الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الصاروخ السوري نحو ديمونا

تاريخ النشر: 26.04.2021 | 08:39 دمشق

بعد مرور عدة أيام على ما قيل بشأن الهجوم الصاروخي الذي استهدف المنطقة المحيطة بمفاعل ديمونا النووي في صحراء النقب جنوب فلسطين المحتلة، خرجت تفسيرات إسرائيلية متباينة إزاء الحادث، فضلا عن التشكيك برواية الجيش الإسرائيلي.

وقد أسهبت المحافل الأمنية الإسرائيلية في الحديث عن "الحدث الشاذ" الذي تمثل بإطلاق صاروخ أرض - جو من سوريا في الساعات الأولى من فجر الخميس، وفشل جيش الاحتلال باعتراضه، وسقط بصحراء النقب جنوب فلسطين المحتلة، في حين أن جهاز الأمن الإسرائيلي، مقتنع بأن الصاروخ المضاد للطائرات الذي انطلق من الأجواء السورية، وانفجر قرب ديمونا، كان موجها نحو طائرات حربية، وليس نحو الموقع الاستراتيجي، أي المفاعل النووي.

وبغض النظر عن حقيقة وجهة صاروخ "SA5"، فإن الجيش الإسرائيلي يحقق، لماذا فشل اعتراضه، وهل تم اختيار منظومة الدفاع الأكثر ملاءمة للتصدي لمسافات الصاروخ، في ضوء التقديرات الإسرائيلية المتوافقة بأن محاولة اعتراضه لم تنجح، مع العلم أنها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها، أن صاروخا يعد قديما جدا، ويطلق بكميات كبيرة نحو طائرات سلاح الجو الإسرائيلي خلال عملها في سوريا، يطير لمسافة بعيدة جدا من فوق إسرائيل، موضحة أنه في السنوات الأخيرة، كانت عدة حالات لسقوط صواريخ بعيدة حتى مسافة مئات الكيلومترات في البحر المتوسط.

ومن غير المتوقع التصعيد مع النظام السوري، بعد التأكد أن الصاروخ لم يكن موجها للمس بمفاعل ديمونا

ورغم مرور هذه الأيام، لكن التحقيق العملياتي الإسرائيلي لا يزال في ذروته، ورغم الليالي المتوترة في جهاز الأمن الإسرائيلي، فإنهم يقدرون بأن هذا الحدث من خلفهم، ومن غير المتوقع التصعيد مع النظام السوري، بعد التأكد أن الصاروخ لم يكن موجها للمس بمفاعل ديمونا، كما لم يتم اعتراضه من قبل الوسائل الإسرائيلية التي تم إعدادها لذلك، مع العلم أننا أمام صاروخ أرض-جو ضد طائرات، ينطلق لمسافات متوسطة وطويلة، قادر على الوصول لمئات الكيلومترات، ولديه رأس حربي لأكثر من 200 كيلوغرام، ومخصص لاستهداف طائرات على مسافة 40 ألف قدم، ويمتلك هذا الصاروخ محركا نشطا للغاية، وأحيانا يتجاوز المدى الذي حدده مشغلو البطاريات.

فور حادثة الصاروخ، وسع الاحتلال الإسرائيلي نطاق ضرباته الجوية على مراكز لإنتاج الصواريخ والأسلحة في سوريا، يعتقد بأنها إيرانية، لصد ما يعتبره "تمددا عسكريا مخفيا" من طهران، استكمالا لاستفادتها من تحالفها مع النظام السوري، من خلال نقل عناصر من صناعة الصواريخ والأسلحة المتقدمة لديها إلى مجمعات أقيمت سلفا تحت الأرض، لتطوير ترسانة أسلحة متطورة يصل مداها إلى المراكز العمرانية الإسرائيلية.

يتزامن ما حصل قرب مفاعل ديمونا مع استمرار الضربات الإسرائيلية الموجهة إلى الأهداف الإيرانية في قلب الأراضي السورية، وزادت عن خمسمئة ضربة جوية في 2020 وحده، صحيح أن هذه الضربات أبطأت التمدد الإيراني في سوريا، لكن إسرائيل تزعم أن أمامها شوطا طويلا كي تصل إلى أهدافها في الساحة السورية، مع أن تطوير الصواريخ دقيقة التوجيه سرا في سوريا يعتبر نشاطا أقل عرضة للهجمات الإسرائيلية من نقلها عن طريق البر أو الجو من إيران.

لقد سلط حادثة صاروخ ديمونا الضوء على الاهتمام الإسرائيلي بـ"ضرب الأهداف ذات الأثر الاستراتيجي في سوريا، لأنها تريد منع إيران من تحويل سوريا إلى قاعدة عسكرية قريبة من إسرائيل"، رغم أن نظام الأسد لا يسعى لحرب مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، ولا يرد على مهاجمة أهداف إيرانية، والتنسيق العسكري والجوي مع روسيا يعمل كالعادة، وتمركز حزب الله في هضبة الجولان السورية تم كبحه، وإيران أعادت انتشار قواتها إلى المدى الذي كانت تطمح إليه تل أبيب.

لم تذهب إسرائيل بعيدا في الرد على صاروخ ديمونا، لأنها تعتقد أن أي رفع لوتيرة الرد عليه قد ينجم عنه تغيير سياسي في سوريا يمكن أن يضعها أمام علامات استفهام صعبة، فهي لا تعرف من الذي يمكن أن يستبدل الأسد، في حال نشأت ظروف لاستبداله، كما لا يمكن معرفة النظام الذي سيقوم في إطار الحل السياسي، مما يؤكد أن النقاشات حول استبدال النظام في سوريا، ليست في هذه الأثناء على رأس سلم أولويات أجهزة الاستخبارات والحكومة الإسرائيلية.

بالعودة إلى صاروخ ديمونا، فقد تفاوتت التقديرات الإسرائيلية بخصوصه، بين من استبعد أن يكون ما حصل ردا إيرانيا على تفجير منشأة نطنز النووية، لأن الساحة متوترة للغاية، وإذا ربطنا الهجومين ببعضهما، فهذه ساحة حساسة للغاية، خاصة بسبب القضية النووية، رغم أنه عندما شوهد صاروخ ينطلق ليلا باتجاه ديمونا، فقد أشعل كل المصابيح الحمراء في تل أبيب.

وصدرت تقييمات إسرائيلية أننا أمام صاروخ قديم من الثمانينيات يستخدمه السوريون أحيانا ضد الطائرات الإسرائيلية، صمم ضد طائرات النقل، وأصاب طائرة نقل روسية قبل ثلاث سنوات، لقد طار هذا الصاروخ مئات الكيلومترات، ولكن إذا لم يصطدم بالطائرة، التي كان يعتزم اعتراضها، وإذا لم يسقطه الدفاع الجوي، فإنه يسقط في نهاية المدى في هذه الحالة بمنطقة ديمونا.

رغم ذلك، تزداد المطالب الإسرائيلية بإجراء استجواب المنظومات الدفاعية الإسرائيلية عن سبب سقوط الصاروخ، ولماذا حدث ما حدث، فالإسرائيليون بعد مرور كل هذه الأيام لا يعرفون حقيقة ما الذي حصل، رغم أن جميع المنظومات الإسرائيلية لديها فرص إصابة عالية جدا بين 85-90٪، وأحيانا بنسبة 95٪ في ظل الظروف المثلى، وعندما يتم إطلاق 20 صاروخا على إسرائيل، فهناك احتمال أن يخترق صاروخ أو صاروخان هذه المنظومات الدفاعية، ولو في منطقة حساسة، مثل مفاعل ديمونا.

يحتاج الحدث لدراسة إسرائيلية متعمقة، وهي خطوة ستستغرق بضعة أيام، لأن الصواريخ الروسية التي بحوزة السوريين قادرة على الوصول إلى مئات الكيلومترات، وتشكل تهديدا حقيقيا للطائرات الإسرائيلية، أو تلك التي في طريقها لإسرائيل شرق البحر المتوسط.

تجري القوات الجوية الإسرائيلية تحقيقا لتعلم الدروس، والتأكد من أن النتيجة ستكون أفضل في المرة المقبلة

في الوقت ذاته، تجري القوات الجوية الإسرائيلية تحقيقا لتعلم الدروس، والتأكد من أن النتيجة ستكون أفضل في المرة المقبلة، خشية تكرار الأعطال ذاتها في منظومة الاعتراض، لأنه في الفترة الماضية تم إطلاق "Arrow 2" لاعتراض صاروخ SA-5، وكان على وشك السقوط في إسرائيل، والاعتراض بشظايا الأسهم التي سقطت وقتها على مستوى مدينة إربد في الأردن.

أي حادث غير عادي من هذا القبيل يعدّ ظاهريا فرصة لسلاح الجو لقضم النظام الكثيف والمتطور لاعتراض الصواريخ والطائرات الذي قدمته روسيا لسوريا، لكن الروس في عجلة من أمرهم لتزويد بطاريات صواريخ جديدة، وأكثر تقدما، بدلا من تلك المدمرة، ما يجبر إسرائيل على المضي قدما، ويمكن استخدام بعضها كصواريخ أرض-أرض غير دقيقة، ذات قدرة تدمير محدودة.

يدرك السوريون حقيقة أن إطلاق صاروخ SA-5 على طائرة في المجال الإسرائيلي سيؤدي إلى رد فعل، لكن الصاروخ الذي أطلق هذه المرة من جنوب دمشق مر فوق القدس ومناطق حساسة أخرى، حتى سقط في قلب النقب، وقد رصدت أنظمة الإنذار والكشف للدفاع الجوي الصاروخ، وقامت بشكل صحيح بتقييم مكان سقوطه، قرب مستوطنة أبو قرينات البدوية في النقب، وحذرت منه.

إن ما حدث في الأيام الأخيرة بشأن الصاروخ السوري قرب مفاعل ديمونا يوضح مدى انفجار المنطقة، وأن أي عمل عسكري قد يتطور الأمر إزاءه في اتجاهات مختلفة وغير متوقعة، رغم أنه ليس لدى إسرائيل أي نية أو رغبة في تصعيد الموقف، وهذه أيضا نية حلفاء إيران والنظام في سوريا وحزب الله في لبنان.

وبما أن المنظومة الدفاعية الإسرائيلية ليس لديها اعتراض مناسب لهذا الصاروخ، فقد قررت محاولة اعتراضه بوسائل أخرى، دون أن يكون عطلا، لكن من الأكيد أننا أمام حادثة غير عادية بعد الهجوم على أطراف دمشق، ثم أطلقت سلسلة متنوعة من الصواريخ المضادة للطائرات على طائرات سلاح الجو، وهذا الصاروخ بالذات شق طريقه جنوبا، رغم أن المدى الذي وصل إليه 200 كيلومتر، ومع ذلك فإن الجيش الإسرائيلي يحوز مجموعة متنوعة من البطاريات والوسائل لاعتراض الصواريخ، لكنها غير متوفرة، في أي مكان، وفي أي موقف، مع أن هذه المنظومة التي تحوزها إسرائيل تتمثل بنظام اعتراض غير ملائم لهذا النوع من الأهداف، لذلك كانت هناك معضلة حول ما إذا كان يجب الرد أم لا، وفي النهاية تقرر إطلاق النار من أجل السلامة بشيء لم يكن مناسبا للتهديد، وبالتالي لم يصب أيضا، لكن طالما أن هذا ليس عطلا، فمن الواضح أنها محاولة لاعتراض الصاروخ الضال بوسائل لم يتم تكييفها بالكامل لهذا الغرض، لكنها فشلت.