الحرب الأهلية السورية في فيس بوك

2025.09.18 | 14:46 دمشق

facebook
+A
حجم الخط
-A

"شعورٌ مؤلم إذا لم يشعر الإنسان بالألم"

خاض الشعب السوري على مدى 14 سنة، حرباً قاسية، ضد نظام استبدادي يعتبر من أعتى الأنظمة البوليسية خلال القرن المنصرم. رافقت هذه الحرب، حربٌ إعلامية (رقمية) رديفة، لا تقل شراسةً عن نظيرتها العسكرية التي عانى منها السوريون. لم تكن وحدها الصواريخ والراجمات والطائرات، والبراميل المتفجرة، والسجون الدموية والتهجير الممنهج، أدوات نظام الأسد ضد الشعب السوري فحسب، بل إن النظام استخدم إعلامه لطمس الحقائق، وتزوير وتحوير ما يجري على الأرض، وذلك منذ اندلاع الثورة عام 2011 حتى تاريخ سقوطه في 8 كانون الأول 2025؛ وكان موازياً لإعلامه المحلي، إعلامٌ خارجي تديره قوى حليفة له، شاركت إلى جانبه في الحرب (عسكرياً وإعلامياً)، وتبنّت عبر إعلاميين ومحللين سياسيين ومسؤولين لديها خطاب النظام الممجوج بمحاربة "الإرهاب". وبعضها ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث خلطت الحق بالباطل، بأنْ جعلت من نظام الأسد وجيشه وأجهزته الأمنية ومؤيديه أبطالاً خارقين، يحاربون "مؤامرة الشر العالمية" التي تقودها الإمبريالية الأميركية، إضافة إلى ذلك، ينافحون بالوقت ذاته عن قضية فلسطين المركزية من خلال جسر "محور المقاومة" المزعوم الذي يمتد من طهران إلى جنوبي لبنان وسوريا!      

»دماء ساخنة على قارعة فيس بوك«

منذ تأسيسه في عام 2004 حتى وقتنا الراهن، صار عمر هذه الطفرة التكنولوجية الكبرى في وسائل التواصل الاجتماعي 21 عاماً؛ إذ قدّمَ "الفيس بوك" فضاءً واسعاً ومجالاً غير محدود لشعوب العالم بداعي التعارف والتواصل، ونَشْرِ الآراء والكتابات. انتشر واشتهر الفيس بوك في الشرق الأوسط بعد عام 2007، وصار ملجأً للتواصل بشكل أوسع مع انطلاق ثورات الربيع العربي في ديسمبر / كانون الأول عام 2010. أما في سوريا، ببداية الثورة عام 2011، جيّشت أجهزة المخابرات في نظام الأسد جماهير غفيرة تحوّلت إلى "ذباب إلكتروني" في الفيس بوك ضد الحراك السلمي، وخصصت ميزانية مالية ضخمة، وموظفين مرتزقة لا شغل لديهم سوى مقارعة ومناكفة خطاب الناشطين وكل من يطالب بالحرية في سوريا. حيث جرت "معارك طاحنة" على فيس بوك مستمرة حتى الآن، بين من يعشق العبودية ويفتديها بروحه، ومن رفضها وكسَرَ أغلال الخضوع طلباً للحرية. عدا عن ذلك، عمد النظام إلى منهجية مدروسة، وهي نشر "فيديوهات مؤلمة" لمعتقلين تحت التعذيب، أو مشاهد مصوّرة لقصف مدن بالطائرات والبراميل المتفجرة.

ونكايةً بالسوريين المعارضين، تم إنشاء صفحات خاصة، بأسماء وهمية، وصفحات تابعة لقواته أو لميليشيات أجنبية تُنشر فيها فيديوهات لعمليات القتل والتعذيب في الشوارع، والخطابات الطائفية المحرضة؛ كلّ ظنّهم – أتباع النظام ومرتزقته – أن هذه "المنهجية الإلكترونية" سوف تردع الحراك ضدهم، أو تخفّف منه قليلاً!  

إن حجم التحريض المنتشر، والسقف العالي للخطاب الطائفي في منصات التواصل الاجتماعي، وخاصةً على فيس بوك، يعكس تفكّكاً مجتمعياً خطيراً، يضاف إلى ما فكّكه النظام وحلفاؤه من النسيج السوري؛ فضلاً عن ذلك، كان لعوامل الحرب دور كبير في إقصاء الوعي عند جيل كامل من السوريين، وهي فئة عمرية بين 6 أعوام إلى 12 سنة نشأت في أتون المعارك والتهجير والقتل خلال 14 سنة مدمرة! حيث بلغوا من العمر الآن بين 20 إلى 26 سنة، وقد حرموا من التعليم، والسكن الآمن، ومنهم من فقد على الأقل أحد والديه أو بعض أشقائه، أو معيله؛ ولن نغفل قطعاً الوضع الاقتصادي المدمّر في سوريا، الذي دفعهم إلى التسرب من المدارس -إن وجدت في مناطق الصراع- أو امتهان أعمال شاقة لكسب أرزاقهم، أو اللجوء إلى تعاطي المخدرات التي صنّعها وروجها نظام الأسد ضمن بيئتهم!  ففي بيان صحفي لمنظمة اليونيسيف العالمية نشر بتاريخ 25 آذار / مارس 2025، جاء: "يُقدّر أن أكثر من 75 بالمئة من أطفال سوريا - البالغ عددهم 10.5 مليون طفل - قد وُلِدوا خلال الحرب التي استمرت 14 عاماً. و"أكثر من 40 بالمئة من أصل حوالي 20,000 مدرسة في البلاد لا تزال مغلقة، ما يترك أكثر من 2.4 مليون طفل خارج الفصول الدراسية وأكثر من مليون في خطر ترك الدراسة".

إن حجم التحريض المنتشر، والسقف العالي للخطاب الطائفي في منصات التواصل الاجتماعي، وخاصةً على فيس بوك، يعكس تفكّكاً مجتمعياً خطيراً، يضاف إلى ما فكّكه النظام وحلفاؤه من النسيج السوري

هذا الجيل، الذي ترعرعَ كما قلنا في ظل الحرب، وتعرض لأبشع أنواع الانتهاكات، يستخدم منصات التواصل الاجتماعي كسلاح ذي حدين، أشهرها حالياً "تيك توك" وفيس بوك، حيث يذهب إلى خطاب متأزّم، وموتور ضد "خصومه الافتراضيين"، بنسبة كبيرة، مقارنةً بأجيال أخرى أكبر منه سناً، رغم أن الأخيرة، يصدر عنها خطاب مماثل، لكن بنسب ضئيلة.  ومن الغريب أيضاً، أن نقرأ وبشكل متكرر لـ "مثقفين وأكاديميين" خطاباتٍ عنصريةً وطائفية على منصات التواصل، وخاصةً في الفيس بوك، وبعض هذه الخطابات تدعو إلى الانتقام وتخوين الآخرين، من الذين لم يشاركوا في الثورة (الرماديون أو المقهورون في زمن النظام)، وعكس ذلك، يتم تخوين من شارك في الثورة من قبل شرائح "سورية" تنادي بمشاريع انفصالية عن الدولة، حيث تصفهم بــ "الدواعش"، أو أصحاب إرث استبدادي راديكالي – في إشارة إلى مناصري هيئة تحرير الشام – وغير ذلك من مُسمَّيات ومصطلحات فيسبوكية و"هاشتاغات" لم تُعطَ حتى الآن "براءة اختراع من مارك زوكربيرغ!"

»معارك فيس بوك بعد سقوط النظام«

 استخدمت فئة واسعة من السوريين بعد سقوط الطاغية بشار الأسد وفراره إلى موسكو مصطلحاً ساخراً في الفيس بوك، يحمل في طياته إدانة وتعرية للذين كانوا يؤيدون نظام الأسد ومن ثم انقلبوا ضده بعد سقوطه، ألا وهو مصطلح "التكويع"؛ أي أنّ هؤلاء الأشخاص غيّروا ولاءهم بسرعة فائقة، وزعموا أنهم "ينتمون" للثورة، ومنهم من ادعى أنه مناضل، ومن أوائل الثوار والناشطين! فضلاً عن الذين تذرعوا وأخذوا يبررون أنهم كانوا مجبرين على الاصطفاف مع النظام! وهنا يأتي سؤال بسيط: هل ثمة قوة على وجه الأرض تجبر أي شخص على العبودية وتأييد القتل والإجرام؟ أم أنّ الذين ساندوا الأسد وأيدوه، ثم انقلبوا عليه بعد سقوطه يجيدون استخدام النظرية الميكافيلية؟ "الغاية تبرر الوسيلة!" إذن، ما هي غاياتهم؟ طبعاً، للإجابة عن هذا السؤال ليس علينا سوى مراجعة الآراء والمنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها فيس بوك؛ إذ نجد صراعاً محموماً يصل إلى الشتائم والتشهير والوعيد بالانتقام، من جميع الأطراف المتخاصمة، مع تجاهل لغة العقل ضمن النقاش أو الحوار حول قضية معيّنة! حيث تلعب أطراف كانت أو لا تزال تؤيّد نظام الأسد دور "الضحية" أو تنادي بمظلومية "الأقليات" التي سوف تسحقها "الأكثرية السنية"، بحسب ادعاءاتهم! وهذا الدور أو الخطاب الممنهج لم يأتِ عبثاً، حيث إنه في علم النفس السلوكي هناك أسلوب يستخدمه المعتدون أو المجرمون، يبدأ بإنكار جرائمهم، أو التهرب منها عن طريق نسبها إلى آخرين، أو تغيير هدف الجرائم على أنها لم تكن عمداً أو ممنهجة، بل هي دفاع عن النفس! 

وتتكرر على صفحات التواصل الاجتماعي "الفيس بوك" منشورات تهاجم الضحايا الأصليين- النسبة الكبيرة من السوريين الذين دفعوا فاتورة باهظة الثمن على مدى 14 سنة بسبب جرائم النظام وحلفائه- بأنهم مجرمون وأصحاب مشاريع غير وطنية، وليس بإمكان "الأقليات" التعايش مع هذه الفئة؛ في حين أن أغلبية هذه الفئة (الخاسرة) كما نرى حتى الآن، لا يزالون يبحثون عن رفات أولادهم وأقاربهم وأحبائهم، ولا يمرّ يوم إلا ونشاهد فرق طبيّة أو عوائل يكتشفون مقابر جماعية وسجون سرية تحت الأرض تحتوي على عشرات الجثث معظمها من الأطفال والنساء!

»غياب العدالة الانتقالية.. السلم الأهلي «

لم يكتفِ السوريون بمشاهدة بعض ضبّاط نظام الأسد الكبار في قبضة القضاء السوري، أو غيرهم من الشخصيات المعروفة، التي كانت تساند الطاغية ونظامه؛ حتماً، هذه الخطوة جدّ مهمة لطمأنة بعض الأنفس المكلومة، لكنها لم ترتقِ إلى حجم الجريمة ومصاب السوريين، حيث هناك مجرمون قاموا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا يزالون "يسرحون" ويمرحون على مرأى من أعين وزارة الداخلية! بل أنكى من ذلك، تم تعيين شخصيات معروفة بإجرامها وتبعيتها لنظام الأسد في مناصب حسّاسة في الدولة السورية "الجديدة"، والعفو عن رجال أعمال موّلوا جرائم نظام الأسد بذريعة السلم الأهلي وعدم الانتقام أو الإفراط بالمحاسبة!

هذه الخطوات المجحفة وغير العادلة، أو السياسة التي تتبعها حكومة الشرع تجاه ملف العدالة الانتقالية، من شأنها أن تؤجج المشهد السوري نحو الأسوأ، وخاصةً عند أولياء الدم، الذين لم يشاهدوا قتلة أبنائهم أو أقاربهم ينالون الجزاء المناسب من خلال القضاء! وعليه؛ سيسعى أولياء الدم إلى انتقامات فردية أو جماعية؛ وقد تم رصد حالات انتقامية كثيرة في حلب ودمشق ودرعا واللاذقية ودير الزور، نشرت على منصات التواصل الاجتماعي (فيس بوك) مع دعوات لأخذ الثأر الشخصي في ظل غياب أو إهمال ملف العدالة الانتقالية!

طبعاً.. الإرث أو التركة التي خلّفها نظام الأسد من دمار وتفكك مجتمعي واقتصاد محطم في سوريا، كله حمل ثقيل على الحكومة الانتقالية في دمشق، لكن هذا لا يعني تجاهل دماء السوريين، والركض وراء الاعتراف الإقليمي والدولي واسترضاء القوى الكبرى على حساب الداخل السوري!

نهايةً.. لن تُطفأ جذوةُ المعارك اليومية، "الكلامية" أو "المباشرة"، بين السوريين أنفسهم في الحياة الفيزيائية أو الافتراضية على "فيس بوك" إلا بحلول جذرية، على رأسها، تفعيل ملف العدالة الانتقالية كأولوية قصوى، إذ ستوفر العدالة مساحة من الهدوء والاستقرار النفسي والمجتمعي، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة محاسبة كافة المجرمين، ومنهم من أوغل في دماء أهلنا الأبرياء في الساحل السوري والسويداء.