيهم

لا تقوم الديمقراطيّة من دون مؤسسات ومن دون بيروقراطية، والأخيرة ليست شيئاً سيئاً كما نفهمها عادة، بل هي إحدى ركائز المأسسة التي راكمت الخبرات والمعارف وطرق الإدارة عند البشر عبر آلاف السنين من التطوّر والتحضّر. وتعني هذه البيروقراطيّة عموماً وجود تقاليد إداريّة عامّة لحفظ وأرشفة الوثائق والمعلومات وبالتالي الحقوق الفرديّة والجماعية، وكلّما كانت هذه التقاليد راسخة وقويّة ومستندة إلى احترام مبادئ فصل السلطات، كانت الديمقراطيّة أكثر رسوخاً وثباتاً. لقد أثبتت التجارب أنّ أوّل ما يفعله الديكتاتور عند استيلائه على السلطة هو تحطيم تقاليد الدولة ومؤسساتها، وبالتالي تشويه بيروقراطيّتها الإيجابيّة وتحويلها إلى بيروقراطيّة سلبيّة، لإلحاقها فيما بعد بأجهزته الأمنية ليصنع منها دعائم لتثبيت سيطرته على الحكم.

أهمّ مبادئ الديمقراطية احترام كرامة الناس، وبشكل خاص عدم إهانتهم وإذلالهم جسدياً ونفسياً، واحترام حقوقهم الأساسيّة في الحياة والعمل والاعتقاد والتعبير عن الرأي. كما إنّ الديمقراطية تعني التداول السلمي للسلطة السياسية، وتعني أيضاً حق اختيار الناخبين لممثليهم بالانتخاب، وحق محاسبتهم عند تقصيرهم في خدمتهم بالطرق القانونية. إنّ مبدأ فصل السلطات من أهمّ مبادئ الحكم الديمقراطي، فالسلطة السياسيّة مفصولة عن السلطة التشريعية، وكلاهما لا تتدخّلان بعمل السلطة القضائيّة التي من أولى مهامها إحقاق العدل في المجتمع، ومراقبة حسن تطبيق السلطة التنفيذية للقوانين، وحماية الدستور – من حيث هو العقد أو الوثيقة المعبّرة عن توافق إرادات المكوّنات المجتمعيّة - من التلاعب والتحريف وعدم السماح بخرقه.

من هنا يأتي الترابط بين الديمقراطيّة والليبرالية كضرورة لا غنى عنها في المجتمعات عموماً وفي مجتمعاتنا الشرقية خصوصاَ. فالديمقراطية تعني المشاركة الشعبيّة في الحياة وفي الفضاء العام، والليبرالية تعني الحقوق السياسية والمدنيّة، أي الحقوق الجماعية والفردية للناس. والترابط بينهما هو بذاته الذي يخلق جدليّة قابلة للنموّ والتطوّر في الدولة والمجتمع المعنيّين. لا يمكننا الفصل بين المفهومين في الحياة العمليّة، لأنه وإن كان كلّ منهما قد تطوّر بسياق مختلف، إلّا أنهما سارا على الدوام بمحايثة زمانيّة يكمّل أحدهما فيها الآخر. فالليبراليّة لم تكن على طول مسار تطوّرها شاملة جميع البشر، لقد كان هناك تقسيم بين أحرار وعبيد وأغنياء وفقراء ورجال ونساء، ولم يصبح نتاج التزاوج بين الليبرالية والديمقراطيّة كما نراه الآن إلّا بالتدريج وبعد الحرب العالميّة الثانية تقريباً، فلم تتمتّع الطبقة العاملة بحق الانتخاب إلا بوقت متأخر وكذلك النساء، ولم ينته التمييز العنصري في كثير من البلدان الليبرالية إلّا قبل عقود قليلة، وأميركا وجنوب إفريقيا أكبر مثال على ذلك.

بدأ مصطلح الليبرالية في التداول والانتشار مع بدايات عصر الأنوار الأوروبي من خلال الإصلاحات البرلمانية التي بدأت في إنكلترا عام 1689 ثم توسّعها بعد الثورة الفرنسية عام 1789. جاءت هذه الأفكار لتعبّر بشكل مباشر عن التحولات الفكرية والمجتمعية التي ستتمظهر في النهاية بتحولات سياسية تطول أنظمة الحكم في أوروبا ومن بعدها في أغلب دول العالم. لقد سعت الحركات الفكريّة لتغيير النظرة إلى الدولة والحاكم والشعب وتوزيع الثروات والتداخل بين الدين والسياسة.

لا يكفي أن توجد الحقوق في المجتمعات لتنعم بالحريّة والديمقراطية، بل يجب أن تكون من متوفرة للجميع، وهذا هو مبدأ المساواة الذي يشكل أحد الأركان الأساسية في دولة المواطنة. مع وجوب التأكيد على أنّ بعض الحقوق لا يمكن التمييز فيها بين البشر مطلقاً، مثل حق الحياة والحق بالتقاضي على درجات أمام القاضي الطبيعي وحق الاستعانة بمحامٍ أو حق الدفاع المقدّس، فهذه الحقوق لا مفاضلة فيها بين البشر ويتمتّع بها الفقراء والأغنياء، الكبار والصغار، الرجال والنساء، وبعضها الآخر يجب التمييز فيها بينهم مثل حق الانتخاب الذي يتمتع به المواطنون دون غيرهم من قاطني البلاد، فلا مجال هنا لإعمال مبدأ المساواة إلّا من خلال التمييز.

عاش الإنسان على الدوام ضمن مجموعات وجماعات، وتطوّرت هذه الأخيرة لتأخذ في النهاية شكل الدولة. وقد كانت الدولة عبر تطوّرها المستمر، في صراع مع البنى الأهليّة التي تطوّرت عنها والتي بقيت تقاوم نشوءها للحفاظ على كياناتها الفاعلة، فكانت تحاول دائماً إخراج الأفراد عن نطاق سيطرتها وتحكّمها، لقد كانت هذه البنى - مثل القبيلة والطائفة والجماعة الدينية - تحميهم بالنهاية من عَسْفِ الحكّام وتسلّطهم وتوفّر لهم مجال الحريّة بصفتهم أعضاء في الجماعة لا بصفتهم أفراداً، ومن هنا كان نبذُ الفرد من الجماعة أو القبيلة، هو المرادف لمسألة السجن أو تقييد الحريّة في الدولة الحديثة. فالإنسان حرٌّ فقط من خلال انتمائه الجماعي لا من خلال فرديّته المتمثّلة بالمواطنة. لقد قام تعريف الدولة الحديثة على مبدأ سيادة القانون لحماية الأفراد من عشوائيّة الإرادة السلطانية المتمثّلة بمزاج الحاكم، ثم بتنظيم الحقوق بين الأفراد وإدارتها بشكل يضمن التساوي بينهم في المكانة بغضّ النظر عن الثراء أو الأصل العرقي أو الانتماء الديني أو غيره من أشكال الانتماء الموصوفة بما قبل فكرة المواطنة.

من شروط إنجاز التحوّل الديمقراطي في البلدان المحكومة بالاستبداد، وجود إجماع على فكرة تربط السكّان بعضهم بالبعض الآخر برابطة قويّة تمنع تفكك المجتمع

من شروط إنجاز التحوّل الديمقراطي في البلدان المحكومة بالاستبداد، وجود إجماع على فكرة تربط السكّان بعضهم بالبعض الآخر برابطة قويّة تمنع تفكك المجتمع إلى طوائف أو جماعات متناحرة، وليس هناك في العصر الحديث أكبر من فكرة الدولة الجامعة. إنّ وجود هذه الرابطة المُجمع عليها يكتسب أهميّة فائقة عند التحولات الاجتماعية الكبرى مثل الثورات، وقد شاهدنا وعاصرنا تفكك المجتمعات السورية والليبية واليمنية على أسس طائفية ومناطقية وقبليّة، نظراً لانعدام الإجماع على فكرة الدولة عند اندلاع الثورات في هذه البلدان، فالنخب الحاكمة والنخب السياسية وحتى الثقافية لم تستطع أن تصل إلى تفاهمات أو مساومات وطنيّة تحفظ كيان الدولة والمجتمع، بل كانت قاصرة لدرجة أنّها لم تفكّر إلّا بالنجاح الكامل مقابل الإقصاء الكامل أو حتى السحق النهائي لباقي الأطراف. لقد كان الصراع بين الجماعات في هذه البلدان تناحرياً لا توفيقيّاً، وكان من نتيجته أن هدم الدول وفكك المجتمعات.

سيكون علينا مواصلة الكفاح من أجل الديمقراطية والليبرالية، ليس لأنهما نهاية التاريخ كما اعتقد فرانسيس فوكوياما، وليس لأنهما نظام الحُكم والقيم النهائي للبشرية المتحضّرة، بل لأنهما حاجة ملحّة في بلداننا المحكومة بالاستبداد، ولأنهما الخطوة الأولى اللازمة وغير الكافية لبناء دولة المواطنة والضرورية للبقاء والنموّ والتطوّر. هذا ما يفعله شباب وشابّات البلدان العربيّة الثائرين بوجه أنظمة الحكم الديكتاتورية، وما سينتقل إلى جميع بلداننا عاجلاً أم  آجلاً.

كلمات مفتاحية
درعا.. إجراء تسوية جديدة وإعادة نقاط عسكرية للنظام في طفس
النظام يعتقل شباناً في درعا ويستبدل حواجز الفرقة الرابعة بالأمن العسكري
الدفاع الروسية: الأوضاع باتت مستقرة جنوبي سوريا بفضل الجنود الروس
9 وفيات و1216 إصابة جديدة بكورونا شمال غربي سوريا
مناطق سيطرة النظام السوري.. 4% فقط تلقوا لقاح كورونا والإصابات تتضاعف
طبيب سوري.. متحور دلتا من كورونا يصيب الشباب بشكل أكبر