مع ساعات الفجر الأولى، وفي برد كانون الثاني القارس، تمتد طوابير طويلة أمام أفران مدينة إدلب وريفها، في مشهد أعاد إلى الذاكرة صوراً غابت لسنوات عن المحافظة، رجال ونساء، أطفال ومسنون، يقفون لساعات بانتظار الخبز رغم أن المادة باتت مدعومة رسميًا وبسعر أقل من السابق.
اللافت في الأمر أن أزمة الخبز تفجرت بعد إطلاق مشروع الخبز المدعوم، الذي كان من المفترض أن يخفف العبء عن الأهالي، لا أن يعيدهم إلى طوابير الانتظار، فربطة الخبز التي حدد وزنها بـ 1200 غرام لعشرة أرغفة، وبسعر 10 ليرات تركية أو ما يعادل 2500 ليرة سورية (بعد أن كانت بـ10 ليرات تركية بوزن 700 غرام)، تحولت من خطوة تخفيفية إلى عامل ضغط جديد على الأفران، في ظل طلب متزايد وقدرة إنتاجية محدودة.
وخلال أيام قليلة، بات الخبز العنوان الأبرز للحديث اليومي في إدلب؛ هل الأزمة ناتجة عن سوء تنظيم؟ أم عن تهريب؟ أم عن استخدام الخبز المدعوم كعلف للحيوانات؟ أم أن المشكلة أعمق من كل ذلك؟
قرار غير المعادلة
يقول أبو أحمد، صاحب فرن "النادر" في مدينة سلقين شمال غربي إدلب، في حديث خاص لـ موقع تلفزيون سوريا، إن الازدحام لم يبدأ مع إطلاق الدعم بحد ذاته، بل مع تعديل آلية التشغيل.
ويوضح أن الأفران كانت تعمل سابقاً ابتداءً من الساعة الثانية عشرة ليلًا، لتغذية الريف أولًا، ثم تزويد مدينة سلقين في ساعات الصباح، إلا أن تشغيل مشروع الخبز المدعوم رافقه قرار بتعديل ساعات العمل لتبدأ عند الساعة الرابعة فجرًا، وهو ما غير مسار التوزيع بالكامل.
"خلال أول ثلاثة أو أربعة أيام فقط، بدأ الازدحام يظهر بوضوح"، يقول أبو أحمد، مضيفًاً أن الفرن لم يعد قادراً على تغذية الريف كما في السابق، ما دفع سكان القرى المحيطة إلى التوجه مباشرة إلى أفران المدينة.
هذا التحول المفاجئ أدّى إلى ضغط غير مسبوق على الأفران داخل المدن، ومع وجود طوابير طويلة، بات من الصعب الالتزام بتزويد المعتمدين في الأحياء بالكميات المعتادة، وهو ما فاقم الأزمة بدل احتوائها.
قبل أزمة الخبز، كان المعتمدون يشكلون صمام أمان لتخفيف الضغط عن الأفران، إلا أن هذا الدور تراجع بشكل كبير مع بدء مشروع الدعم.
بحسب أبو أحمد، فإن بعض المعتمدين كانوا يحصلون سابقًا على كميات من الخبز تتراوح بين الـ 300 ربطة خبز الى نحو 100 ربطة يومياً، بينما انخفضت مخصصاتهم حالياً إلى ما يقارب 10 ربطات فقط، هذا الانخفاض الحاد دفع المواطنين، عند عدم توفر الخبز لدى المعتمد، إلى التوجه مباشرة نحو الفرن.
"عندما يذهب المواطن إلى المعتمد ولا يجد خبزًا، لا خيار أمامه سوى الوقوف على الدور أمام الفرن"، يقول أبو أحمد، معتبرًا أن تقليص مخصصات المعتمدين كان أحد الأسباب المباشرة لتفاقم الازدحام.
وفي تعليق رسمي على أسباب الازدحام والطوابير الطويلة أمام الأفران في محافظة إدلب، قال مدير فرع مخابز إدلب، أحمد إسماعيل الداني لـ موقع تلفزيون سوريا، إن هذه الظاهرة تعود إلى عدة عوامل مجتمعة، موضحًا أن المحافظة كانت معتادة على توفر مادة الخبز طوال أيام الأسبوع، إلا أن اعتماد عطلة يوم الجمعة أدى إلى تركّز الطلب في باقي الأيام، ما تسبب بزيادة الضغط على الأفران.
وأضاف أن سوء الأحوال الجوية خلال الفترة الماضية أسهم بدوره في تفاقم الأزمة، إلى جانب رغبة بعض المواطنين بشراء كميات من الخبز تفوق حاجتهم اليومية لتكفيهم لأكثر من يوم.
أزمة طوابير
"يوميًا تحدث أكثر من 20 مشاجرة بسبب الوقوف في طوابير الخبز أمام الأفران" يقول الشاب محمد عدنان من مدينة الدانا بريف إدلب الشمالي لموقع تلفزيون سوريا.
ويضيف: "الوقوف تحت المطر والبرد للحصول على ربطة خبز أصبح أمرًا يوميا للسكان في المدينة وباقي النازحين المقيمين في محيطها". معبراً عن معاناة المدنيين في الحصول على المادة الأساسية اليومية.
وفي السياق ذاته، أكد الشاب عادل مكسور، أحد أبناء مدينة سلقين بريف إدلب الشمالي، لموقع تلفزيون سوريا، أن مشهد الطوابير الطويلة أمام الأفران أصبح مألوفًا منذ قرابة الأسبوع، مشيرًا إلى أن مثل هذه الطوابير لم يكن يُشاهد إلا في مناطق النظام البائد.
وقال: "كل الأمم تمضي قدمًا، أما نحن فنتراجع، بعد تحرير شمال سوريا من النظام البائد، بدل أن يتحسن الوضع، أصبح أسوأ، والتهميش بات واضحًا جدًا في محافظة إدلب، فلا يشعر المواطن بأي تحسن بعد مرور أكثر من عام على التحرير".
وطالب محمد عدنان الجهات المعنية بضمان وصول الخبز إلى جميع المواطنين بطريقة عادلة ومنتظمة، بعيدًا عن مشاهد الطوابير والفوضى.
في المقابل، رأى الشاب جميل بكور، أحد سكان مدينة الأتارب غربي حلب، لموقع تلفزيون سوريا: "الناس تصر على القول إن هناك نقصا في مواد العجين أو أزمة مازوت، لكن الحقيقة أبسط من ذلك. لا داعي لتعطيل الأفران يوم الجمعة لإراحة العاملين، فهم يعملون وردية 12 ساعة، وهؤلاء أيضًا بشر ولديهم مشاعر ويحبون قضاء وقت مع عائلاتهم".
وأضاف: "كان بالإمكان حل المشكلة بطريقة أفضل، وهي إضافة وردية ثالثة للأفران، بحيث تعمل كل وردية 8 ساعات دون الحاجة لتعطيل أي يوم. هذا الحل يخفف الضغط على العمال والمواطنين معًا، ويضمن استمرار توزيع الخبز دون أزمة أو ازدحام".
وأشار مدير فرع مخابز ادلب أحمد الداني في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى عدم وجود أي مشكلات فنية أو إنتاجية تتعلق بتأمين الطحين أو المازوت أو المواد الفنية الأخرى، مؤكّداً أن جميع المستلزمات متوفرة لفترات طويلة، ولا يوجد ما يعيق استمرار عمل الأفران.
وأضاف أن الجهات المعنية اتخذت إجراءات عاجلة لضمان وصول الخبز إلى جميع الأهالي، أبرزها إلغاء عطلة يوم الجمعة ورفع الكميات اليومية المقدمة للأفران من 60 طناً إلى 70 طناً، مع تشديد الرقابة على عمل الأفران ومنع أي تجاوزات.
وأوضح الداني أن هناك خططاً لافتتاح أفران جديدة وزيادة مخصصات جميع الأفران العاملة، ولا سيما في المناطق التي تشهد ضغطا وازدحاما كبيرا، وأن مراقبة جودة الخبز ومنع أي استغلال أو تلاعب تتم عبر مديرية التموين وفرع المخابز ممثلاً بدائرة الجودة، حيث تُتابع جودة الخبز بشكل مستمر وتُحاسب الجهات أو الأشخاص الذين يحاولون الاتجار بمادة الخبز أو تحويلها إلى علف.
اتهام استخدام الخبز كعلف
ومع تفاقم أزمة الخبز وامتداد طوابير الانتظار، برزت اتهامات متداولة بين الأهالي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن تحويل جزء من الخبز المدعوم إلى علف للحيوانات، مستندة إلى فارق السعر الكبير بين الخبز والأعلاف.
لكن أبو أحمد يستبعد هذا السيناريو، ويؤكد أن هذه الأقاويل مبالغ فيها، ويشرح لـ موقع تلفزيون سوريا أن الفرن لا يبيع أكثر من ثلاث ربطات للشخص الواحد، وهي كمية لا يمكن اعتبارها صالحة للاستخدام كعلف.
ويضيف أن بعض الحالات التي شوهد فيها أطفال يقفون على الدور ثم يبيعون حصتهم ويعودون للوقوف مرة أخرى، لا تعني أن الخبز يُستخدم كعلف، بل تعكس حالة فقر واستغلال للحاجة.
"ثلاث ربطات لا يمكن أن تكون علفًا، لا اقتصاديًا ولا عمليًا"، يقول أبو أحمد، مشيرًا إلى أن تحميل الخبز مسؤولية الأزمة يبتعد عن الأسباب الحقيقية المتعلقة بالإنتاج والتوزيع.
ويبلغ سعر طن العلف في إدلب ما بين 260 و330 دولارًا بحسب النوع والجودة، في حين بات الخبز المدعوم يُباع بسعر منخفض نسبياً، ما جعله – نظرياً – أقل كلفة من بعض أنواع الأعلاف، وأعاد فتح باب الجدل حول إساءة استخدام الدعم.
ويرى أصحاب هذه الاتهامات أن بعض مربي المواشي قد يجدون في الخبز المدعوم خيارًا أرخص لتغذية الحيوانات، خاصة في ظل الارتفاع المستمر بأسعار الأعلاف وشح البدائل، ما يساهم – وفق رأيهم – في زيادة الضغط على الأفران وتقليص الكميات المتاحة للمواطنين.
في المقابل، يحذّر متابعون من تعميم هذه الاتهامات، معتبرين أن الكمية المحددة للمواطن العادي لا تسمح عمليًا باستخدام الخبز كعلف، إلا في حال وجود مخالفات واسعة النطاق.
ويشيرون إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في أي فرن مخالف قد يقوم، في حال غياب الرقابة، ببيع آلاف الربطات دفعة واحدة خارج إطار الاستهلاك المنزلي، وهو ما يحول الدعم من أداة حماية اجتماعية إلى منفذ للهدر والاستغلال.
وأشار مدير فرع مخابز إدلب لـ تلفزيون سوريا، إلى وجود ضعاف نفوس يستغلون مادة الخبز المدعوم ويتاجرون بها، معتبرًا أن هذه الممارسات تُعد أحد أسباب الازدحام، إلى جانب العوامل الأخرى مجتمعة.
وبشأن الأقاويل المتداولة حول قيام بعض مربي الثروة الحيوانية بشراء كميات كبيرة من الخبز المدعوم لاستخدامه كعلف بسبب رخص سعره، قال الداني إنه من الممكن حدوث مثل هذه الممارسات من قبل ضعاف النفوس الذين يسيئون استخدام مادة الخبز المدعوم ويخرجونها عن الغاية الأساسية المخصصة لها.
وأكد مدير فرع مخابز إدلب أنه في حال ثبوت استخدام الخبز المدعوم كعلف للحيوانات أو أي إساءة استخدام أخرى، يتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين وفق القوانين المعمول بها في التموين، وقد تصل العقوبة إلى تحويل المخالف إلى القضاء.
كما أوضح أن المديرية حدّدت سقف البيع للمواطن بثلاث ربطات من نافذة الفرن الواحدة، وهو إجراء يسهم إلى حدّ ما في ضبط عملية البيع ومنع التخزين أو الاتجار بالمادة والحد من التجاوزات وسوء الاستخدام.
وفي ختام حديثه، وجّه الداني رسالة إلى المواطنين دعاهم فيها إلى الالتزام بشراء حاجتهم اليومية فقط من مادة الخبز، وعدم المساهمة في خلق ضغط إضافي على الأفران، مؤكدًا أن الخبز المدعوم هو حق للجميع، وأن أي إساءة استخدام له تكون على حساب باقي الأهالي.
تقليص بدل زيادة
إلى جانب الازدحام، يلفت أبو أحمد إلى مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في تخفيض مخصصات الطحين للأفران، في وقت كان من المفترض فيه زيادتها.
ويشير إلى أن فرنه كان يعمل بطاقة 8 أطنان يوميًا، ليتم تخفيض الكمية بمقدار 800 كيلوغرام، مؤكدًا أن هذا التخفيض طال معظم الأفران.
"في الأسبوع الأول من أي مشروع دعم، المفروض تزيد المخصصات لا أن تنخفض"، يقول أبو أحمد، معتبراً أن تقليص الطحين انعكس مباشرة على كمية الإنتاج، وأسهم في خلق فجوة بين العرض والطلب.
ومن العوامل التي أسهمت في تعقيد المشهد، قرار زيادة وزن ربطة الخبز إلى 1200 غرام، وهو ما انعكس سلباً على عدد الربطات المنتجة في الساعة.
يوضح أبو أحمد أن الفرن يستطيع إنتاج نحو 1000 ربطة خبز في الساعة عندما تحتوي الربطة على 8 أرغفة، في حين ينخفض الإنتاج إلى نحو 800 ربطة عند زيادة العدد إلى 10 أرغفة.
هذا الفارق، وإن بدا تقنياً، إلا أنه مؤثر على الأرض، إذ يعني مئات الربطات أقل يوميًا، في ظل طلب متزايد وضغط شعبي كبير.
ويقترح أبو أحمد تخفيض وزن الربطة إلى 900 غرام، معتبرًا أن ذلك سيحسّن جودة الخبز ويزيد عدد الربطات المنتجة، ما يخفف الازدحام من دون رفع السعر.
جولات رسمية وقرارات عاجلة
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أجرى محافظ إدلب، محمد عبد الرحمن، يرافقه معاونه حسن الفجر، أمس الأحد 11 يناير، جولة ميدانية على عدد من المخابز في مدينة إدلب، التقى خلالها الأهالي والعاملين، واستمع إلى شكاواهم.
وفي ختام الجولة، أعلن المحافظ عن حزمة إجراءات، أبرزها تشغيل المخابز على مدار 24 ساعة يوميًا، وعدم إغلاقها يوم الجمعة، إضافة إلى زيادة كميات الطحين المخصصة للأفران.
و أكّد محافظ إدلب، محمد عبد الرحمن، لتلفزيون سوريا، أن أزمة الأفران سيتم حلها خلال الأيام القليلة المقبلة، وخاصة بعد وصول الدعم لكافة المحافظة عن طريق مديرية التجارة ووزارة الاقتصاد بالتنسيق مع منظمة معنية.
وأوضح أن جميع الأفران تعمل والكميات متوفرة، مشيرا إلى أنه اجتمع مع مديرية الأفران لمتابعة الوضع، مؤكداً أن الأزمة ستُحل رغم زيادة كبيرة في الطلب.
وأوضح المحافظ أن هناك تجاوزات من بعض الأشخاص الذين يحصلون على الخبز بشكل غير نظامي، بما في ذلك بعض أبناء المدينة وأشخاص من خارج المدينة أو المحافظة بغرض التجارة، مؤكداً متابعة الجهات المعنية للموضوع مع التموين والمراقبة لحل هذه التجاوزات.
وأضاف أن الدعم يُقدّم لجميع الأفران، العامة والخاصة، وأن الكميات والإمكانات المطلوبة متاحة، مشيرا إلى أن مدة برنامج الدعم الأردني الحالية 40 يوماً، وقد مرّ أسبوع واحد فقط منذ بدء البرنامج، مؤكدا أنه سيتم تقييم إمكانية التمديد لاحقاً.
كما أعلنت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك عن رفع مخصصات بعض الأفران بما يتناسب مع الحاجة، مع استمرار الجولات الرقابية لضبط الأسعار ومنع التجاوزات.
ورغم هذه الإجراءات، لا تزال الطوابير مشهدًا يوميًا في عدد من مناطق ريف إدلب، ويقول سكان إن القرارات لم تنعكس بعد بشكل ملموس على الأرض، وإن الأزمة لا تزال قائمة.
ويرى متابعون أن المشكلة لا تكمن في الدعم بحد ذاته، بل في آلية تطبيقه، وتوقيت القرارات، وعدم مواءمة الطاقة الإنتاجية مع حجم الطلب المتوقع.
وتبقى هذه الاتهامات، رغم انتشارها، من دون إثباتات موثقة حتى الآن، لكنها تعكس حجم القلق الشعبي من تسرب الخبز المدعوم خارج مساره الطبيعي، في ظل أزمة إنتاج وتوزيع غير مسبوقة، وضعف أدوات الضبط والرقابة في بعض المناطق.

