الداعم يتلاشى والحرية على الأبواب

تاريخ النشر: 05.04.2021 | 06:47 دمشق

مهما كانت مأساة مَن نشدوا "الحرية" في سوريا، ومهما تعقّد حاضرهم، ومهما اتسعت معاناتهم؛ إلا أن المستقبل لهم. فعلوا "اللامُتَوقّع"، فكانوا أبطالاً بحق؛ والبطل يعمّر بلد، لا يدمره. لقد قطعوا مع الاستبداد، كمن يتخلّص من مرض. مَن استمر في ظل الاستبداد مغصوباً له عذره، ومَن عاش رمادياً، ستبقى حياته ومصيره كلونه. ومن تماهى مع الاستبداد له مصيره ذاته: العبودية والنهاية البائسة.

لن أعدد أو أصف مآسي ومصائب هؤلاء؛ إنها أكثر من واضحة. أما أولئك الذين دعموا الاستبداد من الخارج، فأزماتهم ومصائبهم من نوع آخر؛ ولا علاقة لها بالضمير أو العاطفة أو الإنسانية. كل مَن وقف إلى جانب الاستبداد في أزمة حقيقية وحالة إفلاس سياسي وأخلاقي.

لنأخذ "حزب الله"- حزب إيران برئاسة أداتها حسن نصر الله- كيف كان، وكيف صار. في أذهان ونفوس العرب، وخاصة السوريين كان بطلاً، مقاوماً، رمزاً للتحرير والعز والكرامة والشهامة بشعبية قلَّ نظيرها. الآن صفاته ومسلكه عكس ذلك تماماً. لم يساهم فقط بأذى سوريا ولبنان، بل امتد تخريبه حيث امتد مشروع إيران الخبيث المدمر في المنطقة العربية. يكفي تحوله إلى تاجر ومروج للمخدرات في منطقتنا ودول أخرى؛ والأهم أنه تحوّل إلى عبء حتى على منظومة الاستبداد في دمشق.

الحديد والنار لن يحمي إيران؛ ومستقبل أسود ينتظر هذا البلد الذي نشهد تململه يومياً للخلاص ممن أوصله إلى هنا

أما إيران فقد تحوّلت من منقذٍ للمنظومة إلى عبءٍ أكبر عليها. ففي الداخل الإيراني ذاته، تململ من ملالي الإجرام، والوضع الاقتصادي منهار، والسمعة الدولية في الحضيض. الكل يراها دولة مارقة داعمة للإرهاب، ويعمل على وقف امتداداتها؛ فلا حياة لمشروعها، لأنه مشروع موت لا حياة. يكفي أنه في نفس كل عربي أو مواطن في هذه المحيط إحساس رفض ونبذ واحتقار لهذه الجيرة الموبوءة. يكفي أن مشروع إيران التوسعي الخبيث أضحى مفضوحاً تماماً. الحديد والنار لن يحمي إيران؛ ومستقبل أسود ينتظر هذا البلد الذي نشهد تململه يومياً للخلاص ممن أوصله إلى هنا.

روسيا، المنقذ الآخر تتمتع بسمعة عالمية لا تُحسَد عليها كترسانة أسلحة ليس إلا، وكدكتاتورية ممقوتة تستجدي تواصلاً مع الآخرين عبر تقديم أوراق اعتمادها لإسرائيل مثلاً. زيادة على ذلك تتمتع بفشل اقتصادي، وتشهد تململاً شعبياً معارضاً؛ ملفاتها الإجرامية وخروجها على القانون تتراكم. جرائم النظام مشتركة بها؛ عقودها مع من ادعى الشرعية وباع البلد، لا قيمة لها. لن يحافظ عليها إلا بالقوة؛ وتكون قوة احتلال ومقاومتها واجبة. وهاهي أخيراً تُيقن أن تكرار منظومة الاستبداد مستحيلة؛ فهي تحتاج لمن ينقذها اقتصادياً، لتتمكن من إنقاذ المنظومة. والدلائل فشل بأهدافها المعلنة: عودة لاجئين إعادة إعمار إيجاد حل سياسي "على قياس مصالحها"؛ ولا بد من القطع مع هذه السياسة البهلوانية الخرقاء رمز الفشل أمام أميركا وإيران وتركيا، وحتى أمام الأسد الذي تحميه. ولو لم يكن بوتين أفشل من لافروف لطرده؛ فالنجاح الوحيد الذي حققته تلك السياسات كان في القتل والتدمير والتهجير، وتجريب صنوف السلاح على أرواح السوريين؛ وكل هذا وصمة عار في تاريخها. فما الذي تنتظره منظومة الاستبداد من هكذا "دولة عظمى"؟

ومِنَ العربان مَن سعى للتطبيع، من داهن وكذب وراوغ وتعامل بالخفاء المكشوف. من سعى لجعل المأساة السورية درساً لشعبه كي لا يفعل ما فعلته انتفاضة سوريا واضح. خوف البعض يعشش في داخلهم، ويجعلهم يرتعدون من مصير مشابه لمنظومة الاستبداد. يجعلهم في حالة تجاذب بين تعاطف مع ألم الشعب السوري، ومصير كل من يستبد بشعبه؛ فلا هم يريدون لثورة السوريين أن تنجح، ولا هم يستطيعون مد اليد لمنظومة الإجرام. الموقف الطيب والمساند لشعب سوريا، وهو الأقوى، أيضاً واضح؛ وموقف المرتعدون الذين لا يستطيعون علناً دعم منظومة الاستبداد واضح؛ وهو الأضعف، وغير المفيد لمنظومة الاستبداد.

أما إسرائيل، فقصتها غريبة قليلاً؛ فهي-منذ تأسيسها- لم تُنجز بقدر ما أنجزت خلال العقد الماضي؛ وعلى حساب مأساة السوريين. وحسب العارفين ببواطن الأمور استراتيجياً، هذا الجنى مؤقت؛ وعلى المدى البعيد، يعيدها إلى البداية والخوف والحصار والغربة؛ لأن السوريين وصلوا إلى قناعة بأنها الأحرص على من فتك ببلدهم وأوصله إلى هذا الوضع المأساوي؛ فهي لا تستطيع إنقاذ تلك المنظومة، ولا تستطيع المجاهرة بما فعلت، ولا تلبية استغاثة نظام خدمها.

طال الزمان أو قَصُر، مصير هذه المنظومة الهزيمة بفعل ذاتي وآخر موضوعي؛ فهي بذرة شر فقدت مقومات البقاء

أما الاستخبارات العالمية، فخسارتها كبيرة بحكم تضعضع منظومة الاستبداد، وانحسار الخدمات الجليلة التي كانت تسديها لتلك الاستخبارات؛ من خلال موقعها الاستراتيجي، واستعدادية أهل الاستبداد لبيع كل شيء من أجل بقاء السلطة.

طال الزمان أو قَصُر، مصير هذه المنظومة الهزيمة بفعل ذاتي وآخر موضوعي؛ فهي بذرة شر فقدت مقومات البقاء، ارتكبت ما لا يُغفر؛ ومَن وقف إلى جانبها يزداد ضعفاً وإحراجاً وتدهوراً؛ فهو لا يقوى على حَمْلِ ذاته، كي يحمل ذلك العبء الإجرامي الدموي.

حق السوريين كالرمح وكمنارة؛ وما على السوريين وهذا العالم المعمي على قلبه إلا أن يدغش نحوها كي يرتاح ويريح. والقول بأن "الحق" في عالمنا مسألة عاطفية؛ ويحتاج لقوة لتحصيله؛ فالقوة موجودة وسوريا قوتها بداية من قوة الله وإرادة شعبها. لا بد من تواصل العقول والأيدي السورية لتضع القرارات الدولية التي تنص على التغيير والانتقال من حالة الاستنقاع السياسي أمام العالم وبموقف واحد وصوت واحد: "نريد استعادة بلدنا وخلاصه والنهوض به". ولن يكون أمام كل القوى المتدخلة بشؤونه إلا التجاوب مع تلك الإرادة وتلك القرارات، التي يتشدقون بضرورة تطبيقها. وإن كان لهم من مصالح، فلا بد من الاحتكام للقوانين والعلاقات الدولية بشأنها. وإن كان غير ذلك، فهذه القوى بحكم القانون والشرع قوى احتلال، ومن حقنا مقاومتها وتحرير بلدنا. تلك القوى مأزومة؛ لم يعد لدينا ما نخسره؛ الزمن يبدأ غداً؛ وهذه دعوة للتحرير والاستقلال الجديد.