الديكتاتور السوري: "يقولون ما يشتهون وأفعل ما أشتهي"

تاريخ النشر: 30.03.2022 | 06:34 دمشق

الديكتاتور، بطبيعة الحال، لا يحب الناصحين، لأنّه ينظر إلى السلطة بوصفها غاية لا وسيلة، كما يقول جورج أورويل، الذي يضيف: "لا أحد يؤسس دكتاتورية ليحافظ على ثورة، بل يصنع الثورة ليؤسس دكتاتورية". وكثيراً ما تنسجم تصرفات الطغاة مع هذه الرؤية، إذ ادعى هتلر يوماً أنّ اليهود كانوا يحاولون امتصاص دم ألمانيا. ترامب أكد أنّ المهاجرين المسلمين والمكسيكيين يهدّدون الشعب الأميركي اجتماعياً واقتصادياً. السيسي جزم أنّ "الإخوان المسلمون" إرهابيون ويريدون بيع السويس وسيناء لقوى أجنبية.

غاية الأمر في هذا المقام القول إنهم رجال واضحو النوايا، سعوا للحفاظ على حكوماتهم ومكتسباتهم من خلال التجسيد الحيّ لقدرة البشر على ارتكاب الشرور في أقسى صورها. في المقابل استندت صورة حامل الأمل لطبيب عيون متدرب في الغرب إلى سوء فهم كبير، فقد افترض العديد من السوريين والسياسيين الغربيين أيضاً، أنّ أيّ شخص مهتم بالحواسيب والإنترنت وتلقى تعليمه في إنجلترا سيصلح البلاد. هو الذي أدرك منذ البداية، والحديث عن الديكتاتور السوري، أنّ قبضته على السلطة ستستمر فقط إذا ظلّت الجماهير "مغيّبة" عن واقعها، فلجأ إلى تضليلها وتجهيلها بسياسة خبيثة، تدعمها ماكينة دعاية ضخمة تجعل أمة القطيع ذات الثغاء المتفرق، أكثر تجانساً وأسلس قيادة. وكلّ ما نراه من هزائم سورية ما هو إلاّ منتجات رديئة وانعكاسات طبيعية لآلية عمل النظام المتهتك بنيوياً والمفلس وظيفياً. الموغل في الشعارات الجوفاء والوعود الرعناء التي لا تنكأ جرحاً ولا ترفع ضُرّاً. ولأنّ عطبه بنيوي وليس شكلياً، تساعد الأسد تشوهاتٌ كامنة وظاهرة في منظومة الحكم كي يجلس ألف عام على كرسي الرئاسة ودون أن يتخشب!.

خلال السنوات الأربع الماضية أُنجز ما يقرب من ألف عملية هدم في مختلف أنحاء سوريا، تحت بند "إزالة العبوات الناسفة التي خلّفتها الجماعات الإرهابية"

"ولو بعد حين".. بالتأكيد عبارة تؤرق الأسد وتقض مضجعه، فهو يعلم تماماً أن العدالة قادمة لا محالة، لذا يعيش في سجنٍ هو جلده، تسيطر عليه بارانويا قاتلة تدفعه لارتكاب شتى أنواع الجرائم والتجاوزات الإنسانية، بينما لا يتوانى عن تصفية ذلك المواطن البائس الذي يذكّره بطغيانه ضمن متوالية غصبٍ واحتلال تقضم الأرض، وتنتهك التاريخ، وتعتدي على المقدّسات. ولعلّ أدل مثال على ذلك بروز مصطلح "التغيير الديموغرافي" من خلال ما يحدث الآن في سوريا، عبر كثير من الممارسات القمعية التي تعرّض لها السكان الأصليون بشكل منهجي، لمحاولة اقتلاعهم من بيوتهم وأراضيهم من قبل النظام السوري والميليشيات المتحالفة معه. إذ لم يتوانَ بشار الأسد عن استخدام نغمة "إعادة الإعمار" لإحداث التغيير الديموغرافي، عبر مراسيم وقوانين رأسية، إذ وقَّع في أيلول/سبتمبر عام 2012 المرسوم التشريعي رقم /66/، القاضي بـ"تنظيم وتحديث مناطق السكن العشوائي وغير المصرَّح به". وعلى أساس هذا المرسوم أعلن النظام قراره بتدمير ومصادرة منطقتين كبيرتين في العاصمة دمشق، معروفتين بمناصرتهما للمعارضة: الأولى خلف مستشفى الرازي، والثانية على الضفة الجنوبية من العاصمة السورية بجانب حيّ القدم. والحقيقة أنه خلال السنوات الأربع الماضية أُنجز ما يقرب من ألف عملية هدم في مختلف أنحاء سوريا، تحت بند "إزالة العبوات الناسفة التي خلّفتها الجماعات الإرهابية".

تحقيقٌ أجرته عدّة مؤسسات إعلامية مؤخراً، من بينها صحيفة "غارديان" البريطانية، قام بكشف هذه الخطة الخبيثة والتأكيد على أنّ حكومة الأسد تتعمد هدم أحياء بدمشق كانت تسيطر عليها المعارضة، وذلك بذريعة إزالة الألغام، وإفساح المجال لما يسمونه "سوريا الجديدة"، من تطويرات المباني الجديدة الراقية والحدائق البكر. وأكد التقرير أنّ حيّ القابون وهو إحدى ضواحي دمشق التي قاومت نظام الأسد لسنوات، تعرّض لهدم شبه كامل، فيما كان مصير الأهالي إما نازحين في الجوار أو لاجئين في الخارج.

ولم يتوقف الأمر هنا، ذلك أنّ الاحتلال الغاصب والاستبداد الطاغي ملّة واحدة، بل هما يقومان على قاعدة حلف غير بريء فالنظام السوري الذي تطاول على قداسة الأرض لا يوفر أيّ فرصة للتطاول على حرمة التاريخ. ومعروف للجميع أنه وبعد الثورة السورية عدّلت حكومة الأسد معظم المناهج في المستويات التعليمية، بما يلائم فلسفة النظام السياسية الاستبدادية، وليس أفظع جرائمها وصم المتظاهرين من أجل الحرية والكرامة بـ"الإرهابيين وعملاء المؤامرة الإمبريالية الكونية".

عموماً التعلّم النشط في سوريا أمر نادر الحدوث، بينما لا يتم تشجيع الطلاب على التفكير التحليلي أو النقدي، بل يُجبَرون على حفظ الحقائق المشوّهة عن ظهر قلب، ليجترّوها في الامتحانات من دون تطبيق أيّ معلومة أو حتى دمجها في خبرات ملائمة وهادفة. ووسط هذه البيئة المتخمة بمناخ الرداءة واللا فعالية تحدّث رأس النظام السوري، خلال كلمة له ألقاها في عيد المعلم مؤخراً، عن ضرورة ربط التعليم بين المنهاج والدروس المستفادة من كل "المفاصل الوطنية" التي مرّت بها سوريا. مؤكداً في تصريح غريب "أنّ أهم مرحلة تعني هذا الجيل اليوم بشكل واقعي هي مرحلة الإخوان المسلمون في الثمانينيات عندما قاموا بعمليات إرهابية، لأن تلك المرحلة هي التي أسست للحرب التي نتعرض لها اليوم".

لا شكّ أنّ واحدة من أكبر اللعنات التي ابتلي بها الشعب السوري تسلّط الأسد وتصرفه على هواه، وكأنّ البلاد مزرعة شخصية

وتساءل عن "كيفية تكوّن وعي وطني لدى الطالب، دون مشاركته في التجارب الوطنية، ودون أن يعرف ما العلاقة بين هذه الحرب وتلك الحرب التي شُنّت في الثمانينيات". وشدّد الأسد، في إشارة غير بريئة على الإطلاق، على عدم ذكر فترة الثمانينيات في سوريا على الرغم من تغطية كلّ الأحداث التاريخية بدءاً من الآكاديين والآشوريين وانتهاء بخروج المستعمر الفرنسي. جديرٌ ذكره أنه في عام 2021، أعلن، دارم الطباع، وزير التربية في حكومة النظام السوري بدء الوزارة بالعمل على برنامج تحت مسمّى "أسباب الحرب على سوريا"، وأكد أنه سيدخل منهاج التعليم خلال عام 2022.

لا شكّ أنّ واحدة من أكبر اللعنات التي ابتلي بها الشعب السوري تسلّط الأسد وتصرفه على هواه، وكأنّ البلاد مزرعة شخصية، يبدو الحاكم فيها وكأنه من غير جنس الرعية: "دجاج كثير وديك واحد"، إن ساغ هذا التعبير. أما النظام السوري الذي لا يقبل الانتقاد ليصحح اختلالاته الوظيفية فمصاب بمتلازمة "تضخم الأنا السلطوي" التي كانت مقدمة مَرضيّة لحصول الانسداد السياسي، وفَقْدِ الفعالية اللازمة للتجاوب مع تحديات الحاضر ورهانات المستقبل.

بالتأكيد.. "السلطة المطلقة مَفسدة مطلقة"، كما قال المؤرخ البريطاني اللورد آكتن في القرن التاسع عشر، في المقابل من ظنّ أن الطاغية لا يتزعزع حكمه ولا يموت، لم يكن مسحوراً، بل كان هناك الخوف، وعندما تبخر الخوف انهار الصرح بأكمله. نافل القول إنّ "الظلم والطغيان مؤذن بخراب العمران"، فالسنن الكونية لا تحابي أحداً، ولنا في ذلك أمثلة حيّة عبر التاريخ، ابتداء بستالين وموسوليني وتيتو وشاوشيسكو وموبوتو، وليس نهاية بالقذافي وصدام حسين. طغاة حفروا قبورهم بأيديهم عندما تبنّوا مقولة الإمبراطور فردريك الذي كان يُوصف على أنه يميل إلى العلم والأدب عندما أوشك على الاتفاق مع فولتير على جملة من الأشياء التي تعزّز الحكم الرشيد. وعندما مات إمبراطور النمسا، جهز فرديريك جيشه للعدوان عليها وكتب إلى فولتير مقولته الشهيرة: "لقد انتهيت أنا وشعبي إلى اتفاق يرضينا جميعاً يقولون ما يشتهون وأفعل ما أشتهي".

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار