الجيش والأقليّات والساسة.. مرحلة التأسيس

الجيش والأقليّات والساسة.. مرحلة التأسيس

الصورة
17 أيار 2019

مهند الكاطع

باحث  في التاريخ الاجتماعي والسياسي السوري ، و 

تركت حقبة الاحتلال الفرنسي التي دامت منذ عام 1920 وحتى سنة 1946م أثرها الواضح على المجتمع السوري، فقد مارس الفرنسيون سياسة أثنية خاصة في سوريا عززت دور الأقليّات في الحياة السياسية والاجتماعية عموماً، والعسكرية بشكل خاص. فقد تم الاعتماد على الأقليات في فرق الجيش الفرنسي المختلفة العاملة في سوريا (الفيلق السوري La légion Syrienne، الحرس المحمول La garde Mobile، السرب L'Escadron) وكذلك الهجانة، والعدد الأكبر من هؤلاء الجنود كما تشير إحدى المذكرات التي أصدرها الشيوعيين بقيادة خالد بكداش سنة 1937، كانوا من المهاجرين من تركيا: من أكراد، ويزيديين، والمسيحيين المعروفين "بطوغلاركي"، ثم من الأشقياء الذين كانوا قبل دخولهم الجيش قطاع طرق ومهربين([1]). أما الضباط فقد كان يتم اختيارهم من أفراد العائلات المتنفذة لإدراجهم في سلك "القوات الخاصة" كي يحفظوا بذلك ولاء الأقليّات التي استقدموا منها بحسب وصف باتريك. 

كان العلويون يشكلون ثمانين بالمائة من عداد الجيش، خاصة في سلاح المشاة، يبرر الضابط العلوي السابق في جيش المشرق "محمد معروف" ذلك بالوضع الاجتماعي الذي جعل العديد منهم يتسابق إلى الانخراط في جيش الشرق عندما بدأت فرنسا الإعلان عنه، مضيفاً أنه في جبل الدروز قام الفرنسيون بتشكيل ما سموه بالتجمعات الدرزية، ضباطهم وأفرادهم من الطائفة الدرزية، إضافة إلى التجمعات الشركسية والعلوية التي كانت قائمة. حتى أن اختيار الفرنسيين لطلاب الكلية الحربية في حمص ومنذ نشأتها، كان يتم بحسب الطائفة والمحافظة لتمثيلها في كل دورة، ففي دورة 1939-1940 كان المقبولون هم: أنطوان خوري من الموارنة (اللاذقية)، فيليب صوايا عن الأرثوذكس (اللاذقية)، محمد معروف

من بين كتائب المشاة الثمانية من القوات الخاصة العاملة في سوريا تحت الانتداب الفرنسي، تألفت ثلاث كتائب بالكامل أو في الأساس من العلويين

وحسن مهنا عن العلويين (اللاذقية)، شارل جان عن الكاثوليك، أنور تامر عن الإسماعيلية ( حماة)، عن السنة وجيه حداد (اللاذقية)، كمال ماظ من دمشق، وسهيل برازي من حماة، وزعير الصلح عن بيروت، وعن الدروز مفيد غصن حلاوي ( لبنان)، خطار حمزة وعبد الكريم زهر الدين (جبل العرب)، بيرميان عن الأرمن، ونظام الدين عن الشيعة، وخالد جادا عن الشركس.

يقدم في هذا الصدد حنا بطاطو معلومات هامة عن السياسية الموجهة نحو الأقليّات والتي اتبعها الفرنسيون بين عامي 1921 و 1945، حيث يقول إنه بالفعل من بين كتائب المشاة الثمانية من القوات الخاصة العاملة في سوريا تحت الانتداب الفرنسي، تألفت ثلاث كتائب بالكامل أو في الأساس من العلويين، ومن بين سرايا الخيالة الاثنتي عشرة التي تتوافر عنها البيانات، تألفت واحدة فقط، هي السرية 24، من عرب سنة ريفيين من دير الزور والرقة، وضمت اثنتين هما السريتان 21، 25، بعض العناصر العربية من قبيلة شمر وعناصر من مدينتي إدلب وحمص، وجميع الوحدات الأخرى كانت من الدروز أو الشركس أو الأكراد أو الآشوريين أو الأرمن أو الإسماعيليين.

إجراءات ما بعد الاستقلال

الشرباتي بوصفه وزير دفاع، أصدر أمر يحمل الرقم 466-س،  بتاريخ 25 آذار 1948م، (قبل زحف الجيش السوري إلى معركة فلسطين بأربعين يوماً) بوقف التطوّع حتى إشعار آخر، وبتسريح العسكريين الذين قضوا في خدمة الجيش خمسة عشر عاماً أو يزيد وإحالتهم على التقاعد، وينقل الأستاذ عارف العارف شهادة مجد الدين الجابري النائب الحلبي في مجلس النواب، بأن الشرباتي كان يرمي من وراء القرار إلى التخلص من العناصر "الغريبة التي لا تمت إلى العروبة بصلة كالأكراد، والأتراك، والدروز، وما إلى ذلك" على حد وصفه.  إلا أن معروف يؤكد بأن الحكومة بعد الاستقلال بدأت بتشكيل الجيش على أساس وطني معتمدة على المتعلمين بالدرجة الأولى، وتقلل من طغيان

ما تعرض له الجيش من إهانات وخاصة الهجمات التي شنها النائب فيصل العسلي رئيس الحزب التعاوني الاشتراكي تحت قبة البرلمان، كلها من الأسباب التي شجعت الزعيم على التفكير في الانقلاب

طائفة معينة في ملاكه، فحلت التجمع الدرزي وأعادت ضباطه وأفراده النظاميين إلى الجيش ووزعتهم على القطعات بشكل متوازن، وتم تسريح عدد من الرقباء والجنود العلويين الأميين واستبدالهم بمتعلمين.

فقدان الثقة بين السياسيين والجيش

كانت نكبة فلسطين حدثاً هاماً ترك أثره على الوضع الداخلي السوري والعربي بشكل عام، وقد تبادل السياسيين والعسكريين الاتهامات بخصوص ذلك، وجرى التحقيق مع العديد من الضباط وتسريح بعض القادة أيضاً، ويبدو أن ما تعرض له الجيش من إهانات وخاصة الهجمات التي شنها النائب فيصل العسلي رئيس الحزب التعاوني الاشتراكي تحت قبة البرلمان، كلها من الأسباب التي شجعت الزعيم على التفكير في الانقلاب. فعلى سبيل المثال فضيحة "السمنة المغشوشة" كانت قد تركت أثرها الأكبر في الإساءة لسمعة الجيش في الشارع السوري خاصة أنها جاءت متزامنة مع الاتهامات المتعلقة بنكبة فسلطين. وحادثة السمنة المغشوشة تم اكتشافها عندما قام شكري القوتلي ورئيس وزراءه خالد العظم بزيارة تفقدية للصفوف الأمامية للجيش ونقاط التموين فيها في أوائل 1949م، وكان مسؤول التموين في الجيش الزعيم أنطون البستاني الذي كان الزعيم عرفه في المدرسة، وأثناء مرور القوتلي في مطبخ الميدان انبعثت رائحة كريهة تبين أنها من السمنة التي تعتبر عنصراً أساسياً في تموينات الجيش، وبشكل خاص الخطوط الأمامية، فأرسلت عينات للفحص فتبين أن السمن مأخوذ من بقايا عظام الحيوانات، فأمر القوتلي بالقبض على البستاني بتهمة الإثراء على حساب الجيش، لكن رئيس الأركان حسني الزعيم بدل تنفيذ الأمر احتجز صديقه في غرفة علوية في مبنى وزارة الدفاع، ربما لكي لا يرغم على الكلام ويفضح شركاء آخرين في القضية. وكان للحادثة أثرها على ضباط الجيش إثر اتهام ضباطه الأساسيين باللصوصية، حتى أن صبية الشوارع كانوا يمسكون بأنوفهم حين مرور الضباط على الأرصفة وكأنهم يقولون "كم هي سيئة رائحة السمنة". سمع القوتلي بأن البستاني محتجز في وزارة الدفاع، فأرسل أمراً بنقله إلى المزة. شعر الضباط بالاستياء من اعتقال ضابط مهم من زملائهم من إدارة سياسية أيضاً متهمة بالفساد والتقصير في تسليح الجيش، كما كانت الاتهامات الموجهة للجيش تحت قبة البرلمان وفي الصحف، مما زاد في شعور العسكريين بالاستياء البالغ من ذلك،  وقد حاول حسني الزعيم نقل مشاعر الاستياء هذه، التي كانت تسيطر على الجيش، إلى قائده الأعلى الرئيس شكري القوتلي، فطلب مقابلته في 25/3/1949، وقدم له «مذكرة خطية» موقع عليها من حوالي خمسة عشر ضابطاً من كبار ضباط القيادة، وتحوي عدة مطالب لإصلاح الوضع كان أهمها:

  1. محاكمة المسؤولين عن عدم تحضير الجيش وإعداده وتسليحه وتجهيزه منذ عام 1945 حتى حرب فلسطين.
  2. تصديق قانون الجيش من قبل المجلس النيابي في دورته الحالية، وقبل إقرار الموازنة وغيرها من القوانين.
  3. عدم التعرض في المستقبل لمناقشة أمور الجيش في جلسات علنية.
  4. الكف عن مناقشة المسائل العسكرية من قبل المدنيين، وتعيين اللجان لها من العسكريين الموجودين في الخدمة الفعلية.

يبدو أن القوتلي لم يلتفت لهذه الاستدعاءات، بل استمر في لوم العسكريين، الأمر الذي انتهى بعد عدة حوادث إلى اندلاع الانقلاب العسكري الأول الذي قاده حسني الزعيم، مفتتحاً عهد الانقلابات العسكرية في المنطقة.

 

المصادر:

  1. باتريك سيل، الصراع على سورية، دراسة للسياسة العربية بعد الحرب 1946-1958 ، ترجمة سمير عبده ، محمود فلاحة،  (دمشق: دار طلاس للدراسات والنشر والترجمة، 1986).
  2. محمد معروف، أيام عشتها  1949-1969، الانقلابات العسكرية وأسرارها في سورية، ط1 ( بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2003).
  3. حنا بطاطو، فلاحو سورية، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنها وسياساتهم، ترجمة عبد الله فاضل – رائد النقشبندي، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014).
  4. عارف العارف، النكبة الفلسطينية والفردوس المفقود، ( كفر قرع: دار الهدى للطباعة والنشر, 1956).
  5. مذكرة أصدرها الحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش في أيلول 1937،
 

[1]  مذكرة أصدرها الحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش في أيلول 1937، تم نشرها في كراس تم ترجمته إلى الفرنسية وتم رفعه إلى المراجع الفرنسية المسؤولة في سورية وفرنسا، أعاد باروت نشر المذكرة كاملاً، أنظر: باروت، التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية، ص875.

شارك برأيك