icon
التغطية الحية

الجغرافيا كشاهد.. كيف ساعدت الدرونات وتحليل التربة في كشف مقبرة الضمير

2025.10.20 | 19:44 دمشق

آخر تحديث: 2025.10.20 | 19:45 دمشق

287
صور الطائرات والتربة والشهود تكشف نقل المقابر الجماعية في سوريا (رويترز)
 تلفزيون سوريا ـ وكالات
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- استخدمت رويترز تكنولوجيا الطائرات بدون طيار وعلوم التربة الجنائية للتحقق من نقل جثث من مقبرة جماعية في القطيفة إلى الضمير بين 2019 و2021، مؤكدةً روايات الشهود.
- تعاونت رويترز مع علماء الجيولوجيا الجنائية لالتقاط آلاف الصور الجوية وإنشاء صور مركبة عالية الدقة، مما ساعد في تقديم أدلة بصرية على نقل الجثث باستخدام نظام ألوان مونسيل.
- أظهرت الصور اختلافات في لون التربة بين المواقع، مما يشير إلى خلط التربة، لكن الأسرار الحقيقية تتطلب عينات فيزيائية واختبارات الحمض النووي لتأكيد النقل وهويات القتلى.

كشفت وكالة رويترز اليوم الإثنين أنّ تكنولوجيا الطائرات من دون طيار وعلوم التربة الجنائية ساعدت على التحقق من روايات الشهود حول كيفية نقل نظام بشار الأسد للجثث من مقبرة جماعية معروفة في القطيفة إلى الضمير بين عامي 2019 و2021، في محاولة للتغطية على سنوات من الفظائع.

وتوضحت تفاصيل المقبرة الجماعية الجديدة في الضمير، اعتمادا على صور الطائرات من دون طيار وتحليل التربة لتوثيق الأدلة ومطابقة روايات الشهود.

قالت رويترز في تقريرها إنها تعاونت مع فريق من علماء الجيولوجيا الجنائية لاستخدام تقنيات مقارنة التربة لتأكيد نقل الجثث من القطيفة إلى صحراء الضُمير، اعتمادًا على آلاف الصور الجوية الملتقطة بالطائرات من دون طيار لإنشاء صورتين مركبتين عاليتي الدقة.

وكشفت روتيرز عن المقبرة الجماعية الجديدة في الضُمير لأول مرة، ولا يزال عدد المدفونين مجهولًا، في حين قد توفر عينات التربة تأكيدًا علميًا للعملية، وتكشف عمليات استخراج الجثث عدد القتلى وهوياتهم.

شهود وأدلة

وعن رئيسة مركز علوم التربة الجنائية بمعهد جيمس هوتون لورنا داوسون قالت: "إن مقارنة التربة هي خيط واحد من الأدلة، يجب ربطها بالمعلومات الأخرى، والبيانات الأخرى، والاستخبارات، وشهادات الشهود. لأنه كما هو الحال في جميع التحقيقات، لا تكون القضية مبنية على معلومة واحدة أو بيانات واحدة فقط.”

قبل تحليل الصور الجوية، اكتشف الصحفيون في رويترز الموقع بعد مقابلة أكثر من عشرة أشخاص شاركوا مباشرة في نقل الجثث، من سائقين وجنود وميكانيكيين وحفارين، الذين وصفوا سنوات الرحلات بين المقبرة الأصلية في القطيفة وموقع الضُمير. كما راجع فريق التحقيق وثائق رسمية موقعة أو مختومة من ضباط سوريين، وتحليل أكثر من 500 صورة فضائية لتحديد حجم الموقع الجديد وسرعة تفريغ المقابر في القطيفة في أثناء الحفر في الضُمير.

أُطلقت على العملية اسم "عملية نقل الأرض"، وكان الهدف إخفاء الجرائم المرتكبة خلال حكم الأسد بين فبراير 2019 و2021.

الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار تدخلان التحقيق

ظهر أول خندق من بين 34 خندقًا على صور فضائية منخفضة الجودة في شباط/فبراير 2019، قبل بدء نقل الجثث من المقبرة الجماعية في قطيفة، وفقًا لثمانية أشخاص شاركوا في العملية.

ورغم ظهور تغييرات في ألوان التربة حول المقابر في الضمير، فإن دقة الصور الفضائية حينها لم تكن كافية للتحليل المفصل، نظرًا لتأثر الألوان بالظروف الجوية.

هنا جاء دور العلماء، فقد صمّم عالم جيولوجيا جنائية متخصص في استخدام الطائرات من دون طيار يدعى بنجامين روك، لتحديد المقابر غير معروفة الهوية، خطة طيران لوكالة رويترز فوق موقعي القبرين، موجهًا مشغل طائرة من دون طيار للتحليق في نمط شبكي ضيق على ارتفاع 60 مترًا، مع التقاط الصور تلقائيًا كل ثانيتين، بعد ساعة و31 دقيقة، تم التقاط 2,629 صورة للضُمير و2,236 صورة لموقع القطيفة، بما في ذلك استراحات قصيرة لتغيير البطاريات.

الصور المركبة وتحليل التربة

في القطيفة تم دمج آلاف الصور لإنشاء هذه الصورة المركبة التفصيلية للمقبرة الجماعية الأصلية ، ما أتاح للخبراء نظرة دقيقة على الموقع بأبعاد لم تكن ممكنة من خلال الصور الفضائية التقليدية حسب ما أشار تقرير رويترز.

واحتوى الموقع على ثلاثة حفر استخدمها الجيولوجيون كمرجع بصري لمقارنة لون التربة تحت السطح مع الموقع الجديد في الضُمير، ما ساعد على تقييم مدى تشابه التربة ووجود أي علامات على نقل التربة أو الجثث، وظهرت هذه الحفر لأول مرة في الصور الفضائية الملتقطة هذا العام، بعد سقوط نظام الأسد، ما أتاح للصحفيين استخدام البيانات الحديثة لمتابعة تطورات الموقع بدقة .

وبسبب ضعف شبكة الإنترنت في سوريا، استغرق رفع الملفات عدة أيام، وعندما اكتملت عملية الرفع أخيرًا، ظهرت الألوان والملامح التي كانت مشوشة في الصور الفضائية بوضوح كبير في الصور عالية الدقة الملتقطة بواسطة الطائرات من دون طيار

وأكدت رويترز أن هذه الصور كشفت عن آثار مسارات الجرافات، وارتفاعات متفاوتة في الأرض، وبقع من التربة مفصلة بما يكفي لإجراء مقارنة مباشرة بين ألوان التربة في قُطيفية والضُمير، مما ساعد في تعزيز مصداقية روايات الشهود.

مخططات لون التربة من مونسل، بنيامين روك، لورنا داوسون، تقارير رويترز.
مخططات لون التربة من مونسل، بنيامين روك، لورنا داوسون (رويترز)

وفقًا للبروتوكولات الدولية المعتمدة لحماية المقابر الجماعية والتحقيق فيها، تُعد التقنيات غير التدخلية المعيار الذهبي عند الاكتشاف الأولي وتوثيق المواقع. وتشمل هذه التقنيات الصور الجوية، والصور الفضائية، والتقارير البشرية، واستخدام الوثائق الرسمية، بما يضمن توثيق الأدلة من دون المساس بالموقع، وهو أمر بالغ الأهمية إذا ما تم التعامل مع الموقع لاحقًا كمسرح جريمة محتمل.

تجدر الإشارة إلى أن الصور الجوية والفضائية استُخدمت لأول مرة لتحديد المقابر الجماعية علنًا في عام 1995، بعد إعدام ما يصل إلى 8,000 رجل وصبي مسلم في سربرنيتسا على يد القوات الصربية البوسنية.

صورة مركبة لموقع الضُمير

قدمت الصورة المركبة التي التقطتها طائرة من دون طيار رؤية دقيقة لخنادق الدفن المغطاة في موقع الضُمير. وعند مقارنة التربة المضطربة بمواقع غير محفورة، لوحظ اختلاف واضح في اللون، ما ساعد على تأكيد شهادات الشهود حول كيفية نقل الجثث من مقبرة جماعية إلى أخرى.

تضمنت خطة الطيران التي وضعها بنجامين روك للطائرة مسارًا مستقيمًا لكل خط على مسافة حوالي 20 مترًا، ذهابًا وإيابًا عبر الموقع، لضمان التقاط آلاف الصور المتداخلة. وقد سمح برنامج الفوتوجرامتري بدمج هذه الصور لتكوين صور مركبة عالية الدقة، تتفوق بعشر مرات على دقة الصور الفضائية التقليدية.

صورة مركبة لضمير
صورة مركبة لضمير (روتيرز)

نظام ألوان مونسيل ودوره في كشف عملية النقل

يُعد نظام منسيل للألوان أداة قياسية لتصنيف الألوان بناءً على ثلاثة معايير: الصبغة (Hue) لتحديد اللون الأساسي، الشدة (Chroma) لتحديد قوة اللون، والقيمة (Value) لتحديد مدى الفاتحة أو الداكنة. وفي متابعة تحقيق رويترز لقد استخدمه الجيولوجيون الجنائيون لمقارنة التربة بين موقع المقبرة الجماعية الأصلية في قُطيفية والموقع الجديد في الضُمير، ما أتاح تقييمًا علميًا للتربة ونقلها المحتمل.

في قُطيفية، التقطت الطائرة من دون طيار تفاصيل الحفر الفارغة التي جُرفت منذ سقوط الأسد، سواء داخل منطقة المقبرة الجماعية أو بالقرب منها. كشفت الصور عن تربة تحت سطحية حمراء وصفراء، وهي نوعية التربة التي يُحتمل أن تكون قد حُفرت مع الرفات البشرية، وفق استنتاج فريق روك.

أما في الضُمير، أظهرت الصور أن التربة المضطربة كانت أكثر احمرارًا وظلمة مقارنة بالمناطق المجاورة غير المضطربة، وهو التغير المتوقع إذا أُضيفت تربة القُطيفية تحت السطح إلى التربة الرمادية في الموقع الجديد.

يُظهر أحد الخنادق التي جرفتها الجرافة، والمحدّد باللون الأحمر، بوضوح كيف يختلف لون التربة المضطربة في الضُمير عن الأرض المحيطة غير المضطربة. ويشير هذا الاختلاف إلى احتمال خلط التربة بين الموقعين، وهو ما يدعمه تحليل ألوان المونسيل.

تحليل التربة في الضمير
تحليل التربة في الضمير (رويترز)

وأوضح روك أن عوامل أخرى يمكن أن تُسهم في اسوداد التربة، بما في ذلك محتوى الرطوبة، وتركيب المعادن، أو المواد الكيميائية الناتجة عن تحلل الجثث، مشيرًا إلى أن جميع هذه العوامل تدعم وجود مزيج من التربة القديمة والجديدة.

وأكدت رويترز أنه على الرغم من أن تحليل ألوان التربة يشير إلى احتمال نقل خلط التربة، إلا أن الأسرار ما تزال مخفية تحت السطح. فالعينات الفيزيائية فقط يمكنها تأكيد وجود تربة قُطيفية في الضُمير، في حين ستكشف عملية استخراج الجثث واختبارات الحمض النووي عن عدد القتلى وهوياتهم، لتقديم دليل قاطع على عملية النقل.