الدول العربية أول من اغتال فكرة "إسقاط الأنظمة على يد الثورات"

الدول العربية أول من اغتال فكرة "إسقاط الأنظمة على يد الثورات"

الصورة
25 حزيران 2018

صدرت ثورات الربيع العربي في عهد الدكتاتوريات القاتمة، مفاهيماً ودوافعاً متعددة للشعوب العربية المتعطشة للانتقال من حالة التهميش إلى التأثير، ونتيجة لكثرة الأنظمة الآفلة في وطننا الكبير، عملت أذرع القمع على تأديب شعوبها بالسوريين، ناحرة بذلك شرارة أو فكرة أي ثورة جديدة كبداية أولى، لعلم سوادها الأعظم بأنها غير محصنة داخلياً ضد الزلازل الشعبية، وتقطن فوق جبال من الفساد والتهميش، فكان السبيل الأوحد لذلك الجد والاجتهاد في تحويل الربيع إلى خريف كالح.

الحماس الزائد والإفراط بكلمات المديح، تجاه سيل الثورات من قبل بعض سادات العرب، كان مظهره جميلاً لكن مذاقه علقماً، أما باطنه فكان امتصاصاً مرحلي لغضب الشارع، ريثما يتم تفادي الصدمات المتتالية، ثم الانتقال من الكلام المعسول إلى الفعل المشؤول بتحويل أحلام التحرر والحرية إلى كوابيس، والثورات لفوضى، واضعة في سبيل تحقيق ذلك كافة إمكانيتها، لتكشف لنا الأيام أن الدول العربية أول من سعى خلف اغتيال فكرة "إسقاط الأنظمة على يد الثورات".

سوريا، كانت أكثر الساحات التي تمت فيها فرملة الفكرة القائمة على إن الثورات قادرة على التغيير، ومن ثم عاد المشهد بصورة لا تقل ضجيجاً في مصر بإعادة حكم العسكر، ومؤخراً دخلت تونس ذات المعاناة، ولعل السنوات العجاف التي خلت في سوريا، وما تخللها من فظاعات ارتكبت بحق السوريين، كانت انعكاساً واقعياً لمحاربة تلك الفكرة على يد الأنظمة العربية المتوجسة من وصول رياح الثورات إلى عروشها، فتلك الدول بذخت المال وجارت في السياسة وأكثرت التآمر لقهر شعوب تغنت يوماً بالحرية.

توتر أباطرة الفساد من شعوبها، ازداد كثيراً بعد طي سجلات الرئيسين مبارك والقذافي، رغم تمتع كل منهما بحصانة ورعاية دوليتين لأبعد الحدود، ومع اندلاع الثورة في سوريا، رغم يقين الأسد بأن الإرهاب الممارس على السوريين لعقود طويلة على كافة مستويات الحياة في البلاد، كان كفيلاً بإحباط أي فكرة انتفاضة شعبية فيها، بدت الحاجة ماسة أكثر من قبل تلك الأنظمة التي تعرف من ذاتها بأن الغرب لم يتحرك لإنقاذ أشقائهم الديكتاتوريين، وبالتالي فلا درع حامي لأي منهم، ومن هنا بدأت اللعبة الدموية لإيقاف تمدد الربيع مهما كلف الثمن، وهنا لا يخفى على أحد موافقة الدول صانعة القرار الدولي على هذا المشروع، مقابل حصولها على الكثير من العطايا والمزايا الإضافية.

عرقلة نجاح الثورة السورية من قبل المحور القمعي لأحلام السوريين والشعوب المضطهدة، كان عبر أدوات وأساليب خبيثة أحياناً وبمنتهى القذارة بأحيان أخرى، منها العسكري والسياسي والإغاثي والإعلامي.

يبطل العجب عند مشاهدة ماهية الطرق التي سلكتها أنظمة مكافحة الربيع العربي في سوريا، وعبر دماء السوريين، فتشير المعطيات والتوجهات لذودها بالغالي والنفيس أمام ضامن مصيرهم الغربي، لتأييد فكرة الثورات المضاد، والتي كان محورها إعادة الأمور لنصابها، وبتر الربيع العربي في سوريا، قبل وصوله لمرحلة النجاح.

عرقلة نجاح الثورة السورية من قبل المحور القمعي لأحلام السوريين والشعوب المضطهدة، كان عبر أدوات وأساليب خبيثة أحياناً وبمنتهى القذارة بأحيان أخرى، منها العسكري والسياسي والإغاثي والإعلامي، وغيرهم الكثير، إلا أن أكثرها ضنكاً كان العسكري والسياسي، على اعتبار أن كليهما يشكل جسراً لبناء قوة فعلية تؤسس لنظام جديد في البلاد.

تقويض السوريين عن الحياة السياسية في البلاد لعقود طويلة خلت، من قبل النظام السوري، استغلته أيضاً الأنظمة الراغبة بقتل الحلم السوري، ووضع نهاية لثورات الربيع العربي، فكان ذلك طريقاً لها لتقسيم الثورة وتشتيت أهدافها، ودفعها نحو مسارات مخطئة يستفاد منها الجميع ولا يجني أصحاب القضية سوى الدماء والتهجير.

على الشق العسكري، حبست تلك الدول، التشكيلات العسكرية في سوريا داخل أعمدة الدعم والتوجهات، حتى بات كل تشكيل مسلح يُعرف بصفته التبعية لا بصفته الثورة الوطنية التي تسلح من أجلها، وهذا الجانب كان قاسياً شاقاً على السوريين الذي بحت حناجرهم وهم يطالبون تلك الفصائل بالتوحد، ولكن رغم مرور هذه السنوات لم ينصهر فصيلان بمدينة واحدة تحت راية واحدة مؤثرة، رغم تبني كليهما لذات الأهداف ظاهرياً.

تحزيب التشكيلات العسكرية تحت بوتقة الدعم المقدم من الأنظمة العربية الراغبة بإيقاف نجاحات الربيع العربي عند الحدود السورية، نجحت بتقسيم الثورة المسلحة بل وجعل أبناء المدينة الواحدة فراعنة على بعضهم البعض، وخلقت بينهم عداوات أدت لجولات اقتتال دامية، حولت الإخوة لأعداء.

سياسياً، بدا الأمر أكثر وضوحاً، مع قصم ظهر المعارضة السياسية، وفرزها بين الدول، وأصبح كل سياسي مطواعاً للبلد الذي يقطنه، والتلاعب كان أكبر مع إعلان الأجسام السياسية للمعارضة، التي تم تقديم الكثير من الوعود الكاذبة لها، ومع كل مرة كان يبدو بأن الأنظمة العربية والدول صانعة القرار، يقتربان أكثر فأكثر من تمزيق الثورة في سوريا، بشقيها السياسي والعسكري.

تسميم الثورة في سوريا، وإراقة دماء مئات الآلاف، من قبل النظام وغيره من القوى الموالية له، كان رغبة عربية قبل أن يكون مشروعاً إيرانياً أو مخططاً غربياً، فكيف بأنظمة صدعت رؤوسنا بأنها تحارب إيران، تمنع تشكيل عسكري من دخول العاصمة دمشق؟ وتحظر المضادات الجوية عنه، ولم تقدم له أي دعم دولي حقيقي؟ حتى وصل الحال ببعضها بأن تدفع أموالاً طائلة لبعض التشكيلات مقابل تجميد جبهاتها والمراوحة في المكان.

ليست الجيوش من تحمي الأنظمة العبثية من شعوبها، وهذا ما أكدته غالبية ثورات الربيع العربي، بل من يحميها، هي الدول العملاقة "حيتان الاقتصاد والسلاح"، ولعل جيش الأسد خير مثال، فهو جيش مؤدلج ومسير بأوامر طائفة واحدة، ورغم إمكاناته العملاقة في القتل والإبادة، لم يكن ليفعل شيء لولا أن الدول الكبرى ومن خلفها بعض أنظمة القمع العربي، مقابل حصول عمالقة العالم على صفقات مالية خيالية، وجني الأنظمة المحلية لديمومة في الحكم.

فما بالكم بدول عربية تريد للثورة السورية الانتصار، وهي تنتهج سياسة عدوانية تجاههم؟ فيقوم هذا بزيارات لمواقع ميليشيات انفصالية في سوريا تدعمها قوى دولية، وآخر لم تطأ قدماه موقعاً واحداً لتشكيل عسكري دعموه لسنوات؟، وكذلك لم تقم وفدا رسميا أو غير رسمي من هذه الدولة أو تلك بزيارة واحدة إلى منطقة سورية محررة؟ وأنظمة أخرى تقوم بتقوية بمحاربة جسم سياسي سوري معارض، كونه مدعوم من دولة شقيقة أخرى؟

دعوا عنكم الحالة المأساوية التي وصلت إليها الحالة السورية، وتذكروا بأن أي طرف من الأطراف المشاركة في عملية اغتيال التحرر الوطني للسوريين لم تنجح بنيل مبتغاه رغم الحصاد الدموي، ولعل الدروس القاسية التي يعيشها السوريون بحاضرهم، ستكون نواة لولادة مشروعهم الوطني الجامع لكافة مكونات السوريين.

شارك برأيك