الجيل الذي أعاد المجد للساحات

تاريخ النشر: 16.11.2019 | 16:15 دمشق

آخر تحديث: 16.11.2019 | 23:02 دمشق

عندما يبدو المستقبل غائماً، وملامحه ضائعة. وعندما يصبح الحاضر انتظاراً محضاً لفرج ما عاد يأتي حتى كتصور. عند هذا تماماً، لا قبل هذا ولا بعده، لن يجد من فقد الحياة في أبسط معانيها وتعريفاتها سوى الميادين والساحات والشوارع كأمكنة ممكنة لتحرير الصراخ والشتائم وفنجرة الروح لاستعادة بعض حياة قد سُلبت سلباً.

إن الأفراد في المجتمعات التي تتحكم بها نظم القمع والسلبطة والسمسرة والسرقة، يخافون من إطلاق صرخاتهم، ويحذرون منها؛ فيكتمونها حتى تتحجر؛ فتضيق بالروح، وتضيق الروح بها،  فتتدحرج حشرجة في صمت صامت في البداية، يحاولونها مثل ولادة عسيرة، يجربونها آلاف البروفات، وقد يفحون بها بين جدران غرفهم المغلقة، وقد تفيض عن قدرة الإرادة والاحتمال؛ فتندفع متلجلجة ومجلجلة في حلقات ضيقة، ثم تتعرف إلى نفسها وإلى ممكناتها واحتمالاتها؛ فتبحث عن مداها الأوسع الأزرق الأخصب، عن الميادين والساحات والشوارع حيث تندمج الأصوات والأجساد وتتمازج، فتغتني، وترق، وتبدع؛ فتخلق ما كان مستحيلاً أن يكون قبل قليل.

هنا وهناك، في الداخل والخارج، في القلب وفي العين وخارجهما، في الميادين والساحات على هذه الأرض الزرقاء الصغيرة، يصبح الأمر كاملاً متكاملاً ومطلقاً، كأن من سُلب وأُهين وانتُهك واعتُقل وقُتل وشُرد... قد قرر أن يكون، وأن يذهب في كينونته الاحتفالية حتى النهاية، وأن يعلنها مواجهة جذرية، لم يعد مهماً كيف تدار، ولا إلى أين تمضي؛ لأن القهر قد تغذى من نفسه فما عاد يحتمل، وما عادت رغبة عند أحد في لجم ثغثغة الصراخ وبركنته بعد الآن.

ليس الأمر درساً في الإنشاء، وليس مجرد فورة غضب مؤقتة. والساحات التي امتلأت لا يبدو أنها ستصمت مرة أخرى؛ فلم يعد هناك ما يمكن أن يخسره أولئك الذين قرروا أن يسكنوا فيها بدل بيوت الصمت والجوع والقهر.

ثمة صرخة تجتاح هذا العالم؛ لكي يشف ويتجمل كما يليق بعالم الإنسان أن يكون، فلم يعد أولئك الذين أناخ العالم بثقله عليهم، أولئك المقهورون والمذلون والمنهوبون، لم يعودوا يقبلون بالصمت

هنا وهناك، الآن وبعد قليل، من بيروت إلى بغداد إلى دمشق والخرطوم والقاهرة والجزائر وسانتياغو وكاراكاس وطهران...إلى آخر مدينة أو قرية أو كوخ في هذا العالم الغشيم اللئيم، ثمة صرخة تجتاح هذا العالم؛ لكي يشف ويتجمل كما يليق بعالم الإنسان أن يكون، فلم يعد أولئك الذين أناخ العالم بثقله عليهم، أولئك المقهورون والمذلون والمنهوبون، لم يعودوا يقبلون بالصمت، وهذا الغضب الذي تراكم وتراكم منذ زمن طويل، لم يعد يحتاج لأحزاب تتفاصح بقراءته ولا لإيديولوجيات لتفسره، إنه الطوفان الذي لم يعد ممكناً السيطرة عليه.

ليست القصة قصة أطفال درعا – على فظاعتها- الذين اعتقلهم ضابط مخابرات أخرق يعمل في مؤسسة قمع ضخمة، ولا ضريبة "الواتس أب" التي حاولت الحكومة اللبنانية فرضها، وليست زيادة 30 "بيسو" على تعرفة المواصلات الداخلية في "سانتياغو"... إنها قصة القهر والإفقار والتهميش والامتهان لعقول الناس ولحقوقهم ولكراماتهم...

 هكذا: ما إن أعلن رئيس التشيلي "سيبيستيان بنييرا" فرض حالة الطوارئ في 19 من أكتوبر الماضي، حتى اندفع التشيليون إلى الشوارع "كجلمود صخر حطه السيل من عل"، سيل لا يمكن الوقوف بوجهه؛ فاضطر الرئيس إلى الاستقالة.

وفي بغداد ما إن أعلنت الحكومة عن فرضها لقانون حظر التجول حتى استوطن العراقيون الساحات، وفي بيروت لايزال أمراء الطوائف والحرب والنهب يراهنون على تعب المتظاهرين، وعلى تعبهم وإحساسهم باللاجدوى كي يعودوا إلى بيوتهم؛ فيعودون هم- أمراء التفاهة- إلى عملهم في نهب ما تبقى. كأن عبدة المال والسلطة لا يقرؤون التاريخ، أو كأنهم يتوهمون أنهم أصبحوا أقوى من قانونه.

في هذه الموجة من المظاهرات التي تجتاح العالم اليوم ثلاث إضافات لم تعرفها البشرية في موجات احتجاجاتها السابقة، هي شعارات أبدعها القهر والحرمان الذي تتشابه مفرداته رغم تباعد الجغرافيا.

 أول هذه الإضافات هو الشعار الذي كثفته مظاهرات بيروت بعبارة "كلن يعني كلن"، والذي يتردد هو نفسه في بغداد وفي سانتياغو وفي الجزائر وغيرها، والذي يعكس فهماً جديداً لعلاقة الشعوب بسارقيها، والذي يضع صيغة العمل الحزبي الكلاسيكي في مهب سؤال معناها ومدى قدرتها على الاستمرار.

وثاني هذه الإضافات يتجلى في النسبة الطاغية من الجيل الفتي الذي ينخرط بكل قوة في هذه المظاهرات، هذا الجيل الذي أنشأ علاقته بالحياة وصيغها ومستقبلها على نحو غير متوقع.

باختصار، وبغض النظر عن النتائج المباشرة لهذه الموجة من المظاهرات: إن ثمة عالم يتهاوى، وعلى وقع انهياره ينمو جيل جديد من البشر، يخترع أدوات معركته الجديدة

وثالثها هو الدور الذي تنتزعه المرأة لنفسها- رغماً عن الآخرين- في تقرير حياتها ومشاركتها في الحقل العام.

باختصار، وبغض النظر عن النتائج المباشرة لهذه الموجة من المظاهرات: إن ثمة عالم يتهاوى، وعلى وقع انهياره ينمو جيل جديد من البشر، يخترع أدوات معركته الجديدة، وثمة زلزال يتنامى ويتمدد ولن يكون أحد بمنأى عنه، فالعالم الذي تحكمه معادلة استغلال ونهب واحدة، قد بدأ ينوء تحت ثقل هذا النهب المتزايد، وهذا الإفقار والتهميش الذي يطول النسبة الساحقة من البشرية.

هل يمكن للجيوش وحرس الحدود وأجهزة الاستخبارات- التي أنتجتها معادلات النهب وشركات متعددة الجنسيات وآليات الاستغلال الصفيقة- أن تبقي العالم محكوماً بنظامه الاقتصادي الحالي طويلاً؟ وبالإجراءات المسكنة المعتمدة هل يمكن تجاوز الأزمة الاقتصادية التي انفجرت منذ عقد من الزمن؟

يبدو أن ما تم السكوت عنه لابد سيتفاقم، وأن الانفجار القادم لابد سيفضي إلى حروب لن تنتهي إلا بفجر الحرية الإنسانية العام، وأن إدارة الظهر لأنين وجوع وقهر الشعوب لم تعد سياسة مجدية؛ فهذا العالم قد أصبح قريباً إلى بعضه بعضاً بما يكفي؛ لكي يدخل صراخ المقهورين إلى غرف نوم المجتمعات التي تعتقد أن بإمكانها صم أذنيها عن ظلم ونهب الشعوب الأخرى.

ثمة حقائق لا مفر من مواجهتها، وثمة عالم قد أصبح شديد التواصل والتقارب، وثمة جيل يتحدى... وثمة قهر ممتد وعميق لم تعد الوعود قادرة على إسكاته، ولم يعد دفن الرأس في الرمال مجدياً، وما كان قد جرب الطغاة نجاعته وجدواه لم يعد يقنع أحداً؛ لأنه ما عاد ممكناً لأحد.

اسمعوا صرخات المقهورين التي تنطلق من ساحات الغضب، لم يعد بالإمكان كتمها، ولا تجاهلها، ولم تعد الوعود المخادعة تكفي لإسكاتها. وإذا كان من يخافون منها يسارعون إلى التحالف من أجل إخراسها، فماذا يتوقعون من أولئك الذين يجمعهم القهر، ويوحدهم مستقبل ممكن مشعشع بالأمل؟

المجد للساحات...المجد لشباب يسخرون كل مطلع شمس من أفكار لاتزال أحزاب وجهات وأفراد تقدسها كما لو أنها كتب مقدسة.

على غرار درعا البلد.. اتفاقيات "تسوية" مستمرة في الريف الغربي
مهدداً بالخيار العسكري.. النظام يطالب وجهاء مدينة طفس بتسليم مزيد من الأسلحة
قوات النظام تدخل إلى مدينة طفس بريف درعا تنفيذاً لاتفاق التسوية
منظمات إنسانية: القطاع الصحي شمال غربي سوريا يوشك على الانهيار بسبب تفشي كورونا
فايزر تنصح بتلقيح الأطفال بلقاحها المضاد لكورونا بجرعات مخفضة
كورونا.. 6 وفيات في الأسبوع الماضي بريف حماة والإصابات ترتفع بطرطوس