الحوكمة والإطار المؤسسي وتوازن السلطات

2026.09.01 | 09:22 دمشق

الحوكمة
+A
حجم الخط
-A

بدأت سوريا منذ كانون الأول 2024 مرحلة انتقالية لإعادة بناء مؤسسات الدولة والتعافي من الشغور الأمني والدستوري السابق. وشملت هذه الجهود هيكلة السلطات العامة، وتوحيد المؤسسات العسكرية، وتفعيل آليات النزاهة والعدالة الانتقالية، إلى جانب تعزيز التواجد الدبلوماسي الدولي.

ورغم التطورات الإيجابية، تظل العملية الانتقالية بحاجة إلى تجاوز عقبات تنظيمية ترتبط بتكامل السلطات، وتعزيز الاستقلالية القضائية والرقابية، توسيع المشاركة السياسية والمدنية لضمان استقرار المؤسسات وسيادة القانون.

أولاً: الإطار الدستوري والتشاركية وبنية السلطات والتكامل المؤسسي

يُمثل الإعلان الدستوري الانتقالي الصادر في آذار 2025 خطوة لتنظيم إدارة المرحلة الانتقالية المحددة بخمس سنوات، مع التكثيف على مبادئ المواطنة والحرية وسيادة القانون. وقد تولت صياغة الإعلان لجنة من الخبراء القانونيين لضمان إنجازه في إطار تقني متخصص.

ولتعزيز أثر هذا الإطار الدستوري وتوسيع قاعدة قبوله، تتطلع القوى الوطنية إلى تطوير العمل المستقبلي نحو مسار تأسيسي تشاركي يتيح لمختلف المكونات والقوى السياسية والمجتمعية الإسهام في رسم ملامح الدولة ونظام الحكم.

يشكل توزيع الصلاحيات محوراً رئيسياً في الإطار الدستوري الحالي؛ إذ تضطلع مؤسسة الرئاسة بمهام أساسية تشمل مجالات التعيين، والسياسة الخارجية، وإدارة حالات الطوارئ، إضافة إلى دورها في تشكيل المحكمة الدستورية ومجلس الشعب، وهو ما يفتح المجال لنقاشات مستمرة حول سبل تعزيز التوازن بين السلطات.

على الصعيد التشريعي، يتألف مجلس الشعب من 210 أعضاء بين التعيين والانتخاب. وتتطلع القوى الوطنية إلى تطوير التجربة الانتخابية المقبلة لتوسيع قاعدة المشاركة والتمثيل لمختلف المكونات والمناطق، إلى جانب تمكين المجلس من أدوات أوسع لممارسة دوره الرقابي ومتابعة الموازنة العامة.

وفي المنظومة القضائية، تتجه الرؤى الإصلاحية نحو تعزيز استقلالية القضاء عبر تطوير آليات تشاركية لاختيار القضاة، ولا سيما أعضاء المحكمة الدستورية، بما يرسخ سيادة القانون ويدعم تكامل مؤسسات الدولة.

يبرز تركز الصلاحيات لدى مؤسسة الرئاسة كأحد الجوانب الأساسية في الإطار الدستور الحاكم، حيث تمتد لتشمل مجالات التعيين، والسياسة الخارجية، والتصديق على حالات الطوارئ، إضافة إلى دورها في تشكيل المحكمة الدستورية ومجلس الشعب، مما يعزز الحاجة لتقوية توازن السلطات.

ثانياً: إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية

 يُعد دمج الفصائل المسلحة وإعادة بناء المؤسسة العسكرية خطوة مفصلية لاستعادة الدولة احتكارها لاستخدام القوة. وقد أتمت الحكومة الانتقالية حل التشكيلات المسلحة ودمج عناصرها بنجاح في مؤسسات الدولة الرسمية، مما أنهى حالة التعدد العسكري التي سادت خلال سنوات النزاع.

وقد توجت جهود التوحيد بالاتفاق المبرم في 24 آب 2026 مع قوات سوريا الديمقراطية، والذي تضمن دمج قواتها في مؤسسات الدولة، ونقل السيطرة على المناطق والموارد للحكومة المركزية.

وعلى الرغم من بعض التحديات الأمنية التي شهدتها بعض المناطق الشمالية والجنوبية والساحلية، يظل استكمال توحيد المؤسسات الأمنية وضمان خضوع كافة التشكيلات لسلطة القانون الركيزة الأساسية لدعم استقرار المرحلة الانتقالية.

ثالثاً: مكافحة الفساد وبناء المؤسسات الرقابية

اتخذت الحكومة خطوات لإعادة تنظيم أجهزة الرقابة ومكافحة الفساد، من خلال تطوير الهياكل الإدارية، والتحول الرقمي، وتدريب الكوادر، وإنشاء وحدات متخصصة في مكافحة غسل الأموال والكسب غير المشروع وحماية المبلغين.

كما أنشئت هيئات جديدة تعنى بالعدالة الانتقالية، والمفقودين، والتنمية وإعادة الإعمار، والسلم الأهلي، والتعليم. وتمثل هذه المؤسسات أدوات مهمة لمعالجة آثار الحرب وإعادة بناء الدولة، إلا أن نجاحها يعتمد على استقلالها عن السلطة التنفيذية، ووضوح اختصاصاتها، وخضوعها للمساءلة والرقابة العامة.

رابعاً: المجتمع المدني والمشاركة العامة

شهدت المرحلة الأولى بعد سقوط النظام توسعاً ملحوظاً في النشاط المدني، حيث اضطلعت المبادرات المحلية بأدوار في تقديم الخدمات والإغاثة وتنظيم المجتمعات. غير أن هذا الانفتاح واجه تراجعاً لاحقاً نتيجة مركزية القرار وضعف إشراك منظمات المجتمع المدني في عمليات الحوار وصياغة الإعلان الدستوري.

وتكمن أهمية المجتمع المدني في قدرته على توفير قنوات للمشاركة والمساءلة، ولذلك فإن تنظيم عمل الجمعيات على أساس الإخطار، وتسهيل وصولها إلى المجال العام، وضمان حرية التجمع والتعبير والوصول إلى المعلومات، تمثل عناصر ضرورية لبناء نظام مؤسسي أكثر انفتاحاً.

خامساً: العلاقات الدولية وإعادة الاندماج

حققت الحكومة الانتقالية تقدماً في استعادة العلاقات الإقليمية والدولية، من خلال نشاط دبلوماسي واسع ومشاركة سوريا مجدداً في المحافل الدولية. كما أسهم رفع العقوبات الاقتصادية الدولية في فتح فرص أمام الاستثمار وإعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي.

غير أن الانفتاح الدولي ترافق مع توقعات متزايدة بشأن الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان. كما ظل الوضع الأمني ومصير المقاتلين والمعتقلين المرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية من أبرز الملفات التي تؤثر في علاقة الحكومة الانتقالية بشركائها الدوليين.

سادساً: أولويات الإصلاح المؤسسي

يتطلب ترسيخ المرحلة الانتقالية مجموعة مترابطة من الإصلاحات، أبرزها:

1- تعزيز استقلال القضاء من خلال إنشاء آلية مستقلة وشفافة للتعيينات القضائية

2- توسيع صلاحيات مجلس الشعب ليتمكن من الرقابة على الحكومة والموازنة والتحقيق في أداء المسؤولين.

3- ضمان الحقوق والحريات العامة وفق معايير واضحة للضرورة والتناسب وتحت رقابة قضائية.

4- توسيع المشاركة السياسية بما يضمن تمثيل النساء والمكونات القومية والدينية والمناطق المختلفة.

5- إشراك المجتمع المدني في الحوار الدستوري وصنع السياسات العامة

6- ضمان استقلال الهيئات الرقابية ومنع استخدامها بصورة انتقائية أو سياسية

تبيّن مخرجات المرحلة الانتقالية إنجاز خطوات ملموسة في تعزيز ركائز الدولة ضمن المحاور الدستورية والأمنية والدبلوماسية والرقابية. وتتجه التطلعات التنظيمية نحو استكمال توازن الهيكل المؤسسي عبر تطوير آليات الفصل بين السلطات، وتوسيع نطاق المشاركة السياسية والتمثيل الجغرافي، ودعم استقلالية القضاء والعمل المدني.

وتتأسس فاعلية هذه المرحلة على الانتقال المنهجي نحو أطر دائمة ومستقلة، من خلال حوار وطني شامل وتطوير تدريجي للإطار الدستوري، بما يعزز استقرار النظام السياسي وترسيخ مبادئ سيادة القانون.