في الواقع، فإن عملية الانسحاب الأميركي من سوريا تمثل تحوّل التركيز من الوجود المباشر والخطر على الأرض إلى القدرة على التأثير عن بُعد، مع الاستفادة من التحالفات الإقليمية والقدرات الجوية والاستخباراتية والتنسيق الأمني لمراقبة التهديدات المحتملة لفلول "تنظيم الدولة" (داعش)، والمخاطر الإرهابية المتعددة الأخرى. وعليه، وبعد سقوط نظام الأسد، فقد أنهت الولايات المتحدة، منذ عدة أشهر تقريباً، وجودها العسكري المباشر في سوريا، بعد أن سلمت كافة قواعدها العسكرية للدولة السورية، واتخاذها إجراءات احترازية تمثلت في نقل غالبية معتقلي التنظيم الخطرين إلى العراق. ولكن، ورغم هذا الانسحاب المنظم، فإن جهود واشنطن الاستخباراتية والعسكرية المشتركة مع الدولة السورية لم تتوقف، والهدف هو متابعة وملاحقة خلايا وفلول التنظيم، والتضييق عليهم، والحد من تحركاتهم ونشاطاتهم المهددة لأمن واستقرار سوريا ودول كثيرة في المنطقة والعالم.
في الواقع، ومن خلال المتابعة والرصد، فمن الواضح أن واشنطن، التي تترأس بدورها التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، لا تزال تتعامل مع مسألة "داعش" كملف استراتيجي مهم، ومفتوح على احتمالات عديدة، والقيادة المركزية الأميركية مستمرة، كما يبدو، ولوقت طويل قادم، في القيام بنشاطات عسكرية متنوعة ضد خلايا التنظيم، كتنفيذ الإنزالات المفاجئة، وشن الضربات الجوية الخاطفة بالطيران الحربي والمسيّر، وتنفيذ الاستهدافات المباشرة للأماكن المفترضة للتنظيم وقياداته، وملاحقتهم داخل الأراضي السورية.
وهذا ما حدث، ولا يزال يحدث بالفعل، من خلال عشرات الضربات والعمليات الجوية التي تمت خلال الفترات السابقة، والتي كان بعضها بالمشاركة مع أجهزة الدولة السورية العسكرية والأمنية المختصة، بعد أن رفعت واشنطن أخيراً غطاءها عن "قوات سوريا الديمقارطية" (قسد) كشريك في حربها على الإرهاب.
من جانب آخر، فإن واشنطن، وبُعيد انتهاء حقبة نظام الأسد، اتجهت بشكل أو بآخر، إلى التقارب اللافت والسريع مع الدولة السورية، من خلال لقاءات الرئيس دونالد ترمب الأربعة مع الرئيس أحمد الشرع، والتي كان آخرها منذ أيام في أنقرة، على هامش اجتماعات حلف الناتو، ناهيك عن الإجراءات الإيجابية العديدة التي اتخذتها الإدارة الأميركية لصالح دمشق، ومنها البدء بإجراءات إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، إلى جانب إصدار أوامر تنفيذية برفع معظم العقوبات الاقتصادية عنها.
وقد جاءت هذه الخطوات كلها استجابةً للتغييرات السياسية الحاصلة في البلاد، والإجراءات الحقيقية لمكافحة الإرهاب التي تبنتها الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس الشرع، وانضمام الدولة السورية فعلياً إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، لتصبح الدولة رقم 90 فيه، مع تأكيدات الخارجية السورية لواشنطن تجديد التزام الدولة السورية الراسخ والثابت بقضية مكافحة "داعش"، وضمان عدم إبقاء أي ملاذات آمنة ممكنة له في البلاد.
ويأتي ذلك مترافقاً مع تشديد دمشق على ضرورة دعم الولايات المتحدة والدول الأعضاء في التحالف الدولي جهودها المتقدمة في مكافحة التنظيم والإرهاب. وبناءً عليه، فإن ذلك يعني ولادة تنسيق وتعاون أمني متقدم وغير مسبوق، وقابل للتعزيز والتطوير، بين دمشق وواشنطن في مجالات عدة، أهمها مواجهة خلايا "داعش" وقياداته، وتنظيمات أخرى لا تزال تتخذ من الأراضي السورية قواعد وجغرافيا مفضلةً لنشاطاتها الإرهابية.
واشنطن وسياسة توزيع الأدوار
لا تزال واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها، وترسم خريطة حلفائها في قتال تنظيم "داعش"، فهي، وبشكل مطلق، لا تريد أن تتحمل كلفة إضافية لبقاء غير مجدٍ ومكلف لها على الأرض، بل تريد إيكال المهام إلى حلفاء وشركاء محليين وإقليميين موثوقين.
وقد أثبتت الحكومة السورية الجديدة بالفعل أنها جديرة بالثقة، بعد التعاون الاستخباراتي الوثيق مع واشنطن على مدار الشهور الماضية، والذي أسفر عن تحديد العديد من المواقع الدقيقة لعناصر "داعش" ومخازن سلاحه ولوجستياته في سوريا، مما مكّن الطيران الأميركي من قصفها بدقة وملاحقة الفارين منهم. وبهذا التعاون السوري-الأميركي الناجح، كُشفت حقيقة عدم جدوى الإبقاء على الجنود الأميركيين على الجغرافيا السورية، وتعريضهم للخطر والاستهداف، خاصةً مع استمرارية تنفيذ الضربات الأميركية ضد إيران، والتخوف الفعلي من قدرة طهران وأذرعها على استهداف القواعد الأميركية في سوريا على سبيل الانتقام، في حال فشلت المفاوضات الثنائية الجارية منذ أشهر لوقف كامل للحرب. فالجولات السابقة من الاستهدافات الأميركية لإيران قد كشفت أن القواعد الأميركية السابقة في سوريا هي الحلقة الأضعف في الوجود الأميركي بالمنطقة.
إمكانات وحسابات عودة "داعش"
عندما كانت الدولة السورية تجري عمليات أمنية متواصلة لملاحقة خلايا التنظيم وقياداته في البادية السورية، حيث كان يتركز نشاطه قبل سقوط النظام، فإن ما يجب أن يؤخذ بالحسبان بشكل أكبر هو أن التنظيم، من دون أدنى شك، أجرى تغييرات ميدانية واضحة على صعيد إعادة الانتشار، والعمليات، وطبيعة الأهداف، وطبيعة التحرك والاختفاء شبه الآمن في المدن المزدحمة، وذلك بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة. وهذا ما لاحظناه من خلال قيام التنظيم بعملياته الإرهابية العديدة التي حدثت مؤخراً في دمشق "كنيسة مار إلياس بدمشق، جامع علي بن أبي طالب في حمص، محيط فندق الفور سيزن... إلخ"، ومدن سورية أخرى. وبالطبع، يأتي هذا بعد أن استغل "داعش" الفراغ الأمني والفوضى الحاصلة مع بدايات سقوط النظام للدخول إلى المدن الكبرى والتمركز فيها، بدلاً من وجوده في البادية السورية.
بالمقابل، فقد أكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن الولايات المتحدة عازمة على منع تنظيم "داعش" من إعادة نشاطاته وتنظيم صفوفه في سوريا، وكذلك منع تفكك هذا البلد، ومحاولات العبث بأمنه أو تقسيمه بعد إسقاط نظام بشار الأسد. وأضاف بلينكن أن تنظيم داعش سيحاول استغلال هذه المرحلة لإعادة بناء قدراته وتنظيم صفوفه، ونحن عازمون على عدم السماح بحصول ذلك.
وبناءً عليه، فلا يمكننا أن ننكر أو نستبعد استمرارية خطر تنظيم "داعش"، وأن إمكانية عودة نشاطاته السابقة قائمة، وربما لا تزال مستمرة ومقلقة للجميع. فالولايات المتحدة الأميركية لا تزال مقتنعة بأن التنظيم لا يزال، وعلى الأقل في سوريا، قادراً على استغلال الثغرات والخروقات الأمنية الموجودة، والتحرك عبر الخلايا النائمة المنتشرة، والقيام بالتفجيرات والاغتيالات والعمليات الميدانية المحدودة هنا أو هناك، على الرغم من خسارته السيطرة المكانية الواسعة التي كان يتمتع بها في سوريا والعراق بين عامي 2013 و2015.
ختاماً، من خلال قراءة الأحداث وتحليلها، فإن المؤشرات الأولية الأمنية في سوريا لا تزال مشجعة حتى الآن، على الرغم من حداثة تشكيل الجيش والأجهزة الأمنية المختصة الأخرى، وأن نشاطات التنظيم الدموية ستبقى محاصرة وملاحقة ومحدودة، ولن تكون كسابق عهدها مطلقاً، وذلك بسبب غياب عاملين رئيسيين أساسيين، أولهما سقوط نظام الأسد، وانتهاء عهده الدموي الفاسد، حيث كان التنظيم يستغل وجود النظام لإيجاد الذريعة والبيئة الحاضنة، بشكل أو بآخر، لممارسة نشاطاته. أما ثانيهما، فيتمثل أيضاً في انتهاء وجود "قسد" و"حزب العمال الكردستاني" في شمال شرقي سوريا، فضلًا عن صعود حكومة جديدة تحظى بقبول واسع، وتمثل، بشكل أو بآخر، مصالح معظم المجتمعات المحلية التي كان التنظيم يسعى إلى استغلالها في غالبية تحركاته لزيادة نشاطاته الدموية.
إيران ومزاعم هجوم التنف.. الدلالات والرسائل
الدولة السورية وواشنطن واستراتيجية ملاحقة "داعش"
مع إلحاح ترمب هل ستتدخل الدولة السورية في لبنان؟
ما آخر مستجدات هيكلة الوجود الروسي في سوريا؟
تحديات الواقع الحالي والقادم لبناء جيش سوري جديد