الجولان إسرائيلي.. هذا "رائع"

الجولان إسرائيلي.. هذا "رائع"

الصورة
عناصر من جيش الاحتلال في الجولان السوري (إنترنت)
05 حزيران 2019

في مثل هذه الأيام قبل 52 عاما كانت الإذاعات العربية فيما يعرف وقتها بـ "دول الطوق" كانت تكذب، تكذب وتقول بمنتهى البجاحة إن قواتنا العربية على جبهات مصر وسوريا والأردن تحبط هجوم الاحتلال الإسرائيلي وتكبده خسائر فادحة، لكن سرعان ما أصبح هذا الكذب عبئاً على الإذاعات والقيادات والحقيقة أنها النكسة، نكسة حزيران التي خسرت بها دول الطوق كرامتها، وكثيرا من أراضيها وتقريبا كل عتادها الحربي الذي كان يشترى بمال الشعوب العربية وقوت عيالها، خسر العرب حربهم تلك لصالح الاحتلال الإسرائيلي الذي احتل في ستة أيام سبعين ألف كليو متر مربع من مصر وسوريا والأردن، كان بينها جل هضبة الجولان ذات الموقع الاستراتيجي الفريد.

انتهت تلك الحرب الخاطفة يوم 10 حزيران وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات آخرها 236 الذي ثبّت الأمر الواقع واعتبر الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل محتلة.

سوريا خسرت الجولان بكثير من الدماء والخيانة التي كان عرابها وزير الدفاع حافظ الأسد، وعاما بعد عام توالت الأحداث وتنوعت النهايات فبينما صالحت مصر في عصر السادات واستعادت سيناء وكذلك فعل الأردن لاحقا واسترد بعض أراضيه، تاهت منظمة التحرير الفلسطينية في دوامة اتفاق أوسلو وضاعت فلسطين والجولان.

انتهت تلك الحرب الخاطفة يوم 10 حزيران وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات آخرها 236 الذي ثبّت الأمر الواقع واعتبر الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل محتلة

أدخل الأسد الأب الجولان في صفقاته ومحادثاته دون أن تنتج أي شيء لأصحاب الأرض سوى أنه حكم به سوريا وأورثها ابنه، لتصبح الجولان حالة عاطفية لدى السوريين الذين أدخلوا في متاهات الحياة في ظل حكم الأسدين الأقلوي الطائفي المستبد الذي خنق البلاد والعباد لأكثر من أربعين عاما، لم ينس فيها الشعب السوري حقه في الحياة وحقه بأرضه، ولم ينس كذلك ثأره مع بائع الجولان، أما إسرائيل التي كانت تحتاج حربا وقيادات عميلة أو تافهة لاحتلال الأراضي فلم تعد كذلك في زمن الحضيض والقهر الذي أوصلنا إليه بشار الأسد، أصبحت تهدى بعض أراضينا وكذلك أقدس عواصمنا، فاليوم البيت الأبيض يحكمه دونالد ترمب الذي يسوق العرب كلهم ليس دول الطوق فقط إلى "حل مفصل" يسمى صفقة القرن تنتهي فيه فلسطين ومعه كل حقوقنا ويتحول جولاننا العظيم بعد قدسنا إلى جزء من خريطة ترسل إلى بنيامين نتنياهو على شكل صورة موقعة من الرئيس الأميركي ومروسة بكلمة "Nice" هذا رائع.

لقد أصبحت كارثة بحجم سلخ قطعة من وطننا بكل ما فيها من قيم، لا يتعدى رغبة رئيس أميركي مغامر بإفراح رئيس وزراء إسرائيلي ودعمه انتخابيا، هذه الرغبة ما كانت لتتحقق لولا أن رئيس سوريا مشغول ببيع باقي الأرض وبقصف شعب محشور في قطعة وطن أخرى اسمها إدلب، وبقتل الأطفال والأحلام مستعينا بقوات محتلة أخرى وميليشيات طائفية وسكوت عالمي.

في الصورة التي عرضها نتنياهو كمّ من الإذلال وهدر الكرامة غير مسبوق، صورة رخيصة تضع أوطانا محتلة تحت سيادة محتلها وتشرعن له ذلك في ظل ضياع هيبة المؤسسات الأممية وانخراط قطبي العالم ورعاة السلام فيه في المذبحة المستمرة في سوريا، أحدهم غير آبه صامت، والآخر مشارك في مجزرة السوريين، هؤلاء الذين كانوا ليحرروا أرضهم لو أتيح لهم ذلك كما فعلوا على مر العصور، هم حرروها بدمهم من كل الغزاة والمحتلين ومن المستبدين وسيحررونها.

في الصورة الكثير مما يوجعنا، ومما يضنينا ويضعنا بمواجهة أنفسنا ونحن عجزة منكوبون مسلوبو الإرادة مسحوقون بقوة الصواريخ والقنابل والكيماوي والحرق والتهجير والتدمير، نحن -السوريين- تضيع أرضنا كلها اليوم تباع وتشترى وتحترق، وتسلب حياتنا وتخطف أحلامنا برعاية بشار الأسد ونظام حكمه الذي استساغ أن يقدم لنا وللعالم في ذات التوقيت من خلال "فنانيه" صورة مشوهة لعناصر الدفاع المدني الذين ينقذون ما تبقى من أروحنا، قدمهم بصورة "مجرمين" هم ونحن، ولم يرف له جفن وصورة الجولان تعرض بيد نتنياهو كجزء من كيانه، الصورتان فيهما من الوجع ما يقتل، فشركاء الوطن المفترضون يرون كل مآسينا تمثيلية بحجم سخافتهم وحقدهم ووضاعتهم ولا أحد يرى جولاننا يضيع بعبارة شكر وتوقيع.. إنه زمن بشار الأسد.

 

شارك برأيك