الحراك اللبناني: استحالة الجمع بين حزب الله والاقتصاد الحر

تاريخ النشر: 19.10.2019 | 18:33 دمشق

ليس ما يحدث في لبنان "ثورة" وفق نماذج "الربيع العربي". ليس حال لبنان ببساطة وقسوة ديكتاتورية استبدادية بمواجهة شعب. استعار شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" من قبل المتظاهرين اللبنانيين لا تحمل المعنى ذاته الذي قالته الشعوب العربية.

النظام في لبنان ليس على قطيعة مع "الإرادة الشعبية". هو، إجرائياً، نتاج تمثيلي فعلي للغالبية الساحقة من المواطنين. بل إن السلطة في لبنان هي انعكاس حقيقي للفسيفساء السياسية والطائفية (والقبلية، العائلية) التي يتسم بها المجتمع اللبناني.

الحراك اللبناني هو اعتراض على فشل النظام وضعفه. عجز النظام هو سبب النقمة لا العكس. اللبنانيون يعانون من هزال النظام لا من جبروته. فانفجار الغضب الشعبي ليس لـ"هدف" أو مطلب واحد. وحتى عندما نجد الشعار الأبرز هو استقالة الحكومة، إلا أن المطالبة بذلك تأتي لدوافع بالغة الاختلاف والتناقض.

المعضلة اللبنانية هي غياب النظام لا حضوره. ومن يشاهد من بعيد، من الخارج، ما يحدث في لبنان، يظن أن اللبنانيين توحدوا كشعب بمواجهة سلطة. لكن، في الحقيقة أن هذه السلطة "الائتلافية" لديها شرعية شعبية قائمة على ولاءات عريضة وواسعة طائفياً وحزبياً. فهناك ثلاث طوائف كبرى: السنّة، والشيعة، والموارنة. هذه الطوائف، وبالترتيب المذكور ممثلة بتيار المستقبل، وحركة أمل – حزب الله، والتيار الوطني الحر (العونيين). هؤلاء هم اليوم أساس السلطة والحكومة وأجهزة الدولة. بل إن أحزاباً مسيحية "معارضة" كالقوات اللبنانية هي شريكة في الحكومة، وهذا الأمر ينطبق على الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يواليه معظم الدروز.

الانفجار الشعبي الذي تشهده المناطق اللبنانية كلها والعاصمة، هو ما دون "تغيير النظام"

الانفجار الشعبي الذي تشهده المناطق اللبنانية كلها والعاصمة، هو ما دون "تغيير النظام". هو استياء عارم وغضب شامل من الانحطاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي وصل إليه لبنان. والخروج إلى الشوارع عنوانه الظاهر هو سوء الأحوال الاقتصادية واستشراء الفساد.

والفساد هو منظومة راسخة بل هو العصب الرئيسي لعلاقة "الشعب" مع "النظام". الدولة اللبنانية هي أكبر رب عمل، وهي المصدر الأساسي للاسترزاق. استيلاء ممثلي الطوائف الأقوياء على مفاصل الدولة والإدارة يتيح لهم إنشاء علاقة زبائنية بينها وبين جمهورها ورعيتها (ناخبيها). السطو على الدولة ومقدراتها ومصادر إيراداتها وماليتها، يتيح إدارة توزيع مغانمها، وفق ما يسمى "المحاصصة" الطائفية، على الأتباع والمستزلمين والمؤيدين والموالين.

هكذا، يجد الزعماء والأحزاب مصدراً للثروة ووسيلة لاستتباع الجمهور والسيطرة على مصالح الناس، بما يضمن جعل معظم اللبنانيين مضطرين لتأمين حاجاتهم ومصالحهم مرتبطة بالولاء الطائفي ومن يمثل هذه الطائفة. وبالطبع، السيطرة بالتحاصص على الدولة يتيح أيضاً السيطرة على القطاع الخاص نفسه، إن في الوظائف أو المشاريع الكبرى أو التجارة أو المقاولات..إلخ.

هذه "العلاقة" كانت فعالة ومرْضية لجموع الطوائف في زمن الوفرة، فيما الاعتراض المدني (الإصلاحي) بقي هامشياً وغير مؤثر.

الحراكات الاحتجاجية المتفرقة في السنوات السابقة غالباً ما كانت تنتهي من دون تحقيق أي تغيير، وتتلاشى في لحظة اصطدامها بالواقع السياسي، الثابت دوماً على الانقسام الطائفي العميق. فأي تصادم أو مسّ بالتركيبة السياسية القائمة سرعان ما يستجلب الشبح الذي يرعب اللبنانيين: عودة الحرب الأهلية. فالخوف من الحرب الأهلية، يجعل أي حراك أو احتجاج دون السياسة. وهذا بالضبط ما يستخدمه أهل السلطة كفزاعة لتبديد أي محاولة صوغ "معارضة" وطنية عابرة للطوائف.

المعضلة اللبنانية الحقيقية أبعد من الفساد، الذي كان عبارة عن وسيلة لـ"توزيع الثروة"

المعضلة اللبنانية الحقيقية أبعد من الفساد، الذي كان عبارة عن وسيلة لـ"توزيع الثروة". المعضلة هي اقتران الفساد بالإفلاس والشحّ المالي والتأزم الاقتصادي. والسر يكمن هنا. اللبنانيون يخسرون اقتصادهم. وغضبهم هو رفض لحقيقة الواقع الذي باتوا فيه.

ما لا يقوله لا رئيس الحكومة ولا الناس هو أن لبنان يدفع ثمن انزلاقه إلى "دولة ممانعة".

الاقتصاد اللبناني رأسمالي (حرية السوق) ومرتبط بنيوياً – عضوياً بالسوق العالمي واقتصادياته، ويعتمد إلى حد كبير على تشابكه مع العالم العربي. والسمة الأساسية له هي قوة قطاعيّ السياحة والخدمات. وماليته تتصف باعتمادها على التحويلات المالية الخارجية. جذب الأرصدة بالعملة الصعبة هي مرتكز للقوة المالية والاستثمار.

شرط هذا الاقتصاد في السياسة أن يكون لبنان منفتحاً على العالم وعلى الدول العربية ومستقراً وآمناً. أي خلل في هذه المعادلة السياسية يُعطل الاقتصاد اللبناني ويخنقه.

ما حدث ابتداء من العام 2008، هو تكريس حزب الله لسيطرته وهيمنته على النظام اللبناني. وفرض ما يسمى "الديموقراطية التوافقية" أي منع إنتاج سلطة وفق نتائج الانتخابات اللبنانية، واشتراط تأليف حكومة "وحدة وطنية" على الدوام، تتبنى قسراً معادلته السياسية (جيش، شعب، مقاومة) أي إلحاق لبنان بسياسته الإقليمية وتكريس "المقاومة" (حزب الله) صاحب القرار الاستراتيجي حرباً وسلماً وحدوداً وعلاقات دولية.

على هذا المعنى، تحولت "الدولة اللبنانية" إلى مجرد واجهة رسمية تغطي سلطة حزب الله وسياساته وخياراته. أما خصوم حزب الله (تيار المستقبل، القوات اللبنانية، التقدمي الاشتراكي...) فكان خيارهم إما الرضوخ و"المشاركة" على أمل الحفاظ على الحد الأدنى، وإما الإقصاء والتهميش والخنق. لذا، كان تورطهم القسري في هذه السلطة الائتلافية التي يمسك بها "الولي الفقيه" للجمهورية اللبنانية: حسن نصرالله.

الصفقة كانت كالتالي: القرار والاستراتيجيا والعقيدة السياسية لحزب الله، الإدارة والاقتصاد والحصص والوظائف وفتات المغانم والخدمات للشركاء. وعلى هذه الصفقة انزلق النظام اللبناني إلى الفساد المطلق.

الانسداد والتدهور هو النتيجة الطبيعية لاستحالة الجمع بين الاقتصاد الحر و"المقاومة" أو الجمع بين حروب حزب الله على الحدود وفي الإقليم وبين السياحة. استحالة اقتصاد مدولر (من الدولار) وعقوبات أميركية على حزب الله ومجتمعه. استحالة اقتصاد خدمات من ناحية ومعاداة الدول العربية والغربية من ناحية مقابلة.

ما فعله حزب الله في لبنان منذ اغتيال رفيق الحريري هو إلحاق هذا البلد بمحور "الممانعة" أي حرمانه من كل مقومات اقتصاده. وإذا جمعنا هذه المصيبة مع تعطيل النظام الديموقراطي (مثلاً: منع لسنتين انتخاب رئيس جمهورية إلا عند رضوخ الجميع لاسم مرشحه: ميشال عون)، مع استفحال الفساد الناتج عن المحاصصة.. تكتمل وصفة اليأس الذي أخرج اللبنانيين من بيوتهم احتجاجاً صادقاً، لكنه يفتقر تماماً إلى الخطاب السياسي، تماماً كما قال نصرالله بكل ثقة: أي انتخابات نيابية جديدة ستأتي بمجلس النواب ذاته وأي حكومة جديدة ستكون هي نفسها ولن يتغير رئيس الجمهورية.

المشكلة ليست في "إسقاط النظام"، بل هي في "تحرير النظام" والاقتصاد والدولة من أسر الممانعة وحزبها وولي فقيهها. وهذا ما لا يتجرأ اللبنانيون على مواجهته.