الحرب على إيران.. ما السيناريو الأمثل لنهايتها؟

2026.03.17 | 06:04 دمشق

63333333
+A
حجم الخط
-A

قبيل بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، كان كثير من المحللين يعتقدون أن أميركا ليست جادة في نيتها شن حرب على إيران، وإنما هو أحد أشكال الضغط والتخويف من أجل إجبار الإيرانيين على توقيع اتفاق مذل يرضي الإدارة الأميركية.

ويبدو أن القادة في إيران كانوا يرجحون هذه الفكرة؛ فالمفكرون والمحللون الاستراتيجيون الأميركيون لطالما عبروا عن آراء ومواقف وتحليلات توحي بأن أميركا، بعد حرب العراق، لا يمكن لها أن تتورط مرة أخرى في حرب طويلة الأمد، ممتدة أو متطاولة كما يسمونها في أدبياتهم.

كيف اقتنع ترمب بشن حرب على إيران؟

كانت الأغلبية في أميركا تعتقد أن التحدي الإقليمي الذي تمثله إيران ليس قابلاً للحل بتوجيه ضربة عسكرية إسرائيلية أو أميركية إلى المرافق النووية الإيرانية. وحتى وقتنا الراهن يبدو أن نظرة كبار القادة في أميركا لم تتغير حيال الحرب مع إيران؛ فمن خلال الاستشارات التي أجراها الرئيس "ترامب" مع كبار قادته العسكريين سمع منهم كلاماً غير مشجع: فهذه الحرب سوف تكون طويلة ولن تكون سهلة، لكن الرئيس بقي مصمماً على موقفه واتخذ قراره بشن الحرب على إيران.

قيل إن "نتنياهو" وبعض الشخصيات اليمينية المتطرفة في الإدارة الأميركية أغوت "ترامب" بأن إيران ليست سوى نمر من ورق، وأن تكاليف مهاجمتها والتخلص من نظامها سوف تكون محدودة، بينما الفوائد لا حصر لها. ولعل ما جعل "ترامب" أكثر جرأة أن إيران، في حرب الاثني عشر يوماً، كان ردها باهتاً لم يرق إلى المستوى الذي يمكن أن يشكل رادعاً لكل من أميركا وإسرائيل ويجعلهما تعيدان الحسابات ألف مرة قبل التفكير في مهاجمتها مرة أخرى.

واكتمل المشهد بنجاح عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي "مادورو"، حيث خرج من داخل النظام من يتفاهم مع الرئيس ترامب دونما عناء يُذكر. وبالتالي، فإن اختطاف رأس النظام الإيراني، إذا كان غير ممكن، فتصفيته مع كبار قادته قد يفي بالغرض، والذي هو في نهاية الأمر إخراج إيران نهائياً من المعادلات الإقليمية، وظهور نظام مقرب من أميركا كحد أدنى، ومن ثم إعادة صياغة جزء من العلاقات الدولية ونسق التحالفات الدولية بما يكرس الهيمنة الأميركية.

إن العملية أصبحت صعبة ومعقدة ومركبة؛ فمن أجل أن تخرج أميركا منتصرة من هذه الحرب تحتاج إلى: ضبط التصعيد، ومنع توحيد خصومها، وتجنب الاستنزاف.

كيف يمكن لأميركا أن تنتصر؟

بدأ ما يسميه ترامب بالعملية العسكرية المحدودة باغتيال المرشد وعدد من كبار القادة الإيرانيين، لكن النظام الإيراني لم يتهاوَ كما كان متوقعاً، وأصبح الحديث عن عملية عسكرية محدودة يفتقر إلى الدقة، فما حصل في الأيام التالية وما يزال مستمراً هو حرب مكتملة الأركان. حرب يرى فيها الأميركيون أنفسهم أنها غير شرعية ومخالفة للقوانين والأعراف الدولية، بينما تنظر إليها الأكثرية الواسعة من حلفاء أميركا على أنها سلوك أميركي متطرف جاء أحادياً وملتبساً ونفعياً.

وهكذا بدأ التذمر من قبل الأميركيين وغير الأميركيين مبكراً، وراح كثير من المحللين يتحدث عن فشل هذه الحرب في تحقيق أهدافها. لكن الجميع يعترف بأنه لا يمكن لترامب العودة من منتصف الطريق، ولا بد له من تحقيق إنجاز ما قبل القول إننا انتهينا من هذا الموضوع.

وبهذا المعنى يمكن القول إن العملية أصبحت صعبة ومعقدة ومركبة؛ فمن أجل أن تخرج أميركا منتصرة من هذه الحرب تحتاج إلى: ضبط التصعيد، ومنع توحيد خصومها، وتجنب الاستنزاف.

وتبدو هذه الشروط، إذا ما أضفنا إليها الحفاظ على الشرعية الدولية ولو بالحد الأدنى، صعبة التحقيق، إلا إذا وصلت القوات الأميركية إلى إنجازات مهمة خلال وقت قصير. وهذا يعني أننا سنشهد في المرحلة القادمة زيادة في وتيرة القصف وتنويعاً في اختيار الأهداف وطبيعتها، وربما نشهد بعض العمليات البرية في بعض المناطق الحساسة.

وهذا متوقع إلى حد كبير، لكن غير المتوقع، والذي يصعب توقعه، هو إن كان النظام الإيراني سيبقى صامداً أم سينهار أو يستسلم.

النظام الإيراني الذي نعرفه أصبح من الماضي

يقال إن الدول أجساد ورؤوسها هي القيادات، وتوقع "ترامب" أن ينهار النظام الإيراني بمجرد التخلص من قيادته ليس ضرباً من الخيال؛ ففي الحقيقة ما تلقاه النظام الإيراني باغتيال المرشد هو ضربة قاتلة.

صحيح أن النظام الإيراني ما زال يعمل، إلا أن كفاءته انخفضت كثيراً. وصحيح أن المسؤولين الإيرانيين يحاولون إظهار تماسك بنية النظام، لكن حجم الضربات التي تتعرض لها المنشآت العسكرية وغير العسكرية الإيرانية وكثافتها، وعمق الفجوة التي خلفها اغتيال المرشد وكبار قادته، تثير الشكوك حول مصداقية الصورة التي يحاول الإيرانيون تصديرها عن تماسك نظامهم.

يعتقد بعض المحللين السياسيين أن الهدف المعلن للحرب بإسقاط النظام الإيراني أسهم في تماسك هذا النظام إلى حد ما؛ فالجميع أصبح مهدداً، والجميع أصبح مستعداً للدفاع عن النفس.

وبهذا المعنى أصبح الهدف الحقيقي للنظام الإيراني هو الحفاظ على الذات، وإن استطاع فعل ذلك سيخرج على جماهيره معلناً النصر على ركام بلد يمكن أن يوصف حرفياً بأنه "بلد مطحون".

أجل، إن بقاء النظام الإيراني إلى ما بعد هذه الحرب أمر وارد، لكنه بقاء مؤقت؛ فالتغيير – غالباً – يأتي بعد الهزائم الكبرى وليس في أثنائها.

ولكن، رغم كل شيء، لم يعد من الممكن الحديث عن النظام الإيراني الذي عرفه العالم خلال العقود الماضية، فذلك النظام رحل مع اللحظات الأولى لاغتيال مرشده الذي طبعه بطابعه، واختار له نهجه وسلوكه، وضبط إيقاع مؤسساته.

وأخيراً ترك لمن يخلفه إرثاً عنوانه العريض هو "الفشل": فاستراتيجية الدفاع المتقدمة فشلت، وخوض الحروب خارج حدود إيران فشل، وها هي إيران تُدك طولاً وعرضاً من قبل أعتى قوة على وجه الأرض. أما عن الفشل الاقتصادي فحدّث ولا حرج.

إن السيناريو الأمثل لدول منطقة الشرق الأوسط بالعموم هو أن تنتهي هذه الحرب دون أن يسقط النظام الإيراني؛ لأن ارتدادات سقوطه الفوضوي الحر قد تكون أكثر أذية لدول المنطقة من الحرب ذاتها.

السيناريو الأمثل لنهاية الحرب

في مجمل الأحوال، كان فشل العملية العسكرية في تحقيق هدفها بالضربة الأولى بمثابة إطلاق العنان للمحللين للتنبؤ بسيناريوهات نهاية الحرب، وأصبح اليوم يمكننا الحديث عن عشرات السيناريوهات.

ولكن مع مرور الوقت بات بالإمكان الحديث عن سيناريو مختلف ومحبذ؛ فالانتصار السهل لكل من أميركا والكيان الصهيوني في هذه الحرب سوف يدفع الكيان الصهيوني إلى مزيد من الغطرسة والتجبر. ورغم أن الحديث عن نصر حقيقي لإيران يُعد ضرباً من الخيال، إلا أن تحقق مثل هذا السيناريو – مع احتمالاته المنخفضة جداً – سيدفع النظام الإيراني أيضاً إلى مزيد من الغطرسة.

إن السيناريو الأمثل لدول منطقة الشرق الأوسط بالعموم هو أن تنتهي هذه الحرب دون أن يسقط النظام الإيراني؛ لأن ارتدادات سقوطه الفوضوي الحر قد تكون أكثر أذية لدول المنطقة من الحرب ذاتها. ولكن في المقابل يجب أن يكون الطرف الآخر قد وصل إلى مرحلة الإعياء، وخاصة الكيان الصهيوني الذي أصبح بحاجة إلى كبح جماح غطرسته. فأن يخرج الكيان الصهيوني من هذه الحرب وقد أثخنت جراحه سوف يجعل قادته ونخبه يحسبون ألف حساب لأي مغامرة عسكرية جديدة.

ومن جهة أخرى، يمكن للشارع الصهيوني أن يتقبل فكرة النصر رغم ارتفاع التكلفة؛ فالصهاينة ينظرون إلى إيران كتهديد وجودي. ويمكن لنتنياهو بعد الحرب أن يقول: لقد أنهينا كل البرامج والإمكانات التي جعلت من إيران خطراً وجودياً، وجعلناها بلداً مطحوناً يحتاج إلى عقود لترميم جراحه.

ولكن ماذا يمكن لترامب أن يقول؟ سيقال في أميركا إن هذه الحرب حققت أهداف نتنياهو ولم تحقق أهداف ترامب. وبالتالي سوف تتراجع قوة التيار اليميني المتطرف الداعم للكيان، وسوف يُنظر إلى الكيان بوصفه جهة ورطت أميركا في حرب ليست حربها.

يقال إن الصراعات لا تنتهي وإنما تتحول، بمعنى أنه لا يوجد سيناريو يمكن أن يؤدي إلى إنهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وإنما يمكن لنهاية ما للحرب أن تحول الصراع من صراع عنيف مدمر إلى صراع كامن يستبعد العنف في وقت ما.

لكن الأهم من هذا وذاك، وبغض النظر عن الشكل الذي سوف تنتهي به هذه الحرب، هو أن تكون دول المنطقة فاعلاً في عملية إعادة تشكيل المنطقة، وألا تكتفي بدور المفعول به.