icon
التغطية الحية

"الجفاف ليس جديدا".. بذور القمح المستوردة تهدد الأمن الغذائي شمال شرقي سوريا

2025.05.31 | 10:43 دمشق

آخر تحديث: 31.05.2025 | 11:45 دمشق

‏راعي يقف مع أغنامه في حقل‏‏ قمح ‏‏في ريف حلب، سوريا، 8 أيار/مايو 2025. رويترز
‏راعي يقف مع أغنامه في حقل‏‏ قمح ‏‏في ريف حلب، 8 أيار 2025 ـ رويترز
تلفزيون سوريا ـ مختار الإبراهيم
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يعاني مزارعو قرية عين العبد من تدهور إنتاج القمح بسبب استخدام بذور مستوردة غير ملائمة، مما أدى إلى عدم كفاية المحصول لتسديد الديون.
- تسببت البذور الأمريكية المستوردة، التي وزعتها قوات سوريا الديمقراطية، في انتشار أمراض نباتية وزيادة الأعباء المالية على المزارعين بسبب عدم تكيفها مع البيئة المحلية.
- فرضت قوات سوريا الديمقراطية سياسات زراعية جديدة أثارت جدلاً، حيث جعلت الفلاحين يعتمدون على شراء البذور المستوردة سنويًا، مما يهدد استمرارية الزراعة.

في قرية عين العبد بالقرب من تل تمر في ريف محافظة الحسكة، حيث تمتدّ الحقول الذهبية لسهول القمح عادة في هذا الوقت من السنة، يقف المزارع "أبو دحام" (60 عامًا) أمام أرضه شبه البور، يتأمل حبات القمح القليلة التي بالكاد نضجت هذا الموسم، يقول بحرقة: "زرعت أكثر من 5 هكتارات هذا العام، لكن المحصول لا يكفي حتى لتسديد ديوني، لم أرَ في حياتي محصولًا بهذا السوء، حتى في سنوات الجفاف القاسية، الفرق هو أن البذار هذه المرة غريبة عن أرضنا، ولا تنبت كما اعتدنا."

كلام أبو دحام ينسجم مع أرقام صادمة صدرت مؤخرا، فقد تراجع إنتاج القمح في سوريا بنسبة تصل إلى 75% مقارنةً بالأعوام السابقة، ليصل إلى مستويات "الأزمة"، وفي محافظة الحسكة وحدها، التي تُعدّ خزان الحبوب السوري، انخفض الإنتاج بشكل دراماتيكي، وأصبحت خسائر الفلاحين تهدد استمرار الزراعة في المنطقة.
ومؤخرا حذرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأم المتحدة من أن الجفاف الحاد الذي تتعرض له سوريا قد يؤدي إلى فشل ما يصل إلى 75 في المئة من محصول القمح المحلي، مما يهدد الأمن الغذائي لملايين السكان. وقال توني إيتل، ممثل "الفاو" في سوريا، إن المنظمة تتوقع عجزاً غذائياً يقدر بـ2.7 مليون طن من القمح هذا العام، مما يعادل الكمية اللازمة لإطعام نحو 16.3 مليون شخص لمدة عام كامل.

بذور مستوردة لا تناسب البيئة

يُعزى هذا التراجع، بحسب المزارعين، إلى نوعية البذور الجديدة التي وزّعتها سلطات "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وهي بذور أميركية مستوردة وُزّعت مجانًا تحت إشراف منظمات أميركية. لكن ما بدا دعمًا في الظاهر، تحوّل إلى كارثة زراعية بحسب العديد من الخبراء

يؤكد المهندس الزراعي بشير محمد لموقع تلفزيون سوريا أن هذه البذور "ليست مُكيّفة مع البيئة شبه القاحلة التي تميّز شمال شرقي سوريا"، ويضيف لموقع تلفزيون سوريا "البذور السورية الأصيلة خضعت لتجارب طويلة في هذه البيئة، وتكيفت ذاتيا وتحمّلت الجفاف وقلّة المياه، أما البذور المستوردة، فهي تحتاج إلى ظروف مناخية مختلفة تمامًا، ولا يمكنها أن تصمد في هذه التربة."
ولعل جشع الشركات الأميركية دفعها لتعديل وراثي على البذور المنتجة لديهم بحيث يمكن زراعتها ولا يمكن الإكثار منها، بمعنى أن الفلاح مضطر إلى شراء البذور كل عام على عكس ما اعتاد عليه الفلاح من إكثار البذار من محصوله بحيث يضمن تخفيض كلف شراء البذور المرتفعة الثمن مقارنة بسعر القمح.

وبمقاطعة البيانات والمعلومات التي أوردها كل من المكتب المركزي للإحصاء في سوريا ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إضافة للكتاب السنوي للإحصاءات الزراعية الصادر عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية تمكنّا من الخروج بنسب إنتاج القمح في سوريا لأعوام مختلفة للمقارنة بين قبل وبعد استخدام البذور الأميركية -من دون إهمال طبعا أن تراجع الإنتاج يعود لظروف مناخية في بعض الأعوام:
 

السنة

الإنتاج (مليون طن)

2010

4.2

2011

3.9

2012

2.7

2013

2.4

2014

1.9

2015

1.5

2016

1.3

2017

1.8

2018

1.2

2019

1.0

2020

1.8

2021

1.2

2022

1.3

2023

1.4

 

كما وصف المهندس محمد هذا النوع من البذور بأنها "خَطِرة وقد تُسبّب وباءً للأرض"، مشيرًا إلى حالات انتشار أمراض نباتية في بعض الحقول مثل "فطر الإرغوت" و هو فطر من النوع الطفيلي الذي ينمو على سنابل القمح المستورد، ورغم احتواء تركيبته الكيميائية على نسب جيدة من المعادن كالفوسفات والكالسيوم والماغنسيوم والبوتاسيوم، وبعض المواد السكرية والأحماض الأمينية المفيدة، إلا أن تناول هذا القمح المصاب بفطر "الأرغوت" يزيد من تركيزاته فى الجسم ويسبب أضرارًا صحية كثيرة ، وتزايد المخاوف من تدهور خصوبة التربة على المدى الطويل.

استيراد البذور غير المجربة

من وجهة نظر قانونية، يرى المحامي علاء برنية أن استيراد بذور غير مجرّبة محليًا من دون رقابة رسمية يتعارض مع المبادئ العامة لحماية الأمن الزراعي. ففي الاتحاد الأوروبي، يُحظَر إدخال أي بذور أجنبية من دون إذن وموافقة مشددة، ويُغرّم المخالفون بمبالغ كبيرة. والهدف من ذلك هو الحفاظ على السلالات المحلية المتكيفة مع التربة والمناخ، وضمان عدم إدخال طفرات قد تُدمّر التوازن البيئي أو تُضعف الإنتاج على المدى البعيد.

اليوم، وفي حين تزداد ملامح الأزمة الزراعية في شمال شرقي سوريا، يجد الفلاحون أنفسهم بين فكّي كماشة: طبيعة قاسية، وسياسات زراعية مستوردة لا تراعي الخصوصيات المحلية. ويخشى كثيرون أن تتحوّل هذه الأزمة إلى أزمة غذاء، في بلدٍ كان يُعرف سابقًا بـ"سلّة خبز المنطقة".

ليس في الجزيرة السورية وحدها بل في منبج أيضا يتحدث المزارع باسل عن معاناة مشابهة لما واجهه أبو دحام، إذ يشتكي من تدني الإنتاج الزراعي بسبب استخدام بذور القمح الأميركية التي وزعتها السلطات في شمال شرقي سوريا.

وأوضح باسل أن هذه البذور لا تصلح إلا للزراعة لموسم واحد فقط، مما يجعل الفلاحين رهائن لشرائها من نفس المصدر كل عام. وأضاف: "البذور المحلية كنّا نحتفظ بجزء منها لموسم السنة القادمة، أما الآن فنحن مضطرون لشراء البذور كل سنة وبأسعار مرتفعة جدًا".

وأشار إلى أنه بسبب تدني المحصول هذا العام، اضطر إلى استدانة مبالغ كبيرة ليتمكن من شراء البذور اللازمة للزراعة في الموسم القادم، مما يزيد من أعبائه المالية ويهدد استمرارية عمله في الزراعة.

"قسد" فرضت سياسات زراعية على الفلاحين

منذ 2015، ومع الدعم العسكري واللوجستي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، بدأت قوات سوريا الديمقراطية "قسد" ببسط سيطرتها على مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا، وخاصة محافظات الحسكة والرقة وأجزاءا من دير الزور. وتشمل هذه المناطق أهم الأراضي الزراعية في البلاد، خصوصًا تلك الواقعة على ضفاف نهري الفرات والخابور، والتي لطالما شكلت سلة الغذاء الأساسية لسوريا.

وبعد تثبيت نفوذها، بدأت الإدارة الذاتية التابعة لـ"قسد" بفرض سياسات زراعية جديدة على الفلاحين. شملت هذه السياسات تغيير أنماط الزراعة، وتحديد أسعار المحاصيل، وفرض ضرائب ورسوم على الإنتاج، إلى جانب منع المزارعين من استخدام البذار المحلي التقليدي المعروف بملاءمته للبيئة شبه القاحلة السورية.

وبدلاً من ذلك، قامت الإدارة الذاتية بتوزيع بذور قمح مستوردة من الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما أثار جدلاً واسعًا في أوساط المزارعين والمهندسين الزراعيين المحليين. فالبذار الأميركي – وفق العديد من الشهادات – لا يتكيف مع طبيعة التربة والمناخ في المنطقة، وتعطي محصولاً ضعيفًا، خصوصًا في سنوات الجفاف.

يضاف لما سبق أن البذور المستوردة، وفق شهادات المزارعين، لا تصلح للزراعة سوى لموسم واحد، مما يجعل الفلاحين معتمدين سنويًا على شرائها من المصدر ذاته، وبأسعار مرتفعة جدًا مقارنة بالبذور المحلية التي كانوا يعتمدون على إكثارها سابقًا. وبهذا، أصبحت شريحة واسعة من الفلاحين في حالة تبعية اقتصادية قسرية لخطط زراعية مفروضة عليهم، من دون مراعاة للظروف البيئية أو الاجتماعية.