الديانة الإيزيدية: عقودٌ من الإبادة والهجرة المُستمرة

تاريخ النشر: 09.10.2018 | 16:10 دمشق

همبرفان كوسه - تلفزيون سوريا

لجأت هيفين (اسم مُستعار)، وهي فتاة كُرديّة إيزيديّة مع أهلها إلى ريف حلب الشمالي (مناطق الشهباء)، ومنها إلى مدينة عين العرب (كوباني)، هرباً من مقاتلي فصائل المعارضة الّذين دخلوا قريتها بعد انسحاب "وحدات حماية الشعب" منها، في ريف مدينة عفرين؛ حيثُ تقول، إنّ: "فصائل المُعارضة بعد أن دخلت قريتنا والقُرى المجاورة، فرضت علينا شروط دينيّة، وخرّبت مزاراتنا الدينيّة، واعتدت على أغلب مسني القريّة، حتى إنّهم وصفونا بالكُفار أكثر من مرة".

 

انتهاكات سابقة

في شهر تشرين الأوّل من عام 2012، هاجمت فصائِل "متشددة" قريّة قسطل جندو، والّتي يقطنها الكُرد الإيزيديون، بريف مدينة عفرين، واعتدت على نساء ورجال القريّة وطالبوهم بتغيير مُعتقدهم الدينيّ، قبل أن تنسحب الفصائل نحو مدينة إعزاز.

كذلك، في نهاية شهر كانون الأوّل من عام 2013، بعد أن تمكّن تنظيم ما يُعرف بالدولة الإسلاميّة على مدينة إعزاز، بريف محافظة حلب، هاجم التنظيم قريّة علي قينو الكُرديّة الإيزيديّة، وهجّر سُكانها، وخطف عدداً آخر، ولا يزال مصيرهم مجهول إلى الآن، واُجبِر الكثير منهم على تغيير مُعتقدهم الدينيّ بالإكراه.

وتتواجد في منطقة عفرين غالبية المزارات الدينيّة المقدسة للكُرد الإيزيديين؛ حيث إنّ فيها "زيارة الشيخ بركات، زيارة ملك آدي، زيارة الشيخ ركاب، زيارة جيل خانه، زيارة بارسه خاتون، زيارة شيخ حميد، زيارة منان، زيارة شيخ قصب"، ويُمارس فيها الإيزيديون شعائرهم الدينيّة وطقوسهم، كما أنّهم يقومون بإشعال الشموع في هذه المزارات في ليلتَي الأربعاء والجمعة.

ودمّرت فصائل من المعارضة عدد من المزارات الإيزيديّة أثناء دخولها إلى منطقة عفرين، واعتقلت عدداً من معتنقي تِلك الديانة، وفرّت غالبية العوائل الكُردية الإيزيديّة من المنطقة بسبب محاولة الفصائل المتشددة تغيير معتقداتهم الدينيّة بالإكراه.

 

20 قرية إيزيدية في عفرين

وتقدر أعداد الكُرد الإيزيديين في مدينة عفرين وريفها بالآلاف، هاجر قسم كبير منهم إلى أوروبا منذ الثمانينيات، ويقطنُ أغلبهم في الريف والمناطق الجبليّة. كما إن طقوسهم الدينيّة وأعيادهم تشبه الإسلام والمسيحيّة، ومن الأمثلة حول ذلك، عيد القُربان، وتاريخه في أوّل أيام عيد الأضحى عند المُسلمين، ويقومون هُم أيضاً بذبح قرابين في العيد، وتسمية القُربان جاءت من ذلك، كذلك عيد خضر إلياس، ويتشابهون في هذا العيد مع المسيحيين الّذين يحتفلون به أيضاً.

فيما تبلغ عدد القُرى الّتي يقطنها الإيزيديون في ريف مدينة عفرين، (20) قريّة، منها قريّة قسطل جندو، الّتي صوّر فيها مقاتلون من المعارضة مشهداً مصوّراً أثناء السيطرة عليها، وهم يقومون بكسر محتويات محل لبيع المشروبات الروحيّة، مرددين شعارات تصف الإيزيديين بـ الخنازير، ومتوعدين بمحاسبتهم.

وبدوره، يقول الشاعر الكُردي الإيزيدي، سيدو رشيد، وهو من مدينة عفرين، ويعيش في ألمانيا منذ سنوات، إنّ: "المُشكلة الكُردية الإيزيدية كانت مشتركة في سوريا والعِراق وتركيا، وكانت متعلقة بالنظرة الدينية الّتي يتم مواجهتهم بها من قبل أقرانهم من المسلمين، ولذلك كان يشعر الكُردي الإيزيدي بشكلٍ مستمر بعدم راحة واستقرار، وكانت مخاوفه مستمرة حول احتمالية وجود إبادة مجددة لهم".

ويضيف: "في أغلب الأوقات لم يكن يتجرأ الكُردي الإيزيدي على إخبار صديقه أو من يكون معه في الجامعة والمدرسة والمدينة بأنّه إيزيدي الديانة، وكان الخوف جزء من شخصيته، ومن كان يعترف بديانته كان بعد حصوله على الثقة التامة من الشخص المقابل له وتوجهاته الدينية".

ويُفيد سِيدو إنّ أعداداً واسعة من الكُرد الإيزيديين الّذين وصلوا إلى أوربا مايزالون يتخوّفون من الإعلان بشكلٍ صريح عن ديانتهم، للأسبابِ ذاتها، وخوفاً من أيّ هجمة من قبل شخص راديكالي عليهم.

 

بقي رُبع عددهم

وكانت مُنظمة "يزدا" وهي مُنظمة إيزيديّة دوليّة، غير ربحيّة، تُعنى بالدفاع عن حقوق المنتمين إلى الديانة الإيزيديّة قد أصدرت بياناً، بيّنت فيها مخاوفها من عمليات الإبادة الدينيّة والتصفية بحقّ الإيزيديين المتواجدين في منطقة عفرين، خاصة بعد أن دمّر عناصر من المعارضة عدد من المزارات الدينيّة، وصوّروا مشاهد مصوّرة يسخرون فيها من كبار السن الإيزيديين بأسئلة عن الدين الإسلاميّ.

فقد صرّحت المنظمة، إنّ: "عدد الإيزيديين تراجع من 90 ألفاً إلى أقل من 15 ألفاً فقط، بعد أنْ تعرّضوا لعمليات استهداف وتهجير قسريّ. وإنّ هذه العمليّة العسكريّة تضع حياة هؤلاء المتبقين في خطر أيضاً، ستكون لها نتائج مأسويّة للمجتمع الإيزيدي في سوريا".

ويشير الشاعر الإيزيدي إنّ الإيزيديين كانوا يتلقّون معاناة إضافيّة، لأنّهم كانوا كُرداً وإيزيديين، وهذا ما ضاعف من معاناتهم القومية والدينية بشكلٍ مشترك في سوريا وحتى في العِراق وتركيا.

 

وتبلغ عدد القُرى الكُرديّة الإيزيديّة في محافظة الحسكة (25) قريّة، تتوزّع في ريف مدينة الحسكةِ الشماليّ، وريف بلدة عامودا، وريف مدينة رأس العين/سري كانييه، وريف بلدة القحطانيّة/تربة سبيه.

إلى ذلك، لا توجدُ احصائيّة رسميّة من دوائِر النفوس في سوريّا حول أعداد الكُرد الإيزيديين في محافظة الحسكة. لكن، مصادر مِن المراكز المجتمعيّة والسياسيّة للكُرد الإيزيديين كانت تقدّر أعدادهم بأكثر من (30) ألف نسمة، ولا تشملُ هذه الأرقام الإيزيديين المُهاجرين إلى الدول الأوربيّة، وتحديداً ألمانيا، قبل عشرات السنين، ولم يقوموا بتسجيل أبناءهم الجُدد في سجلات النفوس في محافظة الحسكة، وهؤلاء لا يُمكن تحديد أعدادهم، لغياب الدوائِر السوريّة والقنصليات والسفارات حالياً، ولم يكُن هناك اهتمام في السابق.

ويعزو الإعلامي الإيزيدي، جابر جندو، وهو من مدينة عامودا، بريف محافظة الحسكة، بقاءه في قريته إلى رغبته في استكمال دراسته، ويقول إنّه: "كنا قد اتخذنا قرار اً مع والدي وإخواني بعدم الهجرة مهما كانت النتائج والمخاوف على بقائنا مع بداية الاحداث، والبيئة الاجتماعية هي التي جعلتني مرتبط بعامودا بجميع مكوناتها، الأصدقاء، الجيران، كنا نشعر باحترام مميز".

 

مستقبلهم في المنطقة

وفي الغالب، لم يبق أكثر من ألف إلى ألفي كُردي إيزيدي في محافظة الحسكة، بعد هجمات تنظيم ما يُعرف بالدولة الإسلاميّة على ريف المُحافظة، وتهديدهم بمصيرٍ مُشابه لمصير الكُرد الإيزيديين في مدينة شنكال بالعراق.

وبخصوص الهجرة الإيزيديّة، يبيّن جندو إنّ لها أسباب مختلفة منها إنّ: "قبل الحرب، المخاوف كانت متعلقة بالفقر في بعض المناطق والحاجة إلى السفر للمعيشة لأن معظم الايزيديين كانوا يعملون في الزراعة، كما إنّ أعداداً كبيرة من الايزيديين لم يكونوا يتمتعون بالجنسية السورية وهذا ما شكل لهم مصاعب في الدراسة وغيرها".

ويوضّح الإعلامي الإيزيدي، إنّه: "بعد الحرب كانت هناك مخاوف كثيرة حول مستقبلنا خاصة بعد أن ظهرت مجاميع تحمل فكراً متشدداً، ومهاجمتهم لمناطق إيزيدية مثل سري كانية وعفرين ومناطق الحسكة".

هذا وزادت مخاوف الإيزيديين وهجرتهم في أماكن انتشارهم في سوريا والعِراق وتُركيا، بعد أن هاجم تنظيم ما يُعرف بالدولة الإسلاميّة، مدينة شنكال، ذات الغالبيّة السُكانية الكُردية الإيزيديّة، في يوم 8 أغسطس/أب من عام 2014، وخطف أكثر من 2300 امرأة وطفل إيزيدي، استخدمهم كـ "سبايا" في الرقة ودير الزور والباب والطبقة ومناطق من العِراق.

شكّلت قضيّة الهجرة المستمرة للكُرد الإيزيديين من سوريّا، واحِدة من أكثر القضايا المجتمعية والسياسيّة تأثيراً على التركيبة السُكانيّة لمناطق انتشار الإيزيديين، وعلى تعاطي السُلطات المتعاقبة على سوريّا، والذائقة الجمعيّة للسوريين مع الأقليّة الدينيّة الروحيّة؛ زادَت عمليات الإبادة الدينيّة بحقّهم من قبل تنظيم ما يُعرف بالدولة الإسلاميّة، وفصائل إسلاميّة مُتشددة، في الجزيرة وعفرين ومناطق من ريف حلب، المسألة تعقيداً إضافيّاً، دون رادعِ قانونيّ ودستوريّ، وشريحة واسعة من المُجتمع، ولا يبدو أنّ المستقبل القريب يملكُ حلّاً لإعادة الإيزيديين الأصلاء في أرضِهم إلى دياريهم، أو خلق قوانين عصريّة تحمي وجودهم التاريخيّ، وتسمحُ لهم بممارسة شرائعهم الدينيّة وفقاً لأصول ديانتهم.

مقالات مقترحة
موقع تلفزيون سوريا.. قصة نجاح لسلطة الصحافة في حقول من الألغام
"تلفزيون سوريا" يمضي لعامه الرابع بمؤسسة محترفة ومحتوى متميز
استطلاع آراء.. تلفزيون سوريا بعيون السوريين في الداخل
إصابتان بفيروس كورونا في مخيم العريشة جنوبي الحسكة
إغلاق كورونا يكبّد تجارة التجزئة في ألمانيا خسائر كبيرة
الصحة السعودية: لقاح "كورونا" شرط رئيسي لأداء فريضة الحج