الجندية في الصغر مؤسسة للقهر

تاريخ النشر: 17.09.2019 | 00:09 دمشق

كتب عبد الرحمن الكواكبي منذ نيف ومئة عام بأن "الجندية تُفسد أخلاق الأمّة؛ حيثُ تُعلِّمها الشّراسة والطّاعة العمياء والاتِّكال، وتُميت النّشاط وفكرة الاستقلال، وتُكلِّف الأمّة الإنفاق الذي لا يطاق؛ وكُلُّ ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم".

وحسب التجربة التي مر بها أغلب السوريين، فقد تجنّدوا بأشكال مختلفة وبتسميات متنوعة منذ نعومة جلودهم. فبعد الخروج من حضانة الطفولة، وجد الطفل السوري نفسه ابن براثن طلائع البعث وتشويه الطفولة وتجنيد الأنفس وتأطير الأداء وغسل العقول وبناء الشخصية المذعنة الخاضعة، وخصوصاً، الشخصية القادرة على "فضح" كل ما يدور حولها عائلياً وطفولياً من أحاديث يمكن لها أن "توهن عزيمة" أمّةٍ فصّل المستبد محبتها حسب أهوائه وتوجهاته وانتظاراته. تجربة نقلها "البعثيون" من تجارب في دول المنظومة التي كانت تسمى بالاشتراكية، ولكنهم تأثروا خصوصاً بتلكم التي اعتمدها النظام الشمولي في كوريا الشمالية الملقبة بالديمقراطية. فحتى في دول شرق أوروبا والاتحاد السوفييتي سابقاً، فقد ركّز نظام الحزب الواحد على الطفولة لتهجين أجيال المستقبل وجعلها سهلة الانقياد وقابلة للطاعة، بالمقابل، واستناداً إلى حدٍ أدنى من المبادئ، فقد أغدقت هذه الأنظمة على هذه المجموعات الكثير من الثقافة والفن، وآثرت تحفيز طفولة مؤطرة على تجييش الطفولة منذ الصغر. وذلك كان على العكس من النموذج الكوري الشمالي الذي هدف أولاً وأخيراً إلى إخضاع الشعب منذ الحضانة إلى عبودية الزعيم القائد والذود، حتى طفلاً، عن أمنه وأمن عائلته، دون أي بعد وطني أو أخلاقي أو ثقافي. وقد انساق السوريون إلى تقليد النموذج الكوري الشمالي بنسخته الأسوأ. وبالتالي، صار تهجين الطفولة هو جزء من عملية تطويع المجتمع. وقد شكّل الأمر أيضاً جزءاً أساسياً ومهماً من منظومة تأميم الفضاء العام وتأطير الأجيال للقضاء بشكل تام على أية فرصة لكي يخرج المجتمع المدني رأسه من عنق زجاجة الخضوع.

وحسب التجربة التي مر بها أغلب السوريين، فقد تجنّدوا بأشكال مختلفة وبتسميات متنوعة منذ نعومة جلودهم

وقد تمثّلت الجندية في الشكل وفي المضمون، حيث اللباس الموحد والمشية العسكرية والشعارات التي يتم تردديها دون أي معرفة لمضامينها كما دروس التعبئة العقائدية التي تتنافى مع أية قاعدة تربوية خصوصاً تلكم التي تتعلق بأعمار الطفولة.

وقد امتدت هذه الجندية إلى السن الأكبر، حيث تقوم "منظمة اتحاد شبيبة الثورة" باستدامة ثقافة الخضوع والإخبار. وصار المخبر الطفل يانعاً، وصار إلى جانب تنظّمه في هذه المنظمة "الشعبية الديمقراطية" يخضع أيضاً إلى دروس في التدريب العسكري بمسمى "الفتوة" حيث المدرب أو المدربة غالباً ما يكونون شخوصاً معقدة ممتلئة بحقد يمزج الطبقي بالديني بالمناطقي بالوظيفي، يُضاف إليه عنف لفظي وجسدي لطالما يدفع الخاضعين له على النفور من أي انتماء إيجابي ويحصرهم في انتماء تدميري واحد وموحد لثقافة الخوف. وفي هذا العمر، تتضافر جهود التجنيد إلى جانب الإخضاع السياسي إلى جانب التعلم المخابراتي، بحيث يخرج اليافع مخلوقاً معقد التركيب يجمع في جنباته الخضوع والخوف وإتقان النميمة في أسوأ صورها المدمرة. وفي فيلم تسجيلي جميل ومؤلم، حمل عنوان "ذاكرة باللون الخاكي"، سجل المخرج السوري الفوز طنجور، هذه المرحلة بإبداع مؤثّر حمل في طياته مجمل أبعاد هذه المرحلة المدمرة أخلاقياً وإنسانياً.  

بعد اكتمال النمو ولا أجرؤ على الحديث عن النضوج، وبعد انتهاء الدراسة الثانوية، تتلقف الجامعة بصيغتيها المدنية والعسكرية الشاب السوري لتلقينه درساً إضافياً لن ينساه في الخضوع وفي الجندية وفي علم الدسائس والنميمة. فاتحاد طلبة سوريا، الذي هو استكمال لعقد المنظمات "الديمقراطية الشعبية" والذي تم تشكيله بناء على عقيدة "الأمنوقراطية" المؤطرة لحيوات السوريين والسوريات في كافة مجالات الحياة وحتى الموت. اتحاد لا ناقة فيه ولا جمل لأي طالب أو طالبة فيما يخص مصالحهم وحقوقهم ودراستهم، بالمقابل، فهو فرعٌ أمنيٌ بامتياز لاختراق الأوساط الطلابية التي فهم النظام، منذ البدء، بأنها ملغومة بالمطالب المزعجة وبالأحلام الموؤدة. ويصير عضو الاتحاد مرموق الموقع في الكلية من حيث الرهبة والخوف المهيمن على بقية الطلاب منه. ويصير أيضا عضو أو عضوة الاتحاد هم من المبشرين بالمنح الدراسية وبالسكن الجامعي. يُضاف إلى هذا الإخضاع والخضوع، إقحام الطلبة في ميليشيات حراسة ليمارس أشرسهم سلطة الأمر الواقع على بقية الزملاء والزميلات. وتفجرت في هذا الإطار كل أنواع الصراعات المكبوتة مناطقياً وطائفياً وطبقياً برعاية وتشجيع من صاحب الأمر الأمني الذي يحلو له دائماً تطبيق قاعدة الاستعمار الخالدة: فرق تسد.

يُضاف إلى هذا التأطير الأمني الجامعي، ما يسمى التدريب العسكري الجامعي، وهو يوم أسبوعي يرتدي فيه الطلبة من الذكور لباس العسكر ويتخلون عن كل أوضاعهم المدنية

يُضاف إلى هذا التأطير الأمني الجامعي، ما يسمى التدريب العسكري الجامعي، وهو يوم أسبوعي يرتدي فيه الطلبة من الذكور لباس العسكر ويتخلون عن كل أوضاعهم المدنية ليصيروا عسكرا في حرم جامعي، حيث تظهر "أخلاق" الجندية في لباسهم ومسيرهم وكلامهم. ويتصرفون وكأنهم متنكرون لا يعرفهم أحد، وبالتالي يخرجون أسوأ ما تحمله ثنايا نفسياتهم المقموعة من التصرفات وخصوصا تجاه الإناث، كما أنهم يصيرون كالعسس المنتشر في مدينة محتلة، في نظراتهم وحركاتهم وصرخاتهم. وكأن اللباس العسكري الذي يرتدون يُعرّي ذواتهم.

سلسلة طويلة من الإخضاع والعسكرة أطاحت بأجيال عدة وجعلت من الجندية رمزاً للخضوع.

 

درعا.. إصابة طفلين بانفجار قذيفة من مخلفات النظام الحربية
النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
بموجب الاتفاق.. قوات النظام تدخل مدينة داعل وتُخلي حاجزاً في درعا البلد
فحص جديد في مدارس سوريا بدلاً عن الـ PCR يظهر النتيجة بربع ساعة
4 وفيات و1167 إصابة جديدة بكورونا شمال غربي سوريا
صحة النظام: تفشي كورونا شغل أسرة العناية المركزة في دمشق واللاذقية بنسبة 100%