الحجاب في أوروبا إلى الواجهة من جديد

الحجاب في أوروبا إلى الواجهة من جديد

الصورة
الصورة (إنترنت)
21 أيار 2019

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

أقرّ مجلس النواب النمساوي مؤخرا مشروع قانون قدمّه الائتلاف الحكومي يمنع ارتداء الحجاب في المدارس الابتدائية. ورفضت الجالية المسلمة بحزم هذا القانون الذي اعتبرته تمييزياً.

ولقد كانت صيغة مشروع القرار الحكومي عامة من دون الإشارة إلى الحجاب بشكل صريح، فوردت فيه عبارة تنصّ على أن الحظر يشمل "كل لباس ذي تأثير إيديولوجي أو ديني يغطّي الرأس". غير أنّ الحزبين الرئيسيين في الائتلاف الحكومي، حزب المحافظين اليميني بزعامة المستشار سيباستيان كورتز وحزب اليمين المتطرف، أعلنا بكل وضوح أنّ المستهدف من مشروع القانون هو الحجاب الإسلامي. وقال المستشار كورتز إنه يريد منع ظهور "مجتمعات موازية" من المسلمين تتعارض مع قيم البلاد ذات الأغلبية "الكاثوليكية".

في الواقع فإن إثارة قضايا من هذا النوع في أوروبا، وازدياد وتيرتها في المرحلة الراهنة يشير إلى تخوف ملموس من قبل شريحة من الأوروبيين

أما المنظمة التي تمثل المسلمين في النمسا فقد قالت إنها ستطلب من المحكمة الدستورية إلغاء حظر الحجاب في المدارس الابتدائية بعد يوم من إقراره في البرلمان "حظر ارتداء الحجاب في المدارس الابتدائية لن يؤدي إلا إلى التفرقة والتمييز بحق الفتيات المسلمات، سنطرح هذا القانون التمييزي على المحكمة الدستورية".

وفي ألمانيا يدور النقاش حاليًا حول إقرار قانون مشابه، ولقد صرحت زعيمة الحزب الديموقراطي المسيحي أنغريت كرامب – كارنباور، خليفة المستشارة أنجيلا ميركل في رئاسة الحزب "ارتداء الحجاب في الحضانة أو المدرسة الابتدائية ليس له علاقة بدين أو حرية دينية، وهكذا يرى الأمر الكثير من المسلمين أيضا".

أما رئيس المجلس المركزي لمسلمي ألمانيا فقد انتقد النقاش قائلاً "إن هذا النقاش يدفع في نهاية المطاف نحو استمرار تهميش المسلمين".

في الواقع فإن إثارة قضايا من هذا النوع في أوروبا، وازدياد وتيرتها في المرحلة الراهنة يشير إلى تخوف ملموس من قبل شريحة من الأوروبيين، سواء من النخب أو من العامة، من تغير البيئة الثقافية الأوروبية التي دفعت أوروبا أثمانها الباهظة على مدى عقدين أو أكثر، والمبادئ التي اعتمدتها في سَنّ قوانينها الأساسية أو دساتيرها، وإن طرح قضية من هذا النوع تبدو أن من الممكن تداولها على مستويين متداخلين، مستوى ثقافي قيمي ومستوى ديني.

فالدساتير الأوروبية تقوم على مبدأ أساس هو فصل الدين عن الدولة، وهذا الأمر يعتبر ثقافة عامة متغلغلة في وعي الشعوب، إضافة إلى موضوع عدم التمييز بين المواطنين على أساس ديني أو عرقي أو اجتماعي أو على أساس الجنس، والمساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون، وبناء عليه فإن المرأة تعتبر مواطنًا كاملاً لا تنقص حقوقها عن الرجل.

وإذا كانت التعددية الثقافية مرحب بها ومصونة في الدول الأوروبية فإن هذا الترحيب يضفي شرعية على الانتماء الثقافي المختلف وبالتالي على الانتماء الثقافي للأقليات أو للمهاجرين إليها. انطلاقًا من المفهوم الفضفاض للثقافة يمكن القول إن لها وجوهًا عديدة، ويمكن اعتبار الكثير من الممارسات الجماعية والمنتج الجمعي في مختلف الأصعدة تنضوي تحت مفهوم الثقافة المختلفة، كعادات الطعام والشراب والملبس والأزياء والأعياد وطرق الاحتفالات حتى الزواج والعلاقات الأسرية وتربية الأطفال إلى ما هنالك.

 لكن ارتباط هذه القضايا في الكثير من جوانبها بالدين وإسنادها إلى نصوص أو إلى فتاوى تكتسب شرعية ملزمة، يشكل تهديدًا للبيئة الثقافية المضيفة، لأنها تتعارض في العديد من وجوهها مع المبادئ التي أقرها الدستور وضمنتها القوانين كحقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة وحقوق الطفل.

الدساتير الأوروبية تقوم على مبدأ أساس هو فصل الدين عن الدولة، وهذا الأمر يعتبر ثقافة عامة متغلغلة في وعي الشعوب

إذا كان سن الطفولة كما أقرته المنظمات الدولية يمتد حتى السادسة عشرة من العمر، فإن للأطفال حقوقًا على الأسرة والدولة حمايتها، والطفل غير مؤهل لاتخاذ قرار بإرادة حرة فهو تحت السن القانوني الذي يؤهله لذلك، وبالتالي فإن الحجاب، بحسب هذا المعيار هو مصادرة لحرية الطفلة وفرض لرغبة الأهل وزجها في خانة التمييز عن الطفل الذكر وهو مشروع ترسيخ التمييز بينها مستقبلاً وبين الآخر على أساس الجنس، وهذا يتعارض مع القوانين في تلك البلدان ومع بيئتها الثقافية بشكل عام، وليس بشكل خاص مع المجتمع "النمساوي ذي الغالبية الكاثوليكية" كما جاء على لسان حزب المحافظين اليميني بزعامة المستشار سيباستيان كورتز الذي قال إنه يريد منع ظهور "مجتمعات موازية" من المسلمين تتعارض مع قيم البلاد ذات الأغلبية "الكاثوليكية"، فهذا الخطاب الأصولي يقابل الخطاب من قبل الجماعات الإسلامية الأصولية الداعية إلى أسلمة أوروبا، وفرض هويتها الخاصة.

لست بصدد نقاش قضية الحجاب، فهي بحد ذاتها قضية إشكالية اختلف حولها الفقهاء، لكن لا بد من مناقشة الأمر باعتباره ظاهرة تحولت إلى هوية دينية يتمسك بها أصحابها، خاصة لدى المجتمعات المسلمة في الدول الغربية، وباعتبار هذه الدول لديها دساتير تحفظ الحرية الدينية، أو حرية الضمير، فإن حكوماتها أمام موقف حساس، لكن باعتبارها دول قانون فإن القضية سوف تدرس وتعالج وفق القوانين وانطلاقًا من مواد الدستور، كما صرح رئيس مؤتمر وزراء التعليم الألماني، ألكسندر لورتس، الذي يشغل منصب زير التعليم المحلي بولاية هيسن "عندما يستند الآباء إلى حرية ممارسة العقيدة، فإن دولة القانون يكون لديها فرص ضئيلة للتصرف. الحظر القانوني قد لا يصمد أمام المحكمة الدستورية".

ويراهن السياسي المنتمي إلى الحزب الديمقراطي المسيحي على إجراء محادثات ومشاورات مع الآباء. ولقد جاء في بيان مشترك لساسة بارزين بالاتحاد المسيحي المشارك بالائتلاف الحاكم "نعتزم التطرق للمشكلة على مستوى اتحادي"، لافتا إلى أنه يجري حاليا التشاور حول الناحية القانونية للطريقة التي يمكن من خلالها تطبيق مثل هذا الحظر بهدف صياغة مشروع قانون.

المشكلة في قضية الحجاب أنها رمز ديني راسخ أكثر مما تعبر عن ثقافة أو هوية شعب ما، فالهوية الثقافية قابلة للتغيير والتطور لمواكبة العصر، وهي مرتبطة بمستوى الحريات لدى أي شعب ومطروحة للنقد على الدوام من دون تقديس أو حصانة وهذا سبب تطورها وازدهارها، أما الهوية الدينية فهي متعلقة بالماضي ومنغلقة ورافضة للنقد، في النمسا قبل الحرب العالمية الثانية كانت المرأة التي تلبس الحجاب والثوب التقليدي للنساء تُعد متجذرة ووطنية. وفي الخمسينات بدأ التحول وصار غطاء الرأس التقليدي جزءًا مكملاً للموضة أو الأزياء النسائية تعكس في الغالب الأناقة النسوية والتحرر. فحتى غطاء الرأس في تلك الدول كان من القضايا المجتمعية التي تطورت مع تطور المجتمع وواكبت الحوامل الثقافية الجديدة، لذلك فإن تمسك الجماعات المسلمة بالحجاب على أنه هوية دينية غير قابلة للنقاش أو التداول وفق القوانين الناظمة يدفع بالمحافظين في تلك الدول إلى التمسك بخطابهم والتسويق له من أجل التأثير في الوعي العام وبالتالي يخدم الأجندة العنصرية المناهضة للأجانب وخاصة المسلمين، وهذه الأجندة حاليًا معروضة بقوة على السطح في معظم الدول الأوروبية خاصة في هذه المرحلة التي تتحضر فيها أوروبا لانتخابات البرلمان الأوروبي.

 

شارك برأيك