الحوار الثوري السوري من زوايا الخلاف الضيقة إلى المشترك الرحب

تاريخ النشر: 11.03.2021 | 05:33 دمشق

إن أحد أهم الأسئلة الملحة التي تفرض نفسها علينا على أبواب العام العاشر من الثورة هو كيفية تعاملنا مع اختلافاتنا الطبيعية والحؤول دون تحولها  إلى خلافات بلا أفق ولا نهايات ولا غايات، وتتجذر وتصبح هي الأصل ولا يُستند معها إلى حجة ولا دليل، فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى النظر كيف أثّر ذلك فيما مضى، وكيف نتعامل معه في قادم الأيام؟

فطالما أن أهداف السوريين في صفوف الثورة واحدة وهي حرية سوريا وخلاصها من الاستبداد، فإن كل طرح حول كيفية تحقيق هذه الأهداف هو رحمة وقوة وعامل تحريك وتلاقح للفكر واجتهاد في العمل على أن لا يتحول لتضاد وخلاف، يبطئ من قدرتها على الوصول لأهدافها، وهذه الحال التي باتت تستهلكنا جميعاً  ليست قدراً لا مفر منه، ولا بد لنا أن نضعها في سياقها الطبيعي، فخروجها عن الحد الإيجابي المقبول الذي يدفع ويطور هو نتيجة لخمسين سنة من القمع وتكميم الأفواه وانعدام ثقافة الحوار والحياة السياسية، وهو أيضاً نتيجة لتدخلات الدول وتنازع مصالحها التي تنعكس في صفنا تشرذماً وفرقة، علينا اليوم أن نستلهم الدرس ونبني الآليات ونشق القنوات ونرتب بيتنا حتى ننتقل إلى حيز يكون فيه الاختلاف في مكانه الطبيعي، قيمة مضافة وصناعة للفارق ومحرضاً دافعاً للأفكار الجديدة في هذا الصراع المعقد والتحديات الكبرى.

وفي هذا الإطار يتبدى لنا مشهدان طرفيان ألحقا بالغ الضرر بمسيرتنا في السنوات السابقة، المشهد الأول هو حالة التشكيك والتشويه وحتى التخوين لكل مبادر أو مجتهد، التي كادت أن تودي بنا إلى حالة من العدمية تواجه كل طرح، وأفكار مسبقة وبيئة مستهلكة بسوء الظن والشكوك وانعدام الثقة، دفعت بالكثيرين إلى الظل والانسحاب والصمت وآخرين إلى التردد، وقلما استُثني أحد من التشكيك والإساءات التي أخذت منحى تناول الأشخاص لذاتهم لا لأفكارهم وتوجهاتهم، وقد يدفع  هذا الشكل من القطع مع من يتصدر المشهد أيضاً إلى التفرد والأحادية دون أن يحقق غاية التقويم والتصويب.

في مقابل هذا المشهد وعلى النقيض من ذلك، أضر بنا مشهد التشكيك أيضاً بالأصوات المختلفة الناقدة والاتهامات بالارتباط أحياناً، وبالغوغائية والتصيّد أحياناً أخرى، حتى باتت لدينا فئة تشعر بالتعالي عليها إلى حد القطيعة الذي فاقم المشكلة وعمّق الاختلاف، وهكذا أدى بنا هذا السياق إلى تراكمات واصطفافات نمطية لا تقوم على حجة ولا دليل، إنما على مواقف شخصية نفسية أكثر منها موضوعية وإلى المزيد من تطرف هذه الأصوات في طريقة طرحها.

أضر بنا مشهد التشكيك أيضاً بالأصوات المختلفة الناقدة والاتهامات بالارتباط أحياناً، وبالغوغائية والتصيّد أحياناً أخرى

وبين هذين المشهدين الكثير من المظاهر السلبية التي تتخلل عملية الحوار، أو بالأصح الاختلاف الداخلي ضمن بيت وصفوف الثورة.

وحتى بعض النتائج الإيجابية التي تحدث أحياناً تأتي بمحصلة ضغوط تتولد على خلفية قضايا تحوز إجماعاً ورأياً عاماً، وحتى هذه كان يمكن لها أن تأتي ضمن سياقات طبيعية مثمرة، وليس عبر آليات مفتوحة، بمعنى أننا كنا في غنى عن كثير من المعارك في قضايا تحوز الإجماع على قبولها أو رفضها.

الاختلافات ومع طول الرحلة تطوّر الأداء، وتقوّم الانحرافات، وتعزز الصف وتوجه البوصلة، وترفع اللبس عن المواقف التي قد نسمع أو نتوقع أو نعتقد أنها متغايرة أو متناقضة إلى حد الخلاف والصدام.

وللوصول إلى حوار داخلي مثمر ومبني على قاعدة أن دائرة المصلحة العامة هي ما تتقاطع عليه مواقف المتحاورين أصحاب الهدف الواحد، نحتاج إلى توفير عدة عوامل.

نحتاج لأن تقوم مؤسساتنا بمراجعة آلية التوافق والقرار داخل المؤسسة نفسها وذلك سينعكس مع الشركاء والمحاورين وهدف هذه المراجعة هو تعزيز الضوابط القانونية وتفعيل الأطر المؤسسية.

ونحتاج أيضاً لإرساء تقاليد الحوار الداخلي في الممارسة عبر تثقيف الذات بمهارات الحوار البناء وتنظيم الورشات التدريبية المختصة بذلك والتعامل مع هذه الواقع على أنه فجوة تحتاج من الجميع إلى التدارك.

كما أننا نحتاج إلى وضع آلية أو آليات متكاملة لحل الخلافات كتشكيل لجان التوفيق التي تختص بالتدخل والحيلولة دون اتساع فجوة الخلاف وتداركها مبكراً.

وبالتأكيد يتوجب علينا العمل الدائم والدؤوب على توفير مقومات الحوار الداخلي البناء، من إدارة علمية دقيقة لجلسات الحوار، التي يفترض أن تصبح تقليداً يسبق ويلي كل مفصل، شريطة أن يتحلى المتحاورون بالإيجابية والموضوعية والمسؤولية وأن يتم تناول الخلافات من منطلق سياسي ومنهجي نزيه ومتجرد، وليس من منطلق ذاتي ولا مصلحي.

في ظل ظروفنا الصعبة وتجربتنا الطويلة المريرة لا بد أن نعتاد على أن نستبدل الاقتصار على ذكر  وشرح النواقص والعيوب بتحميل محتوى ما نطرح بالتحذير من المخاطر والتبعات.

حتى الحوار الذاتي الفردي إذا اقتصر على نقد الذات وجلدها سيؤدي في نهاية المطاف إلى إغفال الإيجابيات ونسيان التفاؤل ومن ثم إعاقة تقدمه في محيطه.

وإن ترابط مستويات الحوار وبناءها وارتكازها على بعضها البعض صعوداً ونزولاً يقتضي أن عدم  إتقان لغة الحوار مع الشركاء  سيفقد الفرد أو الفريق أو التيار أو أي مسمى سياسي ما يعتقد أنه موضع اتفاق داخله، فإذا كان هذا الحال داخل تنظيم سياسي سيؤدي به العجز عن الحوار مع الآخرين إلى فقدان ما تم الاتفاق عليه داخلياً، وأما الفرد فستتخلخل فكرته بشكل ذاتي بمرور الوقت وهو قدر لا بد منه، لذلك فإن الإغلاق وتحاشي الحوار ليس حلاً لحماية الاتفاق الداخلي بل زيادة في المشكلة، فالحوار يعزز الأفكار ويختبرها بشكل حقيقي خارج المواقف النظرية المعلبة والمسبقة.

كما أن أحد أهم مزايا الحوار المثمر أنه يقطع الطريق على دواخلنا من إضافة مشكلة جديدة على حساب التعامل مع الكثير الموجود المؤجل فيزداد التراكم وصولاً للانسداد.

وعلينا أخيراً بعد أن نهيئ كل عوامل نجاح الحوار، أن لا نتوقع حلولاً سريعة وأن تكون الحصيلة معالجات لكل مشاكلنا حتى لا نصاب بالإحباط ونتشاءم سريعاً، فطبيعة إنتاج الحوار أنها تراكمية وتظهر تباعاً وبمسار ومحصلة تراكمية.

كما أنه قد آن لنا أن نلعب لعبة السياسة التقليدية والتي بإتقانها يمكن أن نستفيد سياسياً ونحتوي شيئاً من الاختلاف، وأقصد هنا لعبة الحمائم والصقور، فمع كل تجمع بهدف تنهض الأصوات الصارمة والمتمسكة بأقصى المعايير للوصول للهدف وتظهر الأصوات الهادئة التي تعرض سبلاً مختلفة للوصول للهدف ذاته، على مدى السنوات السابقة هدرنا الكثير من الجهد والوقت ولم نستثمر في ذلك مطلقاً بل على العكس من ذلك، في حين كان يمكن العمل على تكامل الأدوار، وفي ثورة كتب عليها القتال والتفاوض كان يمكن لنا فعل الأفضل وماتزال الفرصة قائمة، بل ولا يمكن الاستغناء عنها.

فلا بد من أن نقبل على الحوار دون أدنى خشية بين كافة المعنيين في الطبقة السياسية الثورية، خاصة وأن هذا الحوار لا يتطلب منا الانتقال من موقف إلى آخر  وإن كان العمل السياسي يحتمل ذلك، إنما هدف الحوار دوماً إيجاد المشترك وتوسيع الموجود منه.

 فالسماح بتطور أي خلاف إلى تضاد وربما نزاع يعني أن الشركاء تحولوا إلى فرقاء وأثبتوا عجزهم عن الاتفاق ومن ثم أخفقوا في عملهم السياسي ولوثوا بيئته وربما أفسدوها.

إن شق قنوات الحوار وتوسعة الموجود المتاح منها ليس خياراً بل إنه الخيار العقلاني الوحيد الذي لا يحتمل التأجيل لتدارك ما فات، حتى لا نغرق أكثر في لغة المناكفات على وسائل التواصل وتعاد الأمور إلى أصلها وأصول العمل السياسي، إلى طاولة المخرجات والحلول.

شعبنا ينتظر منا أن نرتقي لذلك ونبني على تقاليد مجتمعنا وبيوتنا ومجالسنا التي تربينا فيها على الأصول والآداب في الحديث والاستماع والتبين وحسن الظن ولا تأخذنا موجة وسائل التواصل حيث تشاء فنتنازع ونفشل وتذهب ثورتنا لا قدر الله.

فالديمقراطية التي ننشدها تبدأ من هنا وتتجذر  في بيئة الحوار الصحية وتثمر شيئاً فشيئاً نتائج إخلاص وصدق وأمانة المتحاورين.